الحَدِيث الثَّانِي عشر أَنه أَمر أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة
الحَدِيث الثَّانِي عشر عَن بِلَال : " أَنه أَمر أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة " .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته من حَدِيث أبي قلَابَة ، عَن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " أَمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة إِلَّا الْإِقَامَة " ، وَقد غلط من ادَّعَى أَن هَذِه اللَّفْظَة وَهِي : إِلَّا الْإِقَامَة لَيست فِي مُسلم ، فَهِيَ فِي بعض طرقه ، وَمَعْنَاهُ إِلَّا قَوْله : قد قَامَت الصَّلَاة فَإِنَّهَا مرَّتَيْنِ ، وَاعْلَم أَن قَول الصَّحَابِيّ : أمرنَا ، أَو أَمر بِكَذَا مَرْفُوع إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْمُخْتَار عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء ، بل ادَّعَى الْبَيْهَقِيّ فِي " خلافياته " الِاتِّفَاق عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ قَالَ : هَذَا حَدِيث مُسْند ، إِذْ لَا خلاف بَين أهل النَّقْل أَن الصَّحَابِيّ إِذا قَالَ : أَمر أَو نهي أَو من السّنة كَذَا أَنه يكون مُسْندًا .
قلت : فعلَى هَذَا يكون قَوْله : "أَمر بِلَال" مَعْنَاهُ : أمره رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَقد ورد مُصَرحًا بذلك ، فارتفع الْخلاف .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سنَنه من حَدِيث أَيُّوب ، عَن أبي قلَابَة ، عَن أنس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بِلَالًا أَن يشفع الْأَذَان وأَن يُوتر الْإِقَامَة .
وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من حَدِيث خَالِد الْحذاء ، عَن أبي
قلَابَة ، عَن أنس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بِلَالًا أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة ، ثمَّ قَالَ : هَذَا فِيهِ الْبَيَان بِأَن قَول أنس : أَمر بِلَال ، أَرَادَ بِهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - دون غَيره .
قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِك مَا أنبأ ابْن خُزَيْمَة ، نَا ابْن عبد الْأَعْلَى ، نَا مُعْتَمر قَالَ : سَمِعت خَالِدا الْحذاء ، عَن أبي قلَابَة ، عَن أنس أَنه حدث " أَنهم التمسوا شَيْئا يُؤذنُونَ بِهِ علما للصَّلَاة ، فَأمر بِلَال أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة ، ثمَّ قَالَ : وَمن ذَلِك الْخَبَر الْمُصَرّح بِأنه عليه السلام هُوَ الَّذِي أَمر بِلَالًا بذلك لَا مُعَاوِيَة - كَمَا توهم من جهل صناعَة الحَدِيث ، فحرف الْخَبَر عَن جِهَته - ، حَدِيث عبد الله بن زيد حَيْثُ قَالَ : قُم فألق عَلَى بِلَال مَا رَأَيْت فليؤذن ، يَعْنِي : وَكَانَت فِي الرُّؤْيَا شفع الْأَذَان ووتر الْإِقَامَة كَمَا قدمْنَاهُ .
وَرَوَاهُ أَبُو عوَانَة فِي "صَحِيحه" من حَدِيث أَيُّوب ، عَن أبي قلَابَة ، عَن أنس : أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بِلَالًا أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة ، وَمن حَدِيث سُلَيْمَان التَّيْمِيّ ، عَن أبي قلَابَة بِهِ .
قلت : وَيرد عَلَيْهِ أَيْضا أَن الْمَنْقُول أَن بِلَالًا لم يُؤذن لأحد بعد
رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا مرّة وَاحِدَة بِالشَّام لعمر وَلم يتم أَذَانه ، وَقيل : إِنَّه أذن للصديق .
وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " من حَدِيث يَحْيَى بن معِين ، عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ ، عَن أَيُّوب - كَمَا سلف - وقَالَ : هَذَا حَدِيث أسْندهُ إِمَام أهل الحَدِيث ومزكى الروَاة بِلَا مدافعة ، وَقد تَابعه عَلَيْهِ الثِّقَة الْمَأْمُون قُتَيْبَة بن سعيد ، ثمَّ سَاقه كَذَلِك ، ثمَّ قَالَ : الشَّيْخَانِ لم يخرجَاهُ بِهَذَا السِّيَاق ، وَهُوَ صَحِيح عَلَى شَرطهمَا .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من طرق ، عَن أَيُّوب ، عَن أبي قلَابَة ، عَن أنس كَمَا سلف ، وَمن حَدِيث خَالِد عَن أبي قلَابَة ، عَن أنس .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي "خلافياته" أَيْضا من حَدِيث سُفْيَان ، عَن وَكِيع ، عَن عبد الْوَهَّاب ، عَن أَيُّوب بِهِ ، وَمن حَدِيث وهب ، عَن خَالِد وَأَيوب بِهِ .
وَلِهَذَا الحَدِيث طَرِيق آخر مُنكر ؛ قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " : سُئِلَ أَبُو زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ عُثْمَان بن أبي صَالح الْمصْرِيّ ، عَن ابْن لَهِيعَة ، عَن عقيل ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أنس : أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمر بِلَالًا أَن يشفع الْأَذَان ويوتر الْإِقَامَة ؟ فَقَالَ : هَذَا حَدِيث مُنكر .
قلت : وَهَذِه الطَّرِيقَة لَا تقدح فِي الطَّرِيق السالفة الصَّحِيحَة ، وَمرَاده بقوله : هَذَا حَدِيث مُنكر بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِه الطَّرِيقَة الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا فَقَط .
فَائِدَة : حَدِيث أنس هَذَا رَوَاهُ جماعات من الصَّحَابَة غَيره وَقد عددتهم فِي "تَخْرِيج أَحَادِيث الْمُهَذّب" فراجعهم مِنْهُ .