الحَدِيث الثَّامِن عشر إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم
وَأما آثاره فخمسة : الأول : عَن ابْن عمر - رضي الله عنه - " أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم وَصَلى الْعَصْر ، فَقيل لَهُ : أتتيمم وجدران الْمَدِينَة تنظر إِلَيْك ؟ فَقَالَ : أَو أَحْيَا حتَّى أدخلها . ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة وَلم يعد الصَّلَاة " . وَهَذَا الْأَثر تبع فِي إِيرَاده الْغَزالِيّ هَكَذَا فِي "وسيطه" ، وَهُوَ تبع إِمَامه فِيهِ وَهُوَ أثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" عَن نَافِع " أَنه أقبل هُوَ وَعبد الله بن عمر من الجرف ، حتَّى إِذا كَانَ بالمربد نزل عبد الله فَتَيَمم صَعِيدا طيبا فَمسح وَجهه وَيَديه إِلَى الْمرْفقين ثمَّ صَلَّى " وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي "الْأُم" عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن ابْن عجلَان ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر " أَنه أقبل من الجرف حتَّى إِذا كَانَ بالمربد تيَمّم فَمسح وَجهه وَيَديه وَصَلى الْعَصْر
ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة " ، وَفِي رِوَايَة لَهُ بالسند الْمَذْكُور " أَن ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم " ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : "الْغنم وَصَلى الظّهْر ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة" وَرِوَايَة الشَّافِعِي لهَذَا الْأَثر عَن ابْن عُيَيْنَة مخرجة فِي "مُسْنده" أَيْضا ، وَرِوَايَة مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" مخرجة عَنهُ فِي غير الْمسند ، وَذكره البُخَارِيّ فِي "صَحِيحه" بِغَيْر إِسْنَاد فَقَالَ : " وَأَقْبل ابْن عمر من أَرض بالجرف ، فَحَضَرت الصَّلَاة بمربد النعم فَصَلى ، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد " .
ذكره بعد أَن ترْجم بَاب التَّيَمُّم فِي الْحَضَر إِذا لم يجد المَاء وَخَافَ فَوَات الصَّلَاة . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من حَدِيث فُضَيْل بن عِيَاض ، عَن مُحَمَّد بن عجلَان ، عَن نَافِع " أَن ابْن عمر تيَمّم بمربد النعم وَصَلى وَهُوَ عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة ، ثمَّ دخل الْمَدِينَة وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد " .
ثمَّ رَوَاهُ عَن حَدِيث يَحْيَى بن سعيد ، عَن ابْن عجلَان وَقَالَ بِإِسْنَادِهِ مثله . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث يَحْيَى بن سعيد ، عَن نَافِع قَالَ : " تيَمّم عبد الله بن عمر عَلَى رَأس ميل أَو ميلين من الْمَدِينَة فَصَلى الْعَصْر ، فَقدم وَالشَّمْس مُرْتَفعَة فَلم يعد الصَّلَاة " .
قلت : وَقد رُوِيَ هَذَا الْفِعْل أَيْضا عَن سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين ، عَن هِشَام بن حسان ، عَن عبيد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر قَالَ : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يتَيَمَّم بِموضع يُقَال لَهُ : مربد النعم وَهُوَ يرَى بيُوت الْمَدِينَة " .
قَالَ الْحَاكِم : هَذَا الحَدِيث تفرد بِرَفْعِهِ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين وَهُوَ صَدُوق ولم يخرجَاهُ . قَالَ : وَقد أوقفهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ وَغَيره ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ... فَذكره ، وَخَالفهُ فِي ذَلِك تِلْمِيذه الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ : رفع هَذَا الحَدِيث غير مَحْفُوظ . وَصحح فِي " خلافياته " رِوَايَة الشَّافِعِي السالفة فَقَالَ فِيهَا : هَذَا عَن ابْن عمر ثَابت . ذكره بعد أَن رَوَاهُ مَرْفُوعا عَن شَيْخه الْحَاكِم مَوْقُوفا . وَقَالَ ابْن حبَان : رُبمَا أَخطَأ عَمْرو بن مُحَمَّد بن أبي رزين . وَقَالَ ابْن قَانِع : صَالح .
تَنْبِيهَات : أَحدهَا : هَذَا الْأَثر أوردهُ الرَّافِعِيّ أَيْضا فِي أَوَاخِر الْبَاب دَلِيلا عَلَى أَنه لَا يشْتَرط لعدم الْقَضَاء كَون السّفر طَويلا ، وَوَقع فِي بعض نسخه "أَنه تيَمّم دَاخل الْمَدِينَة" وَهُوَ من الْكَاتِب وَصَوَابه "تيَمّم
ثمَّ دخل الْمَدِينَة" كَمَا سلف ، فَإِن المربد خَارِجهَا - كَمَا سَيَأْتِي .
ثَانِيهَا : الجرف - بِضَم الْجِيم وَالرَّاء بعدهمَا فَاء وتسكن أَيْضا - : مَا أكلت السُّيُول من الأَرْض . قَالَ الشَّافِعِي بعد رِوَايَته للأثر : وَهُوَ مَوضِع قريب من الْمَدِينَة . وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي "شرح الْمسند" : إِنَّه مِنْهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال . وَتبع فِي ذَلِك ابْن قرقول فَإِنَّهُ قَالَ فِي "مطالعه" : إِنَّهَا عَلَى ثَلَاثَة أَمْيَال إِلَى جِهَة الشَّام . وَزعم الزبير أَنَّهَا عَلَى ميل ، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق : عَلَى فَرسَخ . قَالَ ابْن قرقول : وَبهَا مَال عمر وأموال أهل الْمَدِينَة ، وتعرف ببئر جُشم وبئر جمل .
ثَالِثهَا : المربد - بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء الْمُهْملَة ثمَّ بَاء مَفْتُوحَة ثمَّ دَال - : مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة .
قَالَ الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الْمَذْكُور : هُوَ كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل . قَالَ : وَقد يُسمى الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا أَيْضا ، وَهُوَ من قَوْلهم : ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ . قَالَ : والمربد الْمَذْكُور فِي هَذَا الْأَثر مَوضِع بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين . وَكَذَا ذكره ابْن قرقول أَيْضا فَقَالَ فِي "مطالعه" : إِنَّه بِقرب الْمَدِينَة عَلَى ميلين وَإنَّهُ كل مَوضِع يحبس فِيهِ الْإِبِل . قَالَ : وَهُوَ مَوضِع أَيْضا خَارج الْبَصْرَة سوق الْإِبِل . قَالَ : وَاخْتلف هَل هُوَ فِي الأَصْل اسْم لموْضِع الْإِبِل أَو للعصا الَّتِي تجْعَل عَلَى بَابه مُعَارضَة . قَالَ : وَأهل الْبَصْرَة يسمون الْموضع الَّذِي يجفف فِيهِ التَّمْر مربدًا ، فأصله من ربد بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ . وَقَالَ الْحَازِمِي فِي "الْمُخْتَلف
والمؤتلف" فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن : المربد - بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الرَّاء وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَالدَّال - : محلّة بِالْبَصْرَةِ من أشهر محالها وأطيبها .
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : هُوَ دَار كَانَ يحبس فِيهِ إبل الصَّدَقَة ، وَفِي الحَدِيث : "حتَّى إِذا كُنَّا بمربد النعم" وَالْمرَاد كلهَا محابس ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ . وَقَالَ ابْن التِّين فِي "شرح البُخَارِيّ" : رَوَيْنَاهُ بِفَتْح الْمِيم وَهُوَ فِي اللُّغَة بِكَسْرِهَا . وَقَالَ صَاحب "الْمُحكم" : المربد : محبس الْإِبِل ، وَقيل : هِيَ خَشَبَة أَو عَصا تعترض صُدُور الْإِبِل فتمنعها من الْخُرُوج . والمربد : فضاء وَرَاء الْبيُوت يرتفق بِهِ ومربد الْبَصْرَة من ذَلِك لأَنهم كَانُوا يحبسون فِيهِ الْإِبِل والمربد كالحجرة فِي الدَّار ، ومربد التَّمْر : جرينه الَّذِي يوضع فِيهِ بعد الجداد لييبس . وَقَالَ السُّهيْلي : المربد والجرين والمسطح والبيدر والأنْدَر والجَوخان لُغَات بِمَعْنى وَاحِد .