الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين الصَّلَاة أول الْوَقْت رضوَان الله
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْعشْرين عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : الصَّلَاة أول الْوَقْت رضوَان الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله . هَذَا الحَدِيث ذكره الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ والْمُخْتَصر ، هَكَذَا بِغَيْر إِسْنَاد ؛ لَكِن بِصِيغَة جزم وَذكره أَيْضا كَذَلِك ابْن السكن فِي صحاحه ، وَهُوَ مَرْوِيّ من طرق كلهَا ضَعِيفَة . أَحدهَا : من طَرِيق ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : الْوَقْت الأول من الصَّلَاة رضوَان الله ، وَالْوَقْت الآخر عَفْو الله .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يَعْقُوب بن الْوَلِيد الْمدنِي ، عَن عبد الله بن عمر ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر ، وَيَعْقُوب هَذَا أحد الهلكى ، قَالَ أَحْمد : كَانَ من الْكَذَّابين الْكِبَار يضع الحَدِيث ، وَقَالَ يَحْيَى : لم يكن بِشَيْء كَذَّاب . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : غير ثِقَة وَلَا مَأْمُون ، وَفِي رِوَايَة : لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ النَّسَائِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مُنكر الحَدِيث ضَعِيف الحَدِيث ، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث ، وَفِي رِوَايَة والحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ مَوْضُوع . وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَيْسَ بِمَحْفُوظ ، وَهُوَ بَين الْأَمر فِي الضُّعَفَاء .
وَقَالَ ابْن حبَان : مَا رَوَى هَذَا الحَدِيث إِلَّا يَعْقُوب ، وَهُوَ يضع الحَدِيث عَلَى الثِّقَات ، لَا يحل كتب حَدِيثه إِلَّا عَلَى جِهَة التَّعَجُّب . قلت : وَقد نَص غير وَاحِد من الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الحَدِيث ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله : الْحمل فِي هَذَا الحَدِيث عَلَى يَعْقُوب بن الْوَلِيد ؛ فَإِنَّهُ شيخ من أهل الْمَدِينَة قدم عَلَيْهِم بَغْدَاد ، فَنزل الرصافة ، وَحدث عَن : هِشَام بن عُرْوَة ، ومُوسَى بن عقبَة ، وَمَالك بن أنس ، وَغَيرهم من أَئِمَّة الْمُسلمين بِأَحَادِيث كَثِيرَة مَنَاكِير . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا فِي سنَنه : هَذَا حَدِيث يعرف بِيَعْقُوب بن الْوَلِيد الْمدنِي ، وَيَعْقُوب مُنكر الحَدِيث ، ضعفه يَحْيَى بن معِين ، وَكذبه أَحْمد بن حَنْبَل وَسَائِر الْحفاظ ، ونسبوه إِلَى الْوَضع ، ونعوذ بِاللَّه من الخذلان .
قَالَ ابْن عدي : وَكَانَ ابْن حميد يَقُول لنا فِي هَذَا الْإِسْنَاد : عبيد الله بدل عبد الله ، وَالصَّوَاب الثَّانِي ، قَالَ : عَلَى أَن هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد بَاطِل إِن قيل فِيهِ عبد الله أَو عبيد الله . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : هَذَا حَدِيث لَا يَصح . وَأعله عبد الْحق فِي أَحْكَامه بِأَن قَالَ : يرويهِ عبد الله بن عمر الْعمريّ ، وَقد تكلمُوا فِيهِ ، وَتعقبه ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ فِي بَاب ذكر أَحَادِيث أعلها عبد الْحق بِرِجَال : وفيهَا من هُوَ مثلهم ، أَو أَضْعَف مِنْهُم ، أَو مَجْهُول لَا يعرف ، إِنَّمَا الْعجب أَن يكون هَذَا هُوَ عبد الله بن عمر الْعمريّ ، وَهُوَ رجل صَالح قد وَثَّقَهُ قوم وأثنوا عَلَيْهِ ، وَضَعفه آخَرُونَ من أجل حفظه لَا من أجل صدقه وأمانته ، وَيَرْوِيه عَنهُ يَعْقُوب بن الْوَلِيد الْمدنِي وَهُوَ كَذَّاب ، فَلَعَلَّهُ كذب عَلَيْهِ ، ثمَّ شرع بعد ذَلِك فعلله بِهِ - أَعنِي : يَعْقُوب - كَمَا أسلفناه .
الطَّرِيق الثَّانِي : عَن جرير بن عبد الله مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الرَّافِعِيّ سَوَاء . رَوَاهُ الدارقطني من حَدِيث الْحُسَيْن بن حميد بن الرّبيع ، عَن فرج بن عبيد المهلبي ، عَن عبيد بن الْقَاسِم ، عَن إِسْمَاعِيل ابن أبي خَالِد ، عَن قيس بن أبي حَازِم ، عَن جرير بِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : إِسْنَاده لَيْسَ بِشَيْء .
قلت : لِأَن إِسْنَاده اشْتَمَل عَلَى مَجْهُول وَضَعِيف ، أما الْمَجْهُول : فَفرج بن عبيد ، وَأما الضَّعِيف فحسين بن حميد بن الرّبيع ، قَالَ ابْن عدي : هُوَ مُتَّهم فِي كل مَا يرويهِ كَمَا قَالَه مطين ، وَقَالَ : سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن سعيد قَالَ : سَمِعت مطينًا يَقُول - وَمر عَلَيْهِ أَبُو عَلّي الْحُسَيْن بن حميد بن الرّبيع - فَقَالَ : هَذَا كَذَّاب بن كَذَّاب بن كَذَّاب . وَذكره ابْن عدي أَيْضا واتهمه . الطَّرِيق الثَّالِث : عَن إِبْرَاهِيم - يَعْنِي ابْن عبد الْملك بن أبي مَحْذُورَة من أهل مَكَّة - قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن جدي قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أول الْوَقْت رضوَان الله ، ووسط الْوَقْت رَحْمَة الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا ، عَن إِبْرَاهِيم الْمَذْكُور بِهِ . وَإِبْرَاهِيم بن زَكَرِيَّا هُوَ أَبُو إِسْحَاق الْعجلِيّ الْبَصْرِيّ الضَّرِير الْمعلم العبدسي الوَاسِطِيّ ، مُتَّهم . قَالَ أَبُو حَاتِم : مَجْهُول ، وَحَدِيثه مُنكر .
وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : كَأَن حَدِيثه مَوْضُوع لَا يشبه حَدِيث النَّاس . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . وَقَالَ ابْن حبَان : يَأْتِي عَن مَالك بِأَحَادِيث مَوْضُوعَة .
وَقَالَ ابْن عدي : حدث عَن الثِّقَات بِالْبَوَاطِيل ، وَهُوَ فِي جملَة الضُّعَفَاء لَا جرم ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : هَذَا الحَدِيث شَاذ لَا تقوم بِمثلِهِ الْحجَّة ، وَقَالَ فِي سنَنه - بعد أَن نقل كَلَام ابْن عدي السالف - : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضَعِيف . الطَّرِيق الرَّابِع : عَن أنس رَفعه : أول الْوَقْت رضوَان الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله . رَوَاهُ ابْن عدي من حَدِيث بَقِيَّة ، عَن عبد الله مولَى عُثْمَان بن عَفَّان قَالَ : حَدثنِي عبد الْعَزِيز قَالَ : حَدثنِي مُحَمَّد بن سِيرِين ، عَن أنس بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لَا يرويهِ بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا بَقِيَّة ، وَهُوَ من الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا بَقِيَّة عَن المجهولين ؛ لِأَن عبد الله مولَى عُثْمَان وَعبد الْعَزِيز لَا يعرفان .
قلت : لَا جرم قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه و خلافياته : إِنَّه حَدِيث لَيْسَ بِشَيْء . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي علله : لَا يَصح . الطَّرِيق الْخَامِس : عَن ابْن عَبَّاس رَفعه : أول الْوَقْت رضوَان الله ، وَآخره عَفْو الله .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته من حَدِيث نَافِع مولَى يُوسُف السّلمِيّ الْبَصْرِيّ ، عَن عَطاء ، عَنهُ بِهِ ، ثمَّ قَالَ : نَافِع هَذَا أَبُو هُرْمُز ، ضعفه يَحْيَى بن معِين وَابْن حَنْبَل وَغَيرهمَا . قلت : أَبُو هُرْمُز هَذَا يروي عَن أنس ، وَالْوَاقِع فِي الْإِسْنَاد يروي عَن عَطاء ، وَقد فرق ابْن الْجَوْزِيّ بَينهمَا ؛ فجعلهما ترجمتين ، وَنقل تَضْعِيف أَحْمد وَيَحْيَى لنافع أبي هُرْمُز الْبَصْرِيّ ، وَنقل تَضْعِيفه عَن غَيرهمَا أَيْضا ، ثمَّ ذكر نَافِعًا مولَى يُوسُف السّلمِيّ وَقَالَ : قَالَ أَبُو حَاتِم : مَتْرُوك الحَدِيث . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ فِي التَّفْرِقَة بَينهمَا فِي كِتَابه الْمُغنِي ، وأجمل الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه القَوْل فِي تَضْعِيفه ، فَقَالَ : رُوِيَ هَذَا الحَدِيث عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا مَرْفُوعا وَلَيْسَ بِشَيْء ، قَالَ فِيهَا : وَرُوِيَ أَيْضا عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا وَهُوَ مَعْلُول .
قَالَ : وَله أصل من قَول أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلّي الباقر كَذَلِك رَوَاهُ أَبُو أويس ، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد ، عَن أَبِيه قَالَ : أول الْوَقْت رضوَان الله ، وَآخر الْوَقْت عَفْو الله قَالَ : وَرُوِيَ عَن مُوسَى بن جَعْفَر ، عَن أَبِيه ، عَن جده ، عَن عَلّي مَرْفُوعا قَالَ : وَإِسْنَاده - فِيمَا أَظن - أصح مَا رُوِيَ فِي الْبَاب ، وَنقل فِي خلافياته عَن الْحَاكِم أَنه قَالَ : أما الَّذِي رُوِيَ فِي أول الْوَقْت وَآخره ؛ فَإِنِّي لَا أحفظه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من وَجه يَصح ، وَلَا عَن أحد من أَصْحَابه ، إِنَّمَا الرِّوَايَة فِيهِ عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَلّي الباقر ، وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَن الْخلال ، أَنا الْمَيْمُونِيّ قَالَ : سَمِعت أَبَا عبد الله - يَعْنِي : أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول : لَا أعرف شَيْئا يثبت فِي أَوْقَات الصَّلَاة أَولهَا كَذَا ، وأوسطها كَذَا ، وَآخِرهَا كَذَا - يَعْنِي : مغْفرَة ورضوانًا - وَقَالَ لَهُ رجل : مَا يرْوَى أول الْوَقْت كَذَا وأوسطه كَذَا ، رضوَان ومغفرة ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو عبد الله : من يروي هَذَا ؟ لَيْسَ هَذَا يثبت . قلت : ويغني عَن هَذَا كُله فِي الدّلَالَة حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود السالف فِي أول التَّيَمُّم أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سُئِلَ أَي الْأَعْمَال أفضل ؟ فَقَالَ : الصَّلَاة لأوّل وَقتهَا وَهُوَ حَدِيث صَحِيح كَمَا أسلفناه ثمَّ . وَقد ذكره الرَّافِعِيّ إِثْر هَذَا الحَدِيث ، وَكَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِ تَقْدِيمه عَلَيْهِ .
فَائِدَة : الرضْوَان بِكَسْر الرَّاء وَضمّهَا لُغَتَانِ ، قرئَ بهما فِي السَّبع . قَالَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصر : رضوَان الله إِنَّمَا يكون للمحسنين ، وَالْعَفو يشبه أَن يكون للمقصرين . قَالَ أَصْحَابنَا : قَوْله للمقصرين قد يسْتَشْكل من حَيْثُ أَن التَّأْخِير لَا إِثْم فِيهِ ، فَكيف يكون فَاعله مقصرًا ، وَأَجَابُوا بِوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : أَنه مقصر بِالنِّسْبَةِ إِلَى من صَلَّى أول الْوَقْت وَإِن كَانَ لَا إِثْم عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : أَنه مقصر بتفويت الأَصْل كَمَا يُقَال : من ترك صَلَاة الضُّحَى ؛ فَهُوَ مقصر . وَإِن لم يَأْثَم .