الحَدِيث الثَّالِث عشر من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ
الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن بسرة بنت صَفْوَان - رَضي اللهُ عَنها - قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ . هَذَا حَدِيث صَحِيح . أخرجه الْأَئِمَّة الْأَعْلَام أهل الْحل وَالْعقد وَالنَّقْل والنقد : مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَالشَّافِعِيّ فِي الْأُم ، والإِمَام أَحْمد فِي الْمسند ، وَكَذَا الدَّارمِيّ ، وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة : أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، وَابْن الْجَارُود فِي الْمُنْتَقَى ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتبه الثَّلَاثَة : السّنَن الْكَبِير و الْمعرفَة و الخلافيات ، وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، وتلميذه أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحَيْهِمَا ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَة الْمُتَّصِلَة .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ مُحَمَّد - يَعْنِي : البُخَارِيّ - : إِنَّه أصح شَيْء فِي الْبَاب . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح ثَابت عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ثَنَا ابْن مخلد ، ثَنَا أَبُو دَاوُد السجسْتانِي ح . وَقَالَ الْخلال فِي علله : أَنا أَبُو دَاوُد ، قَالَ : قلت لِأَحْمَد بن حَنْبَل : حَدِيث بسرة فِي مس الذّكر لَيْسَ بِصَحِيح ؟ قَالَ : بل هُوَ صَحِيح . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا : هُوَ صَحِيح ثَابت .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة : هَذَا الحَدِيث وَإِن لم يُخرجهُ الشَّيْخَانِ فِي كِتَابَيْهِمَا لاخْتِلَاف وَقع فِي سَماع عُرْوَة مِنْهَا ، أَو هُوَ عَن مَرْوَان ، فقد احتجا بِسَائِر رُوَاة حَدِيثهمَا ، وَاحْتج البُخَارِيّ بِرِوَايَة مَرْوَان بن الحكم فِي عدَّة أَحَادِيث ثمَّ سردها ؛ فَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ بِكُل حَال ، وَإِذا ثَبت سُؤال عُرْوَة بسرة عَن هَذَا الحَدِيث كَانَ صَحِيحا عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ جَمِيعًا . قَالَ : وَقد اسْتَقَرَّتْ الدّلَالَة عَلَى سُؤَاله إِيَّاهَا عَن هَذَا الحَدِيث وتصديقها مَرْوَان فِيمَا رَوَى عَنْهَا ، وَذكر هَذِه الْمقَالة بِعَينهَا ابْن الْأَثِير فِي شرح الْمسند . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي : هَذَا حَدِيث لَا يخْتَلف فِي عَدَالَة رُوَاته .
وَقَالَ عبد الْحق فِي أَحْكَامه : هُوَ حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه : إِسْنَاده لَا مطْعن فِيهِ . وَقَالَ ابْن الصّلاح : هُوَ حَدِيث حسن ثَابت ، أخرجه أَصْحَاب السّنَن بأسانيد عديدة .
قلت : فَهَذِهِ أَقْوَال الْحفاظ قَدِيما وحديثًا تشهد لما قدمْنَاهُ من صِحَّته ، وَعَلِيهِ اعتراضات عَنْهَا أجوبة ظَاهِرَة فنخوض فِيهَا ليظْهر وهنها . الأول : أَن عُرْوَة لم يسمع هَذَا الحَدِيث من بسرة ؛ إِنَّمَا سَمعه من مَرْوَان ، يدل عَلَى ذَلِك أَن الشَّافِعِي رَوَاهُ عَن مَالك ، عَن عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم أَنه سمع عُرْوَة بن الزبير يَقُول : دخلت عَلَى مَرْوَان بن الحكم فتذاكرنا مَا يكون مِنْهُ الْوضُوء ، فَقَالَ مَرْوَان : وَمن مس الذّكر الْوضُوء . فَقَالَ عُرْوَة : مَا علمت ذَلِك .
فَقَالَ مَرْوَان : حَدَّثتنِي بسرة بنت صَفْوَان أَنَّهَا سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : إِذا مس أحدكُم ذكره فَليَتَوَضَّأ . الثَّانِي : الطعْن فِي مَرْوَان بن الحكم الرَّاوِي عَنْهَا ؛ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : طعن أهل الْعلم فِيهِ . وَكَذَا قَالَ الْحَاكِم : طعن فِي مَرْوَان أَئِمَّة الحَدِيث .
الثَّالِث : جَهَالَة بسرة . الرَّابِع : أَنه يرويهِ عَنْهَا شرطي عَن شرطي . قَالَ الْحَرْبِيّ : هَذَا حَدِيث يرويهِ شرطي عَن شرطي عَن امْرَأَة .
وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ عَن عَلّي بن الْمَدِينِيّ قَالَ : أرسل مَرْوَان شرطيًّا إِلَى بسرة حَتَّى ردّ إِلَيّ جوابها . الْخَامِس : عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : ثَلَاثَة أَحَادِيث لَا تصح : حَدِيث مس الذّكر ، و لَا نِكَاح إِلَّا بولِي ، و كل مُسكر حرَام . السَّادِس : قَالَ الطَّحَاوِيّ : إِن قَالُوا : فقد رَوَى هَذَا الحَدِيث : هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه ، قيل لَهُم إِن هِشَام بن عُرْوَة لم يسمع هَذَا من أَبِيه ، إِنَّمَا أَخذه من أبي بكر - يَعْنِي ابْن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم - وَنسبه فِي ذَلِك إِلَى التَّدْلِيس .
وَعَن النَّسَائِيّ أَيْضا أَن هَذَا الحَدِيث لم يسمعهُ هِشَام من أَبِيه . وَالْجَوَاب عَن هَذِه الاعتراضات بِفضل الله ومنته : أما الأول : فقد صَحَّ ، وَثَبت من غير شكّ وَلَا مرية سَماع عُرْوَة هَذَا الحَدِيث من بسرة أَيْضا ، قَالَ ابْن حبَان فِي صَحِيحه : أَنا أَحْمد بن خَالِد الْحَرَّانِي ، نَا أبي ، نَا شُعَيْب بن إِسْحَاق ، حَدثنِي هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، أَن مَرْوَان بن الحكم حَدثهُ ، عَن بسرة بنت صَفْوَان أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا مسّ أحدكُم ذكره فَليَتَوَضَّأ . قَالَ : فَأنْكر ذَلِك عُرْوَة فَسَأَلَ بسرة فصدقته .
قَالَ ابْن حبَان : وَأَنا مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة ، نَا مُحَمَّد بن رَافع ، نَا ابْن أبي فديك ، أَخْبرنِي ربيعَة بن عُثْمَان ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن مَرْوَان ، عَن بسرة بنت صَفْوَان مَرْفُوعا : من مسّ فرجه فَليَتَوَضَّأ قَالَ عُرْوَة : فَسَأَلت بسرة فصدقته . ثمَّ رَوَى ابْن حبَان - أَيْضا - من حَدِيث هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن بسرة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من مس فرجه فليعد الْوضُوء . وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة : وَمن صَحِيحه نقلت أوجب الشَّافِعِي الْوضُوء من مس الذّكر لحَدِيث بسرة ، لَا رَأيا ، وَبقول الشَّافِعِي أَقُول ؛ لِأَن عُرْوَة سمع حَدِيث بسرة مِنْهَا لَا كَمَا يتوهمه بعض النَّاس أَن الْخَبَر واه ؛ لطعنه فِي مَرْوَان بن الحكم .
وقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : سَاق حَمَّاد بن سَلمَة هَذَا الحَدِيث ، وَذكر فِيهِ سَماع عُرْوَة من بسرة . قَالَ : وَمِمَّا يدل عَلَى صِحَة ذَلِك أَن الْجُمْهُور من أَصْحَاب هِشَام بن عُرْوَة رَوَوْهُ عَنهُ عَن أَبِيه ، عَن بسرة ، ثمَّ ذكر ذَلِكَ عَن نَيف وَعشْرين رجلا . قَالَ : وَقد خالفهم فِيهِ جمَاعَة فَرَوَوْه عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن مَرْوَان ، عَن بسرة ، ثمَّ ذكر ذَلِك عَن عشرَة أنفس ، ثمَّ قَالَ : وَقد ظهر الْخلاف فِيهِ عَلَى هِشَام بن عُرْوَة من بَين أَصْحَابه ، فَنَظَرْنَا فَإِذا الْقَوْم الَّذين أثبتوا سَماع عُرْوَة من بسرة أَكثر وَبَعْضهمْ أحفظ من الَّذين جَعَلُوهُ عَن مَرْوَان ، إِلَّا أَن جمَاعَة من الْأَئِمَّة الْحفاظ أَيْضا ذكرُوا فِيهِ مَرْوَان ، مِنْهُم مَالك بن أنس وَالثَّوْري ونظراؤهما ، فَظن جمَاعَة مِمَّن لم ينعم النّظر فِي هَذَا الِاخْتِلَاف أَن الْخَبَر واه لطعن أَئِمَّة الحَدِيث عَلَى مَرْوَان ، ثمَّ نَظرنَا فَوَجَدنَا جمَاعَة من الثِّقَات الْحفاظ رووا هَذَا ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن مَرْوَان ، عَن بسرة ، ثمَّ ذكرُوا فِي رواياتهم أَن عُرْوَة قَالَ : ثمَّ لقِيت بعد ذَلِك بسرة فحدثتني بِالْحَدِيثِ ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَمَا حَدثنِي مَرْوَان عَنْهَا .
قَالَ : فدلنا ذَلِك عَلَى صِحَة الحَدِيث وثبوته عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، وَزَالَ عَنهُ الْخلاف والشبهة ، وَثَبت سَماع عُرْوَة من بسرة . ثمَّ سَاق بأسانيده شَوَاهِد لما ذكره ، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا مثل هَذِه الْمقَالة فَقَالَ : كَمَا اخْتلف عَلَى هِشَام بن عُرْوَة فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ، فَرَوَاهُ جمَاعَة من الرفعاء الثِّقَات ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن بسرة وَخَالفهُم جمَاعَة من الرفعاء الثِّقَات أَيْضا فَرَوَوْه ، عَن هِشَام ، عَن أَبِيه ، عَن مَرْوَان ، عَن بسرة فَلَمَّا ورد هَذَا الِاخْتِلَاف عَن هِشَام أشكل أَمر هَذَا الحَدِيث ، وَظن كثير من النَّاس مِمَّن لم ينعم النّظر فِي الِاخْتِلَاف أَن هَذَا الحَدِيث غير ثَابت لاختلافهم فِيهِ ؛ وَلِأَن الْوَاجِب فِي الحكم أَن نقُول : القَوْل قَول من زَاد فِي الْإِسْنَاد ؛ لأَنهم ثِقَات فزيادتهم مَقْبُولَة ، فَحكم قوم من أهل الْعلم بِضعْف الحَدِيث لطعنهم عَلَى مَرْوَان ، فَلَمَّا نَظرنَا فِي ذَلِك وبحثنا عَنهُ ، وجدنَا جمَاعَة من الثِّقَات الْحفاظ رووا هَذَا الحَدِيث ، عَن أَبِيه ، عَن مَرْوَان ، عَن بسرة فَذكرُوا فِي روايتهم فِي آخر الحَدِيث أَن عُرْوَة قَالَ : ثمَّ لقِيت بسرة بعد فسألتها عَن الحَدِيث فحدثتني بِهِ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَمَا حَدثنِي مَرْوَان عَنْهَا ، فَدلَّ ذَلِك من رِوَايَة هَؤُلَاءِ النَّفر عَلَى صِحَة الرِّوَايَتَيْنِ الأولتين جَمِيعًا ، وَزَالَ الِاخْتِلَاف ، وَالْحَمْد لله . فصح الْخَبَر وَثَبت أَن عُرْوَة سَمعه من بسرة مشافهة بِهِ بعد أَن أخبرهُ مَرْوَان عَنْهَا ، وَبعد إرْسَاله الشرطي إِلَيْهَا ، وَمِمَّا يُقَوي ذَلِك وَيدل عَلَى صِحَّته أَن هشامًا كَانَ يحدث بِهِ مرّة ، عَن أَبِيه ، عَن مَرْوَان ، عَن بسرة ، وَمرَّة ، عَن أَبِيه ، عَن بسرة ؛ ثمَّ أوضح طرقه فِي علله فِي نَحْو من عشْرين قَائِمَة .
وَأما الْجَواب عَن الثَّانِي : فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : مَرْوَان بن الحكم قد احْتج بِهِ البُخَارِيّ فِي الصَّحِيح ، وَقَالَ الْحَازِمِي : إِن الشَّيْخَيْنِ احتجا بِهِ . وناقشه فِي ذَلِك الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام فَقَالَ : هُوَ مَعْدُود من مُفْرَدَات البُخَارِيّ . وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي الْمُحَلَّى : مَرْوَان مَا يعلم لَهُ جرحة قبل خُرُوجه عَلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ عبد الله بن الزبير ، وَلم يلقه عُرْوَة قطّ إِلَّا قبل خُرُوجه عَلَى أَخِيه لَا بعد خُرُوجه ، هَذَا مَا لَا شكّ فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بعد أَن أخرج حَدِيث بسرة من طَرِيق مَالك السالف : عَائِذ بِاللَّه أَن نحتج بِخَبَر رَوَاهُ مَرْوَان بن الحكم وذووه فِي شَيْء من كتبنَا ؛ لأَنا لَا نستحل الِاحْتِجَاج بِغَيْر الصَّحِيح من سَائِر الْأَخْبَار وَإِن وَافق ذَلِك مَذْهَبنَا ، وَلَا نعتمد من الْمذَاهب إِلَّا عَلَى المنتزع من الْآثَار ، وَإِن خَالف فِي ذَلِك قَول أَئِمَّتنَا . وَأما خبر بسرة هَذَا ، فَإِن عُرْوَة بن الزبير سَمعه من مَرْوَان بن الحكم عَن بسرة ، فَلم يقنعه ذَلِك حَتَّى بعث مَرْوَان شرطيًّا لَهُ إِلَى بسرة فَسَأَلَهَا ، ثمَّ أَتَاهُم فَأخْبرهُم بِمثل مَا قَالَت بسرة ، فَسَمعهُ ثَانِيًا عَن الشرطي ، ثمَّ لم يقنعه ذَلِك حَتَّى ذهب إِلَى بسرة فَسمع مِنْهَا ، فَالْخَبَر عَن عُرْوَة عَن بسرة مُتَّصِل لَيْسَ بمنقطع ، وَصَارَ مَرْوَان والشرطي كَأَنَّهُمَا عاريتان يُسقطان من الْإِسْنَاد ، ثمَّ سَاق شَوَاهِد لما ذكره .
وَأما الْجَواب عَن الثَّالِث : فكذب وافترى من ادَّعَى جَهَالَة بسرة ؛ فَإِنَّهَا بسرة بنت صَفْوَان بن نَوْفَل بن أَسد بن عبد الْعُزَّى . قَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه : هِيَ من سَادَات قُرَيْش . ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن مَنْصُور بن سَلمَة الْخُزَاعِيّ أَنه قَالَ : قَالَ لنا مَالك بن أنس : أَتَدْرُونَ من بسرة بنت صَفْوَان ؟ هِيَ جدة عبد الْملك بن مَرْوَان أم أمه ؛ فاعرفوها .
ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن مُصعب بن عبد الله الزبيري قَالَ : بسرة هِيَ بنت صَفْوَان بن نَوْفَل بن أَسد ، من المبايعات ، وورقة بن نَوْفَل عَمها ، وَلَيْسَ لِصَفْوَان عقب إِلَّا من قبلهَا ، وَهِي زَوْجَة مُعَاوِيَة بن الْمُغيرَة بن أبي الْعَاصِ . قَالَ الْحَاكِم : وَقد رَوَى هَذَا الحَدِيث جمَاعَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ عَن بسرة ، مِنْهُم ابْن عمر ، وَابْن عَمْرو ، وَسَعِيد بن الْمسيب ، وَعمرَة بنت عبد الرَّحْمَن الْأَنْصَارِيَّة ، وَعبد الله بن أبي مليكَة ، ومروان بن الحكم ، وَسليمَان بن مُوسَى . قَالَ : وَقد روينَا عَن بسرة بنت صَفْوَان عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَمْسَة أَحَادِيث غير هَذَا الحَدِيث ، قَالَ : فَثَبت بِمَا ذَكرْنَاهُ اشتهار بسرة بنت صَفْوَان وارتفع عَنْهَا اسْم الْجَهَالَة بِهَذِهِ الرِّوَايَات .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : بسرة هَذِه قرشية أسدية ، خَالَة مَرْوَان بن الحكم ، وَتبع فِي ذَلِك صَاحب الْكَمَال وَإِنَّمَا هِيَ جدته كَمَا سلف . قَالَ : وَهِي جدة عبد الْملك بن مَرْوَان ، وَبنت أخي ورقة بن نَوْفَل ، وَأُخْت عقبَة بن أبي معيط . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : قيل : لَا يُنكر اشتهار بسرة بنت صَفْوَان بِصُحْبَة النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ومتانة حَدِيثهَا إِلَّا من جهل مَذَاهِب التحديث وَلم يحط علما بأحوال الروَاة .
قَالَ : وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي : قد روينَا قَوْلنَا عَن غير بسرة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَالَّذِي يعيب علينا الرِّوَايَة عَن بسرة ؛ يروي عَن عَائِشَة بنت عجرد ، وَأم خِدَاش ، وعدة من النِّسَاء لَيْسَ بمعروفات فِي الْعَامَّة ويحتج بروايتهن ، ويضعف بسرة مَعَ سابقتها وقديم هجرتهَا وصحبتها النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَقد حدثت بِهَذَا فِي دَار الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار ، وهم متوافرون ، وَلم يَدْفَعهُ أحد مِنْهُم ؛ بل علمنَا بَعضهم صَار إِلَيْهِ عَن رِوَايَتهَا ، مِنْهُم : عُرْوَة بن الزبير ، وَقد دفع وَأنكر الْوضُوء من مس الذّكر قبل أَن يسمع الْخَبَر ، فَلَمَّا علم أَن بسرة روته قَالَ بِهِ ، وَترك قَوْله ؛ وسمعها ابْن عمر تحدث بِهِ ، فَلم يزل يتَوَضَّأ من مس الذّكر حَتَّى مَاتَ ، وَهَذِه طَريقَة الْعلم وَالْفِقْه . هَذَا آخر كَلَام الإِمَام الشَّافِعِي - رَضي اللهُ عَنهُ - وَهِي من النفائس الجليلة . وَأما الْجَواب عَن الِاعْتِرَاض الرَّابِع : فقد كفَى فِيهِ وشفى الْحَافِظ أَبُو حَاتِم بن حبَان كَمَا أسلفناه عَنهُ فِي آخر الْجَواب عَن الثَّانِي ، وَقَول إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ السالف عَلَى تَقْدِير ثُبُوته عَنهُ لَيْسَ بجيد مِنْهُ ؛ لِأَن قَوْله : عَن امْرَأَة يدل عَلَى وَهن ؛ وَلَيْسَ فِي الصحابيات مغمز ، وَللَّه الْحَمد .
وَأما الْجَواب عَن الِاعْتِرَاض الْخَامِس : وَهِي الْحِكَايَة عَن يَحْيَى بن معِين : أَنه حَدِيث لَا يَصح ، فحكاية لَا تثبت عَنهُ الْبَتَّةَ كَمَا نبه عَلَيْهِ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَتَبعهُ الْمُنْذِرِيّ قَالَا : وقد كَانَ مذْهبه انْتِقَاض الْوضُوء بِمَسّ الذّكر ، وَقد كَانَ يحْتَج بِحَدِيث بسرة كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنهُ ، وَرَوَى عَنهُ عبد الْملك الْمَيْمُونِيّ أَنه قَالَ : إِنَّمَا يطعن فِي حَدِيث بسرة من لَا يذهب إِلَيْهِ . وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام : رَوَى مُضَر بن مُحَمَّد قَالَ : سَأَلت يَحْيَى بن معِين عَن مس الذّكر ، أَي شَيْء أصح فِيهِ من الحَدِيث ؟ قَالَ يَحْيَى بن معِين : لَوْلَا حَدِيث مَالك ، عَن عبد الله بن أبي بكر ، عَن عُرْوَة ، عَن مَرْوَان ، عَن بسرة ؛ فَإِنَّهُ يَقُول فِيهِ : سَمِعت ؛ قَالَ : سَمِعت ، لَقلت : لَا يَصح شَيْء . قلت : وَعَلَى تَقْدِير صِحَة الْحِكَايَة السَّالفة عَنهُ ، فَأهل الْعلم قاطبة عَلَى خلَافهَا ، فقد صَححهُ الجماهير من الْأَئِمَّة والحفاظ كَمَا أسلفناه ، وَاحْتج بِهِ نُجُوم الحَدِيث ، وَلَو كَانَ كَمَا ذكر لم يحتجوا بِهِ .
وَأما الْجَواب عَن الِاعْتِرَاض السَّادِس : وَهُوَ أَن هشامًا لم يسمعهُ من أَبِيه ، إِنَّمَا أَخذ عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ، وَنسبه فِي ذَلِك إِلَى التَّدْلِيس فَهُوَ أَن الطَّبَرَانِيّ رَوَى عَن عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل ، قَالَ : حَدثنِي أبي قَالَ : قَالَ شُعْبَة : لم يسمع هِشَام حَدِيث أَبِيه فِي مس الذّكر - يَعْنِي : مِنْهُ - قَالَ يَحْيَى : فَسَأَلت هشامًا فَقَالَ : أَخْبرنِي أبي ، فقد صَحَّ سَماع هِشَام من أَبِيه ؛ كَمَا صَحَّ سَماع عُرْوَة من بسرة ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث ، عَمْرو بن عَلّي ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن هِشَام قَالَ : حَدثنِي أبي . ثمَّ اعْلَم أَن الْحَاكِم طعن فِيمَا أَشَارَ الطَّحَاوِيّ إِلَى أَنه الصَّوَاب ؛ فَقَالَ : رِوَايَة هِشَام عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم لم تأت من وَجه مُعْتَمد . قلت : لَكِن أَتَى بهَا الطَّبَرَانِيّ من وَجه مُعْتَمد ؛ فَقَالَ : حَدثنَا عَلّي بن عبد الْعَزِيز ، عَن حجاج بن منهال ، عَن همام بن يَحْيَى ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم ، عَن عُرْوَة ، وكل هَؤُلَاءِ ثِقَات .
نعم ؛ هَذِه الطَّرِيقَة مرجوحة لمُخَالفَة الجم الْغَفِير إِيَّاهَا عَن هِشَام ، وَذكر أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه اعتراضًا آخر ، فَقَالَ : إِن قيل : خبر بسرة هَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيّ ، عَن عبد الله بن أبي بكر بن عَمْرو بن حزم ، عَن عُرْوَة . ثمَّ أجَاب عَنهُ فَقَالَ : قُلْنَا : مرْحَبًا بِهَذَا ، وَعبد الله ثِقَة ، وَالزهْرِيّ لَا خلاف أَنه سمع من عُرْوَة وجالسه ؛ فَرَوَاهُ عَن عُرْوَة ، وَرَوَاهُ أَيْضا عَن أبي بكر ، عَن عُرْوَة فَهَذَا قُوَّة للْخَبَر . قلت : فقد اتَّضَح صِحَة حَدِيث بسرة هَذَا - بِحَمْد الله وَمِنْه - وَزَالَ عَنهُ مَا طعن فِيهِ ، وَلَقَد أحسن الْحَافِظ أَبُو حَامِد أَحْمد بن مُحَمَّد بن الْحسن بن الشَّرْقِي تلميذ مُسلم ؛ الَّذِي قَالَ فِيهِ الْحَاكِم : هُوَ صَاحب الصِّحَاح - فِيمَا حَكَى عَنهُ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد النصراباذي الْفَقِيه - قَالَ : استقبلني أَبُو حَامِد بن الشَّرْقِي وَأَنا مُتَوَجّه إِلَى منزلي ، فَقلت : أَيهَا الشَّيْخ ، مَا تَقول فِي مس الذّكر ؛ أيصح من جِهَة الْإِسْنَاد ؟ فَقَالَ : بلَى هُوَ حَدِيث صَحِيح .
فَقلت : إِن مَشَايِخ أَصْحَابك يَقُولُونَ : لَا يَصح ! قَالَ : من يَقُول هَذَا ؟ قلت : أَبُو بكر بن إِسْحَاق ، وَأَبُو عَلّي الْحَافِظ ، فَقَالَ : أما أَبُو بكر بن إِسْحَاق فقد سبق مني أَنِّي لَا أَقُول فِي حَدِيثه شَيْئا ؛ وَأما أَبُو عَلّي فلقيط لَا يدْرِي مَا الحَدِيث ، وَأما أَنْت فحائك ، والْحَدِيث صَحِيح . قلت : وَلم تنفرد بسرة أَيْضا بِهَذِهِ السّنة ؛ بل رَوَاهَا جماعات من الصَّحَابَة عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَيرهَا : أَبُو هُرَيْرَة ، وَزيد بن خَالِد ، ذكرهمَا التِّرْمِذِيّ ، وَجَابِر ذكره أَيْضا ، وَقَالَ الضياء فِي أَحْكَامه : لَا أرَى بِإِسْنَادِهِ بَأْسا . وَسَبقه إِلَى ذَلِك ابْن عبد الْبر ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : إِسْنَاده صَالح ؛ كل مَذْكُور فِيهِ ثِقَة .
وَأم حَبِيبَة رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَذكره التِّرْمِذِيّ أَيْضا وَقَالَ : قَالَ أَبُو زرْعَة : هُوَ حَدِيث صَحِيح ، وَأعله مُحَمَّد - يَعْنِي : البُخَارِيّ - بِأَن مَكْحُولًا لم يسمع من عَنْبَسَة الرَّاوِي عَن أم حَبِيبَة . قلت : وَبِهَذَا أعله أَبُو زرْعَة - فِيمَا حَكَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي مراسيله عَنهُ - وَأَبُو حَاتِم ، وَالنَّسَائِيّ ، وَيَحْيَى بن معِين فِي رِوَايَة وَقَالَ ابْن عبد الْبر : صَحَّ عِنْد أهل الْعلم سَماع مَكْحُول مِنْهُ ، ذكره دُحَيْم وَغَيره ، وَذكر الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح حدّث بِهِ الإِمَام أَحْمد ، وَيَحْيَى بن معِين ، وأئمة الحَدِيث عَن أبي مسْهر ، وَكَانَ يَحْيَى بن معِين يثبت سَماع مَكْحُول من عَنْبَسَة ، فَإِذا ثَبت سَمَاعه فَهُوَ أصح حَدِيث فِي الْبَاب . وَنقل الْخلال فِي علله عَن أَحْمد أَنه صَححهُ ، وَأَبُو أَيُّوب ، وأرْوَى بنت أنيس ، وَعَائِشَة ، ذكرهم التِّرْمِذِيّ أَيْضا ، وأعل أَبُو حَاتِم حَدِيث عَائِشَة كَمَا ذكره عَنهُ ابْنه فِي علله وَعبد الله بن عَمْرو ، ذكره أَيْضا ، وَقَالَ فِي علله قَالَ لي مُحَمَّد - يَعْنِي البُخَارِيّ - : إِنَّه عِنْدِي صَحِيح .
وَكَذَا قَالَ الْحَازِمِي فِي ناسخه ومنسوخه ، وَسعد بن أبي وَقاص ، وَأم سَلمَة ذكرهمَا الْحَاكِم ، وَجَمِيع مَا قبله أَيْضا ، وَابْن عَبَّاس رَوَاهُ ابْن عدي ، وَابْن عمر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ ، والنعمان بن بشير ، وَأبي بن كَعْب ، وَأنس بن مَالك ، وَمُعَاوِيَة بن حيدة ، وَقبيصَة ذكرهم ابْن مَنْدَه فِي مستخرجه فَهَؤُلَاءِ سَبْعَة عشر من الصَّحَابَة رووا مثل رِوَايَة بسرة ، وَذكر التِّرْمِذِيّ مِنْهُم ثَمَانِيَة وأهمل تِسْعَة وَذكر الْحَاكِم مِنْهُم عشرَة وأهمل سَبْعَة ؛ فاستفدهم .