وَأما آثاره فخمسة : الأول : عَن ابْن عمر - رضي الله عنه - أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم وَصَلى الْعَصْر ، فَقيل لَهُ : أتتيمم وجدران الْمَدِينَة تنظر إِلَيْك ؟ فَقَالَ : أَو أَحْيَا حتَّى أدخلها . ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة وَلم يعد الصَّلَاة . وَهَذَا الْأَثر تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ هَكَذَا فِي وسيطه ، وَهُوَ تبع إِمَامه فِيهِ وَهُوَ أثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن نَافِع أَنه أقبل هُوَ وَعبد الله بن عمر من الجرف ، حتَّى إِذا كَانَ بالمربد نزل عبد الله فَتَيَمم صَعِيدا طيبا فَمسح وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثمَّ صَلَّى وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن ابْن عجلَان ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم فَمسح وَجهه وَيَديه وَصَلى الْعَصْر ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة ، وَفِي رِوَايَة لَهُ بالسند الْمَذْكُور أَن ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : الْغنم وَصَلى الظّهْر ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة وَرِوَايَة الشَّافِعِي لهَذَا الْأَثر عَن ابْن عُيَيْنَة مخرجة فِي مُسْنده أَيْضا ، وَرِوَايَة مَالك فِي الْمُوَطَّأ مخرجة عَنهُ فِي غير الْمسند ، وَذكره البُخَارِيّ فِي صَحِيحه بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ : وَأَقْبل ابْن عمر من أَرض بالجرف ، فَحَضَرت الصَّلَاة بمربد النعم فَصَلى ، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد . ذكره بعد أَن ترْجم بَاب التَّيَمُّم فِي الْحَضَر إِذا لم يجد المَاء وَخَافَ فَوَات الصَّلَاة . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث فُضَيْل بن عِيَاض ، عَن مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن نَافِع أَن ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم وَصَلى وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة ، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد . ثمَّ رَوَاهُ عَن حَدِيث يَحْيَى بن سعيد ، عَن ابْن عجلَان وَقَالَ بِإِسْنَادِهِ مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد ، عَن نَافِع قَالَ : تيَمّم عبد الله بن عمر عَلَى رَأس ميل أَو ميلين من الْمَدِينَة فَصَلى الْعَصْر ، فَقدم وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة . قلت : وَقد رُوِيَ هَذَا الْفِعْل أَيْضا عَن سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يتَيَمَّم بِموضع يُقَال لَهُ : مربد النعم وَهُوَ يرَى بيُوت الْمَدِينَة . قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث تفرد بِرَفْعِهِ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين وَهُوَ صَدُوق ولم يخرجَاهُ . قَالَ : وَقد أوقفهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَغَيره ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر فَذكره ، وَخَالفهُ فِي ذَلِك تِلْمِيذه الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ : رفع هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ . وَصحح فِي خلافياته رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة فَقَالَ فِيهَا : هَذَا عَن ابْن عمر ثَابت . ذكره بعد أَن رَوَاهُ مَرْفُوعا عَن شَيْخه الْحَاكِم مَوْقُوفا . وَقَالَ ابْن حبَان : رُبمَا أَخطَأ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين . وَقَالَ ابْن قَانِع : صَالح . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : هَذَا الْأَثر أوردهُ الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي أَوَاخِر الْبَاب دَلِيلا عَلَى أَنه لَا يشْتَرط لعدم الْقَضَاء كَون السّفر طَويلا ، وَوَقع فِي بعض نسخه أَنه تيَمّم دَاخل الْمَدِينَة وَهُوَ من الْكَاتِب وَصَوَابه تيَمّم ثمَّ دخل الْمَدِينَة كَمَا سلف ، فَإِن المربد خَارِجهَا - كَمَا سَيَأْتِي . ثَانِيهَا : الجرف - بِضَم الْجِيم وَالرَّاء بعدهمَا فَاء وتسكن أَيْضا - : مَا أكلت السُّيُول من الأَرْض . قَالَ الشَّافِعِي بعد رِوَايَته للأثر : وَهُوَ مَوضِع قريب من الْمَدِينَة . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي شرح الْمسند : إِنَّه مِنْهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال . وَتبع فِي ذَلِك ابْن قرقول فَإِنَّهُ قَالَ فِي مطالعه : إِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال إِلَى جِهَة الشَّام . وَزعم الزبير أَنَّهَا عَلَى ميل ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق : عَلَى فَرسَخ . قَالَ ابْن قرقول : وَبهَا مَال عمر وأموال أهل الْمَدِينَة ، وتعرف ببئر جُشم وبئر جمل . ثَالِثهَا : المربد - بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة ثمَّ بَاء مَفْتُوحَة ثمَّ دَال - : مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة . قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْمَذْكُور : هُوَ كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل . قَالَ : وَقد يُسمى الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا أَيْضا ، وَهُوَ من قَوْلهم : ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ . قَالَ : والمربد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْأَثر مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين . وَكَذَا ذكره ابْن قرقول أَيْضا فَقَالَ فِي مطالعه : إِنَّه بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين وَإنَّهُ كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل . قَالَ : وَهُوَ مَوضِع أَيْضا خَارج الْبَصْرَة سوق الْإِبِل . قَالَ : وَاخْتلف هَل هُوَ فِي الأَصْل اسْم لموْضِع الْإِبِل أَو للعصا الَّتِي تجْعَل عَلَى بَابه مُعَارضَة . قَالَ : وَأهل الْبَصْرَة يسمون الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا ، فأصله من ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ . وَقَالَ الْحَازِمِي فِي الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : المربد - بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال - : محلّة بِالْبَصْرَةِ من أشهر محالها وأطيبها . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ دَار كَانَ يحبس فِيهِ إبل الصَّدَقَة ، وَفِي الحَدِيث : حتَّى إِذا كُنَّا بمربد النعم وَالْمرَاد كلهَا محابس ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ . وَقَالَ ابْن التِّين فِي شرح البُخَارِيّ : رَوَيْنَاهُ بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ فِي اللُّغَة بِكَسْرِهَا . وَقَالَ صَاحب الْمُحكم : المربد : محبس الْإِبِل ، وَقيل : هِيَ خَشَبَة أَو عَصا تعترض صُدُور الْإِبِل فتمنعها من الْخُرُوج . والمربد : فضاء وَرَاء الْبيُوت يرتفق بِهِ ومربد الْبَصْرَة من ذَلِك لأَنهم كَانُوا يحبسون فِيهِ الْإِبِل والمربد كالحجرة فِي الدَّار ، ومربد التَّمْر : جرينه الَّذِي يوضع فِيهِ بعد الجداد لييبس . وَقَالَ السُّهيْلي : المربد والجرين والمسطح والبيدر والأنْدَر والجَوخان لُغَات بِمَعْنى وَاحِد .
المصدر: البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-65/h/740606
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة