الحَدِيث الرَّابِع عشر إِذا أَذنت فترسل وَإِذا أَقمت فاحدر
الحَدِيث الرَّابِع عشر عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : إِذا أَذنت فترسل وَإِذا أَقمت فاحدر .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْمُعَلَّى بن أَسد ، ثَنَا عبد الْمُنعم - وَهُوَ صَاحب السقاء - ، نَا يَحْيَى بن مُسلم ، عَن الْحسن ، وَعَطَاء ، عَن جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لِبلَال : يَا بِلَال ، إِذا أَذنت فترسل فِي أذانك وَإِذا أَقمت فاحدر ، وَاجعَل بَين أذانك وإقامتك قدر مَا يفرغ الْآكِل من أكله ، والشارب من شربه ، والمعتصر إِذا دخل لقَضَاء حَاجته ، وَلَا تقوموا حَتَّى تروني " .
ثمَّ قَالَ : ونا عبد بن حميد ، نَا يُونُس بن مُحَمَّد ، عَن عبد الْمُنعم نَحوه ، قَالَ : وَحَدِيث جَابر هَذَا لَا نعرفه إِلَّا من هَذَا الْوَجْه من حَدِيث عبد الْمُنعم ، وَهُوَ إِسْنَاد مَجْهُول .
قلت : رده التِّرْمِذِيّ بالجهالة ، وَلَعَلَّه يَحْيَى بن مُسلم الرَّاوِي عَن الْحسن ؛ فَإِن أَبَا زرْعَة قَالَ : لَا أعرفهُ . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي " الضُّعَفَاء " : فَلَعَلَّهُ الْبكاء الْمجمع عَلَى ضعفه .
قلت : قد قَالَ فِيهِ ابْن سعد : ثِقَة إِن شَاءَ الله . حَكَاهُ الْمزي وَتَبعهُ هُوَ فِي تذهيبه ، وَقَالَ الْحَاكِم : لَا طعن فِيهِ ، وَقد جزم بِأَنَّهُ الْبكاء الْبَيْهَقِيّ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ فِي " سنَنه " بعد أَن ذكره من هَذِه الطَّرِيق :
يَحْيَى بن مُسلم الْبكاء الْكُوفِي ، ضعفه يَحْيَى بن معِين .
وَفِي إِسْنَاده مَعَ ذَلِك : عبد الْمُنعم بن نعيم الريَاحي الْبَصْرِيّ الواهي .
قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فِيهِ : مُنكر الحَدِيث . وَقَالَ البُخَارِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ : ضَعِيف . قَالَ ابْن حبَان : مُنكر الحَدِيث جدًّا ، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة . وَقَالَ الْعقيلِيّ : لَا يُتَابِعه عَلَيْهِ إِلَّا دونه .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي " سنَنه " : هَكَذَا رَوَاهُ جمَاعَة عَن عبد الْمُنعم بن نعيم عَن يَحْيَى بن مُسلم .
قَالَ البُخَارِيّ : عبد الْمُنعم بن نعيم ، عَن يَحْيَى بن مُسلم : مُنكر الحَدِيث ، ثمَّ ذكر كَلَامه السالف فِي يَحْيَى الْبكاء ، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر من " سنَنه " : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث نظر .
وَقَالَ أَبُو بكر الْمعَافِرِي : هَذَا حَدِيث ضَعِيف الْإِسْنَاد وَهُوَ فِي بَاب الْأَذَان حسن ، وَادَّعَى بعض محدثي بَغْدَاد من أهل الْعَصْر فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث وَقعت فِي "المصابيح" : هَذَا الحَدِيث عِنْدِي مَوْضُوع خلا قَوْله : إِذا أَذنت فترسل ، وَإِذا أَقمت فاحدر ، وَلم يبرهن عَلَى ذَلِك وَلَا نسلم لَهُ .
وَرَوَى هَذَا الحَدِيث ابْن عدي من جِهَة يَحْيَى بن مُسلم أَيْضا ، وَفِيه : وَإِذا أَقمت فاخذم . وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة أبي الشَّيْخ الْحَافِظ ، وَالْبَيْهَقِيّ من جِهَة مُعلى بن مهْدي ، عَن عبد الْمُنعم الْبَصْرِيّ . قَالَ أَبُو حَاتِم : مُعلى هَذَا شيخ موصلي أَدْرَكته وَلم أسمع مِنْهُ ، يحدث أَحْيَانًا بِالْحَدِيثِ الْمُنكر .
وَأغْرب الْحَاكِم أَبُو عبد الله ، فَأخْرج هَذَا الحَدِيث فِي " مُسْتَدْركه " بِزِيَادَة ضَعِيف آخر ، وَهُوَ عَمْرو بن فائد الأسواري الْمَتْرُوك بَين عبد الْمُنعم وَيَحْيَى بن مُسلم ، وَهِي تورث رِيبَة فِي رمي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بالانقطاع أَو الِاخْتِلَاف فِي الْإِسْنَاد ؛ فَقَالَ : ثَنَا أَبُو بكر أَحْمد بن إِسْحَاق ، أَنا عَلّي بن عبد الْعَزِيز ، ثَنَا عَلّي بن حَمَّاد بن أبي طَالب ، ثَنَا عبد الْمُنعم بن نعيم الريَاحي ، نَا عَمْرو بن فائد الأسواري ، نَا يَحْيَى بن مُسلم ، عَن الْحسن وَعَطَاء ، عَن جَابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ لِبلَال : "إِذا أَذنت فترسل فِي أذانك ..." الحَدِيث إِلَى قَوْله : "لقَضَاء حَاجته" ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَيْسَ فِي إِسْنَاده مطعون فِيهِ غير عَمْرو بن فائد الأسواري ، وَالْبَاقُونَ شُيُوخ الْبَصْرَة . قَالَ : وَهَذِه سنة غَرِيبَة لَا أعرف لَهَا إِسْنَادًا غير هَذَا ، وَلم يخرجَاهُ .
هَذَا كَلَامه ؛ وَفِيه نظر من وَجْهَيْن : أَحدهمَا : فِي دَعْوَاهُ أَنه لَيْسَ فِي
إِسْنَاده مطعون فِيهِ غير عَمْرو بن فائد ، وَفِيه اثْنَان ضعيفان بِمرَّة : عبد الْمُنعم ، وَيَحْيَى بن مُسلم ، كَمَا سلف .
وَأما عَمْرو بن فائد الْمَزِيد فِي الْإِسْنَاد ، فَإِنَّهُ واه بِمرَّة ، نسبه عَلّي ابن الْمَدِينِيّ إِلَى الْوَضع ، وَتَركه الدارقطني .
ثَانِيهمَا : دَعْوَاهُ أَن هَذِه السّنة لَيْسَ لَهَا إِلَّا هَذَا الْإِسْنَاد ؛ فَإِن لَهَا إِسْنَاد ثَان وثالث ، أسندها الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث الْقَاسِم بن الحكم ، ثَنَا عَمْرو بن شمر ، حَدثنَا عمرَان بن مُسلم ، قَالَ : سَمِعت سُوَيْد بن غَفلَة قَالَ : سَمِعت عَلّي بن أبي طَالب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه يَقُول : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَأْمُرنَا أَن نرتل الْأَذَان ، ونحذف الْإِقَامَة ، وَعَمْرو هَذَا رَافِضِي مَتْرُوك ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم فِي " الْأَوْسَط " : لم يروه عَن عَمْرو بن شمر إِلَّا أَبُو مُعَاوِيَة .
قلت : قد رَوَاهُ الْقَاسِم بن الحكم وَهُوَ أَبُو أَحْمد العرني - فِيمَا أَظن - ، وَهُوَ ثِقَة ، وَإِن لينه الْعقيلِيّ حَيْثُ قَالَ : فِي حَدِيثه مَنَاكِير لَا يُتَابع عَلَى كثير من حَدِيثه .
وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي "كناه" : سَمِعت أَبَا الْحسن الْقَارئ
يَقُول : سَمِعت أَبَا حَفْص - يَعْنِي : عَمْرو بن عَلّي - يَقُول : رجل يُقَال لَهُ يُوسُف بن عَطِيَّة كُوفِي أكذب من هَذَا قدم علينا ، نزل المربد سمعته يَقُول : نَا عَمْرو بن شمر ، عَن عمرَان بن مُسلم ، عَن سُوَيْد بن غَفلَة ، عَن عَلّي قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لِبلَال : إِذا أَذِنت فترسل ، وَإِذا أَقمت فاحذم ، وَحدث أَحَادِيث مُنكرَة عَن قوم معروفين .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه لما أخرجه من حَدِيث جَابر وَضَعفه : وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد آخر عَن الْحسن وَعَطَاء ، عَن أبي هُرَيْرَة ؛ وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ . ثمَّ ذكره بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ بِلَفْظ قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لِبلَال ... ، فَذكره إِلَى قَوْله : لقَضَاء حَاجته ، ثمَّ قَالَ : الْإِسْنَاد الأول أشهر من هَذَا .
قَالَ الدارقطني : وأنبأنا مُحَمَّد بن مخلد ، ثَنَا الْحسن بن عَرَفَة ، نَا مَرْحُوم بن عبد الْعَزِيز ، عَن أَبِيه ، عَن أبي الزبير مُؤذن بَيت الْمُقَدّس - وَهُوَ مِمَّن لَا يعرف اسْمه عَلَى مَا قَالَه الْحَاكِم أَبُو أَحْمد - قَالَ : جَاءَنَا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، فَقَالَ : إِذا أَذِنت فترسل ، وَإِذا أَقمت فاحذم ، وَفِي رِوَايَة للبيهقي : "فاحدر" .
فَائِدَة : الترسل : التأني وَترك العجلة ، قَالَ الْأَزْهَرِي : الترسل : التمهل فِي تأذينه وتبيين كَلَامه تبيينًا يفهمهُ كل من يسمعهُ ،
قَالَ : وَهُوَ من قَوْلك : جَاءَ فلَان عَلَى رسله ، أَي : عَلَى هينته غير عجل وَلَا مُتْعب نَفسه . وَكَذَا قَالَ الرَّافِعِيّ فِي "الْكتاب" : الترسل هُوَ الترتيل ، والحدر - بِالْحَاء وَالدَّال الْمُهْمَلَتَيْنِ - : الْإِسْرَاع وَترك التَّطْوِيل . وَقَوله : فاحدر يجوز لَك أَن تَقْرَأهُ بِكَسْر الدَّال وَضمّهَا .
قَالَ ابْن سَيّده : حدر الشَّيْء يحدُره ويحدِره حدرًا أَو حدورًا فانحدر : حطه من علو إِلَى سفل .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "دقائق الرَّوْضَة" : يحدر - بِضَم الدَّال مَعَ فتح الْيَاء - أَي : يسْرع .
قَالَ أهل اللُّغَة : حدرت الْقِرَاءَة وَالْأَذَان وَنَحْوهمَا أحدره حدرًا إِذا أسرعت بِهِ .
وَقَوله فِي رِوَايَة ابْن عدي وَمن تبعه : فاحذم رُوِيَ بأوجه : أَحدهَا : بحاء مُهْملَة ، ثمَّ ذال مُعْجمَة مَكْسُورَة وَبعدهَا مِيم وهمزته همزَة وصل ، وَعَلِيهِ اقْتصر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الإِمَام" ، قَالَ صَاحب "الْمُحكم" : الحذم : الْإِسْرَاع فِي الشَّيْء . قَالَ : وَمِنْه قَول عمر ... فَذكر الْأَثر السالف ، وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ نقلا عَن أبي عبيد ، عَن الْأَصْمَعِي : إِن الحذم الحدر فِي الْإِقَامَة ، وَقطع التَّطْوِيل . قَالَ ابْن فَارس : كل شَيْء أسرعت فِيهِ فقد حذمته .
ثَانِيهَا : بِالْجِيم والذال الْمُعْجَمَة ، أَي : اقْطَعْ التَّطْوِيل .
ثَالِثهَا : بِالْخَاءِ والذال المعجمتين ، وَهُوَ من الخذم ، أَي : السرعة ، حَكَى هَذَا الْوَجْه وَالَّذِي قبله أَبُو الْقَاسِم بن البزري .
قَالَ النَّوَوِيّ فِي "تهذيبه" : وَالْأول هُوَ الصَّوَاب الْمَشْهُور الْمَعْرُوف ، والوجهان الْآخرَانِ صَحِيحَانِ فِي اللُّغَة أَيْضا ، وَذكره الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْخَاء الْمُعْجَمَة ، وَهُوَ اخْتِيَار أبي عبيد ، وَعَن خطّ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح عَلَى حَاشِيَة سنَن الْبَيْهَقِيّ أَن الصَّوَاب الْمَحْفُوظ فِي هَذَا الْحَرْف بِالْحَاء الْمُهْملَة قَالَ : وأخبرت قِرَاءَة عَن عبد الغافر بن إِسْمَاعِيل صَاحب "مجمع الغرائب" قَالَ : - وَقد أورد هَذَا الحَدِيث بالحرف الْمَذْكُور - أصل الحذم : الْإِسْرَاع فِي الشَّيْء أمره بِالتَّخْفِيفِ فِي الْإِقَامَة ، وَأما الخذم والجذم بِالْخَاءِ وَالْجِيم فهما من الْقطع وليسا من هَذَا الحَدِيث .
والاعتصار : ارتجاع الْعَطِيَّة ، واعتصر من الشَّيْء : أَخذ ، والاعتصار أَن يَأْخُذ من الْإِنْسَان مَالا بغرم أَو بِشَيْء غَيره ، وَكَأن الْكِنَايَة عَن الدَّاخِل لقَضَاء الْحَاجة بالمعتصر من ذَلِك .