الحَدِيث التَّاسِع عشر إِن دم الْحيض أسود يعرف
الحَدِيث التَّاسِع عشر أنه عليه السلام قَالَ لَهَا : إِن دم الْحيض أسود يعرف ، وَإِن لَهُ رَائِحَة ، فَإِذا كَانَ ذَلِك فدعي الصَّلَاة ، وَإِذا كَانَ الآخر فاغتسلي وَصلي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث عُرْوَة بن الزبير ، عَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش أَنَّهَا كَانَت تستحاض ، فَقَالَ لَهَا رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِذا كَانَ دم الْحيض فَإِنَّهُ دم أسود يعرف ، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة ، فَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي وَصلي . هَذَا لفظ أبي دَاوُد ، وَلَفظ النَّسَائِيّ مثله إِلَّا أَنه قَالَ بعد فتوضئي : فَإِنَّمَا هُوَ عرق ، وَلم يذكر : وَصلي .
وَفِي رِوَايَة لَهُ : إِن دم الْحيض أسود يعرف ، فَإِذا كَانَ ذَلِك فأمسكي عَن الصَّلَاة ، فَإِذا كَانَ الآخر فتوضئي وَصلي . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرُوِيَ عَن الْعَلَاء بن الْمسيب ، وَشعْبَة ، عَن الحكم ، عَن أبي جَعْفَر ، قَالَ الْعَلَاء : عَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَوْقفهُ شُعْبَة تَوَضَّأ لكل صَلَاة .
وَرَوَاهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ أبي دَاوُد سَوَاء ، وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَلَى الصَّحِيحَيْنِ بِزِيَادَة بعد وَصلي : فَإِنَّمَا ذَلِك عرق ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي محلاه فِي كتاب النِّكَاح : إِنَّه حَدِيث صَحِيح . وَقَالَ ابْن الصّلاح : حَدِيث مُحْتَج بِهِ .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي إلمامه بعد أَن عزاهُ إِلَى رِوَايَة النَّسَائِيّ : رِجَاله رجال مُسلم . وَخَالف ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ فِي الْوَهم وَالْإِيهَام لَهُ : هُوَ فِيمَا أرَى مُنْقَطع ، لِأَنَّهُ يرْوَى عَن عُرْوَة ، عَن فَاطِمَة . وَعَن عُرْوَة ، عَن عَائِشَة ، عَن فَاطِمَة .
قَالَ : وَلَو صَحَّ أَن عُرْوَة سمع من فَاطِمَة لم يَقع ذَلِك فِي الأول لإدخال عُرْوَة بَينهَا وَبَينه فِيهِ عَائِشَة . قَالَ : وَزعم ابْن حزم أَن عُرْوَة أدْرك فَاطِمَة وَلم يستبعد أَن يسمعهُ من خَالَته وَمن ابْنة عَمه . قَالَ : وَهَذَا عِنْدِي غير صَحِيح .
قَالَ : وَقد يظنّ السماع مِنْهَا لحَدِيث الْمُنْذر بن الْمُغيرَة عَن عُرْوَة أَن فَاطِمَة بنت أبي حُبَيْش حدثته أَنَّهَا سَأَلت رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فشكت إِلَيْهِ الدَّم ، فَقَالَ لَهَا : إِنَّمَا ذَلِك عرق ، فانظري .. . الحَدِيث . وَهَذَا لَا يَصح مِنْهُ سَمَاعه مِنْهَا للْجَهْل بِحَال الْمُنْذر بن الْمُغيرَة ، قَالَ أَبُو حَاتِم : مَجْهُول لَيْسَ بالمشهور .
وَفِي حَدِيث آخر سَمَاعه مِنْهَا عَلَى الشَّك . انْتَهَى . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن حَدِيث مُحَمَّد بن عَمْرو ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة ، عَن فَاطِمَة أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ لَهَا : إِذا رَأَيْت الدَّم الْأسود فأمسكي عَن الصَّلَاة ، وَإِذا كَانَ الْأَحْمَر فتوضئي ، فَقَالَ : لم يُتَابع مُحَمَّد بن عَمْرو عَلَى هَذِه الرِّوَايَة وَهُوَ مُنكر .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : أغرب مُحَمَّد بن عَمْرو عَن الزُّهْرِيّ بِهَذِهِ اللَّفْظَة . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ : فَاسد الْإِسْنَاد لم يروه إِلَّا ابْن عَمْرو ، وَقد أَنْكَرُوا عَلَيْهِ . وَأما رِوَايَة الإِمَام الرَّافِعِيّ بعد قَوْله يعرف : وَأَن لَهُ رَائِحَة فَلم أرها فِي شَيْء من كتب الحَدِيث ، وَذكرهَا فِي أثْنَاء الْبَاب بِلَفْظ : لَهُ رَائِحَة تعرف ، وَهَذَا هَكَذَا لَا يعرف .
قَالَ : وَورد فِي صفته أَنه أسود محتدم بحراني ذُو دفعات . قلت : وَتبع فِي إِيرَاد هَذَا الْغَزالِيّ ، فَإِنَّهُ ذكره فِي وسيطه ، وَتبع فِي ذَلِك الإِمَام فِي نهايته ، وَفِي تَارِيخ الْعقيلِيّ نَحوه من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت : دم الْحيض أَحْمَر بحراني ، وَدم الِاسْتِحَاضَة كغسالة اللَّحْم . قَالَ البُخَارِيّ : لَا يَصح وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ .
وَقَالَ ابْن الصّلاح عَن رِوَايَة الْغَزالِيّ وإمامه : إِنَّهَا ضَعِيفَة لَا تعرف . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط أَيْضا قَالَ - وَيَعْنِي حَدِيث فَاطِمَة ، ثمَّ سَاق الحَدِيث السالف عَن رِوَايَة أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ ، وَعَزاهُ إِلَى ابْن مَاجَه أَيْضا ، وَإِنَّهُم رَوَوْهُ بأسانيد صَحِيحَة - : وَذكر الْغَزالِيّ فِي وسيطه تبعا للْإِمَام زِيَادَة فِي حَدِيث فَاطِمَة وَهِي : عرق انْقَطع ، وَأنكر وجود هَذِه الزِّيَادَة وَهِي انْقَطع ابنُ الصّلاح ، ثمَّ النَّوَوِيّ ، وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة فِي مطلبه وَهُوَ غَرِيب مِنْهُم ، فَهَذِهِ اللَّفْظَة صَحِيحَة مَوْجُودَة فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وصحيح الْحَاكِم ، وَقَالَ : صَحِيح الْإِسْنَاد . و خلافيات الْبَيْهَقِيّ أَيْضا لكنه لينه ، وَقد أوضحت ذَلِك كُله فِي تخريجي لأحاديث الْوَسِيط فارحل إِلَيْهِ فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَورد فِي دم الِاسْتِحَاضَة أَنه أَحْمَر رَقِيق مشرق .
قلت : الَّذِي أعلمهُ فِي صفة دم الِاسْتِحَاضَة مَا أسلفته عَن عَائِشَة ، وَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا من حَدِيث عبد الْملك ، عَن الْعَلَاء قَالَ : سَمِعت مَكْحُولًا يَقُول : عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : دم الْحيض أسود خاثر تعلوه حمرَة ، وَدم الِاسْتِحَاضَة أصفر رَقِيق . وَفِي رِوَايَة للدارقطني : دم الْحيض لَا يكون إِلَّا دَمًا أسود عبيطًا يعلوه حمرَة ، وَدم الِاسْتِحَاضَة رَقِيق يعلوه صفرَة . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : عبد الْملك هَذَا مَجْهُول ، والْعَلَاء هُوَ ابْن كثير ضَعِيف فِي الحَدِيث ، وَمَكْحُول لم يسمع من أبي أُمَامَة شَيْئا ، أَنا بذلك أَبُو بكر الْفَقِيه عَن الدَّارَقُطْنِيّ قلت : الْعَلَاء لم ينْسب فِي هَذِه الرِّوَايَة ، وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ هُوَ ابْن كثير وَإِقْرَار الْبَيْهَقِيّ لَهُ عَلَى ذَلِك يُعَارضهُ أَن الطَّبَرَانِيّ رَوَى هَذَا الحَدِيث وَفِيه الْعَلَاء بن الْحَارِث .
وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَن الْعَلَاء بن الْحَارِث ، فَقَالَ : ثِقَة لَا أعلم أحدا من أَصْحَاب مَكْحُول أوثق مِنْهُ . قَالَ : وحَدَّثَني أبي سَمِعت دحيمًا وَذكر الْعَلَاء بن الْحَارِث ، فقدمه وَعظم شَأْنه . وَقَالَ : رَوَى الْأَوْزَاعِيّ عَنهُ ثَلَاثَة أَحَادِيث ، وَأخرج لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه نعم كَانَ يرَى الْقدر .
وَأما ابْن طَاهِر الْحَافِظ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَذكرته عقب هَذَا الحَدِيث : الْعَلَاء هَذَا يروي الموضوعات . قَالَ : وَمن أَصْحَابنَا من زعم أَنه الْعَلَاء بن الْحَارِث ، وَلَيْسَ كَذَلِك ؛ لِأَن الْعَلَاء بن الْحَارِث حضرمي من الْيمن ، وَهَذَا مولَى بني أُميَّة ، وَذَاكَ صَدُوق ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث . قلت : يُقَوي هَذَا مَا ذكره الحافظان ، وَالله أعلم .
تَنْبِيه : وهم صَاحب التنقيب عَلَى الْمُهَذّب فَادَّعَى أَن حَدِيث فَاطِمَة الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ أَولا وَهُوَ أَن دم الْحيض أسود يعرف أخرجه مُسلم من حَدِيث فَاطِمَة ، فِيهِ وَفِي البُخَارِيّ بِغَيْر هَذَا اللَّفْظ كَمَا أسلفناه قبل ذَلِك . فَائِدَة : الْأسود ، قد فسره الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب بِأَنَّهُ الَّذِي يعلوه حمرَة متراكبة فَيضْرب من ذَلِك إِلَى السوَاد . والمحتدم - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ - كَمَا قَيده النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب قَالَ وَهُوَ مَأْخُوذ من احتدام النَّهَار ، وَهُوَ اشتداد حره .
وَقَالَ الرَّافِعِيّ : هُوَ الَّذِي يلْدغ الْبشرَة ، ويحرقها لحدته ، وَيخْتَص برائحة كريهة . قَالَ : وَقيل : هُوَ الضَّارِب إِلَى السوَاد . قَالَ : وَدم الِاسْتِحَاضَة رَقِيق لَا احتدام فِيهِ يضْرب إِلَى الشقرة أَو الصُّفْرَة ، وَلذَلِك سمي مشرقًا ، وَالْمَشْهُور فِي كتب اللُّغَة أَن المحدوم هُوَ الَّذِي اشتدت حمرته حتَّى اسود ، الْفِعْل مِنْهُ احتدم .
وَقَوله : ذُو دفعات هُوَ بِضَم الدَّال وَفتحهَا ، وَالضَّم أَجود ، وَهُوَ اسْم للمدفوع ، وبالفتح اسْم للمرة الْوَاحِدَة . والبحراني : هُوَ الشَّديد الْحمرَة ، قَالَه الرَّافِعِيّ ثمَّ حَكَى عَن صَاحب الغريبين أَنه يُقَال : بحراني وباحراني ، أَي : شَدِيد الْحمرَة ، أَي : نِسْبَة إِلَى الْبَحْر لصفاء لَونه ، بِخِلَاف دم الْفساد . وَقَالَ الإِمَام فِي نهايته : إِنَّه الصَّحِيح .
وَلم يبين مَا يُقَابله ، وَقَالَ الْخطابِيّ : إِنَّه الدَّم الْكثير الغليظ الَّذِي يخرج من قَعْر الرَّحِم ، ينْسب إِلَى الْبَحْر لكثرته وسعته . قَالَ أهل اللُّغَة : والبحراني مَنْسُوب إِلَى الْبَحْر ، وَهُوَ قَعْر الرَّحِم ، كَمَا يخرج المَاء من قَعْر الْبَحْر ، وزادوه الْألف وَالنُّون فِي النّسَب مُبَالغَة ، وَقيل : لِأَنَّهُ يخرج بسعة تدفق كَمَاء الْبَحْر .