الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين أنه عليه السلام رَأَى قيس بن قهد يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعد الصُّبْح
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين أنه عليه السلام رَأَى قيس بن قهد يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعد الصُّبْح ، فَقَالَ : مَا هَاتَانِ الركعتان ؟ ! قَالَ : إِنِّي لم أكن صليت رَكْعَتي الْفجْر ، فَسكت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلم يُنكر عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة الشَّافِعِي ، وَأحمد ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَابْن مَاجَه ، أما الشَّافِعِي فَرَوَاهُ فِي الْأُم عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن أبي قيس ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ، عَن جده قيس قَالَ : رَآنِي رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَنا أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بعد الصُّبْح ، فَقَالَ : مَا هَاتَانِ الركعتان يَا قيس ؟ ! فَقلت : إِنِّي لم أكن صليت رَكْعَتي الْفجْر فَسكت عَنهُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من جِهَة الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان ، عَن سعد بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، عَن قيس .
وَأما أَبُو دَاوُد فَرَوَاهُ من حَدِيث عبد الله بن نمير ، عَن سعد بن سعيد ، وَقَالَ : حَدثنِي مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، عَن قيس بن عَمْرو قَالَ : رَأَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا يُصَلِّي بعد صَلَاة الصُّبْح رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : صَلَاة الصُّبْح رَكْعَتَانِ ، فَقَالَ الرجل : إِنِّي لم أكن صليت الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبلهمَا فصليتهما الْآن ، فَسكت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَكَذَا أخرجه أَحْمد فِي الْمسند إِلَّا أَنه قَالَ : أصلاة الصُّبْح مرَّتَيْنِ .. . الحَدِيث .
قَالَ أَبُو دَاوُد : نَا حَامِد بن يَحْيَى قَالَ : قَالَ سُفْيَان : كَانَ عَطاء بن أبي رَبَاح يحدث بِهَذَا الحَدِيث عَن سعد بن سعيد . قَالَ أَبُو دَاوُد : ورَوَى عبد ربه وَيَحْيَى ابْنا سعيد هَذَا الحَدِيث مُرْسلا أَن جدهم صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .. . بِهَذِهِ الْقِصَّة مُرْسلا .
وَأما التِّرْمِذِيّ فَإِنَّهُ رَوَاهُ من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد ، عَن سعد بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم ، عَن جده قيس قَالَ : خرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فأقيمت الصَّلَاة ، فَصليت مَعَه الصُّبْح ، ثمَّ انْصَرف النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فوجدني أُصَلِّي قَالَ : مهلا يَا قيس ، أصلاتان مَعًا ؟ ! قلت : يَا رَسُول الله ، إِنِّي لم أكن ركعت رَكْعَتي الْفجْر ، قَالَ : فَلَا إِذا ، ثمَّ قَالَ : حَدِيث مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم لَا يعرف إِلَّا من حَدِيث سعد بن سعيد . وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة : سمع عَطاء بن أبي رَبَاح من سعد بن سعيد هَذَا الحَدِيث ، وَإِنَّمَا يرْوَى هَذَا الحَدِيث مُرْسلا . قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَسعد بن سعيد هُوَ أَخُو يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، وَقيس هُوَ جد يَحْيَى بن سعيد ، وَيُقَال : هُوَ قيس بن عَمْرو ، وَيُقَال : قيس بن قهد .
قَالَ : وَإسْنَاد هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِمُتَّصِل ، مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ لم يسمع من قيس . وَرَوَى بَعضهم هَذَا الحَدِيث عَن سعد بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : أنه عليه السلام خرج فَرَأَى قيسا .. . وَأما ابْن مَاجَه فَرَوَاهُ من حَدِيث ابْن نمير ؛ كَمَا أخرجه أَبُو دَاوُد إِلَّا أَنه قَالَ : أصلاة الصُّبْح مرَّتَيْنِ بدل : صَلَاة الصُّبْح رَكْعَتَانِ .
إِذا تقرر لَك طرق الحَدِيث ؛ فقد أعل بِوَجْهَيْنِ : أَحدهمَا : بالانقطاع بَين مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ وَقيس كَمَا أسلفناه عَن التِّرْمِذِيّ ، وَتَبعهُ فِيهِ الْحَافِظ عبد الْحق فِي أَحْكَامه . ثَانِيهمَا : بالطعن فِي سعد بن سعيد رَاوِيه ، قَالَ ابْن الْقطَّان فِي الْوَهم وَالْإِيهَام : فَإِن سعد بن سعيد مُخْتَلف فِيهِ ، وَقد قَالَ فِيهِ أَحْمد بن حَنْبَل : ضَعِيف . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : مؤد .
قَالَ : وَقد اخْتلف فِي ضبط هَذِه اللَّفْظَة ؛ فَمنهمْ من خففها - أَي : هَالك - وَمِنْهُم من شددها ؛ أَي : حسن الْأَدَاء . قَالَ : والْحَدِيث من أَصله مُخْتَلف فِيهِ ، لَا يُقَال فِيهِ : صَحِيح ؛ بل حسن . هَذَا كَلَامه .
وَضَعفه بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ من الْمُتَأَخِّرين : النَّوَوِيّ أَيْضا ؛ فَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث ، وَفِيه انْقِطَاع . وَكَذَا قَالَ ابْن الرّفْعَة فِي كِفَايَته أَنه ضَعِيف مُنْقَطع أَو مُرْسل . وَأَقُول : أما الطعْن فِيهِ من جِهَة سعد بن سعيد رَاوِيه فَلَيْسَ بجيد ؛ فَإِنَّهُ وَإِن تكلم فِيهِ ، فقد أخرج لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه محتجًّا بِهِ ، وَأخرج لَهُ حَدِيث : من صَامَ رَمَضَان ، ثمَّ أتبعه بِسِتَّة من شَوَّال كَانَ كصيام الدَّهْر ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ، وَوهم ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه حَيْثُ نقل عَن ابْن حبَان توهِينه وَأَنه لَا يحل الِاحْتِجَاج بِهِ ، فقد ذكر فِي ثقاته وَقَالَ : كَانَ يُخطئ لم يفحش خَطؤُهُ ، فَلذَلِك سلكناه مَسْلَك الْعُدُول ، وَاحْتج بِهِ فِي صَحِيحه .
نعم ذكر ابْن حبَان ذَلِك فِي سعد بن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري ، وَقد وَقع لَهُ هَذَا الْوَهم فِي الضُّعَفَاء أَيْضا ، لكنه ذكر كَلَامه فِيهِ وَفِي المَقْبُري . وَأما الطعْن فِيهِ من جِهَة الِانْقِطَاع فقد ثَبت اتِّصَاله من طَرِيق صَحِيحَة رَوَاهَا أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه عَن ابْن خُزَيْمَة وَغَيره ، نَا الرّبيع بن سُلَيْمَان ، نَا أَسد بن مُوسَى ، نَا اللَّيْث بن سعد ، نَا يَحْيَى بن سعيد ، عَن أَبِيه ، عَن جده قيس بن قهد أَنه صَلَّى مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الصُّبْح وَلم يكن ركع رَكْعَتي الْفجْر ، فَلَمَّا سلم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سلم مَعَه ، ثمَّ قَامَ يرْكَع رَكْعَتي الْفجْر وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ينظر إِلَيْهِ ، فَلم يُنكر ذَلِك عَلَيْهِ . وَرَوَاهَا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث الْأَصَم عَن الرّبيع بِهِ ، وَلَفظه : أَنه جَاءَ وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّي صَلَاة الْفجْر فَصَلى مَعَه ، فَلَمَّا سلم قَامَ فَصَلى رَكْعَتي الْفجْر ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا هَاتَانِ الركعتان ؟ ! فَقَالَ : لم أكن صليتهما قبل الْفجْر ، فَسكت وَلم يقل شَيْئا .
قَالَ الْحَاكِم : إِسْنَاده صَحِيح ذكره شَاهدا لحَدِيث عمرَان بن حُصَيْن فِي قصَّة الْوَادي . قَالَ : وَقيس بن قهد الْأنْصَارِيّ صَحَابِيّ ، وَالطَّرِيق إِلَيْهِ صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، قَالَ : وَقد رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ ، عَن قيس بن قهد ، ثمَّ رَوَاهُ بِلَفْظ ابْن مَاجَه السالف . تَنْبِيهَات : الأول : قد ظهر من الرِّوَايَات الَّتِي سقناها الِاخْتِلَاف فِي اسْم وَالِد قيس عَلَى قَوْلَيْنِ ؛ وَقد ذكرهمَا التِّرْمِذِيّ كَمَا سلف ، أَحدهمَا : قهد ، الثَّانِي : عَمْرو ، وَعَزاهُ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب إِلَى رِوَايَة الْأَكْثَرين ، وَأَنه الصَّحِيح عِنْد الْحفاظ ، وَعَن العسكري : أَن قهدًا لقب ، وَأَن اسْمه عَمْرو .
وَقَالَ ابْن الْقطَّان : فصل ابْن السكن بَينهمَا فجعلهما رجلَيْنِ ، وَذكر الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي أَحْكَامه عَن أبي مُوسَى الْحَافِظ : أَن العسكري رَوَاهُ من حَدِيث قيس بن شماس . وَرَوَاهُ ابْن جريج عَن عَطاء ، عَن قيس بن سهل ، وَهُوَ الصَّحِيح . قَالَ الْمُحب : كَذَا وَقع قيس بن سهل ، وَلَعَلَّه غلط من نَاسخ ؛ بل هُوَ قيس بن عَمْرو أَو ابْن قهد .
الثَّانِي : وَقع فِي أَحْكَام الْمُحب الطَّبَرِيّ : أَن التِّرْمِذِيّ حَّسن حَدِيث قيس هَذَا ، وَلم أر ذَلِك فِيهِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ تَضْعِيفه كَمَا ذكره هُوَ بعد عَنهُ ، وَذكر أَن لَفظه : أصلاتان فِي يَوْم ، وَالَّذِي رَأَيْته فِيهِ : أصلاتان مَعًا كَمَا قَدمته . الثَّالِث : قهد وَالِد قيس بِفَتْح الْقَاف ، ثمَّ هَاء سَاكِنة ثمَّ دَال - ضبطته لِئَلَّا يصحفه من لَا أنس لَهُ بِهَذَا الْفَنّ بفهد - بِالْفَاءِ - والقهد فِي اللُّغَة : الْأَبْيَض الأكدر .