حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

الحَدِيث السَّادِس عشر نهَى أَن يقعي الرجل فِي صلَاته

الحَدِيث السَّادِس عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نهَى أَن يقعي الرجل فِي صلَاته . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : إِحْدَاهَا : من حَدِيث عَائِشَة بِلَفْظ : وَكَانَ ينْهَى عَن عقبَة الشَّيْطَان وَهُوَ حَدِيث طَوِيل ، رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ . قَالَ الهرويُّ عَن أبي عبيد : عقبَة الشَّيْطَان هُوَ أَن يضع أليتيه عَلَى عَقِبَيْهِ بَين السَّجْدَتَيْنِ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَجعله بعض النَّاس الإقعاء .

وَكَذَا قَالَه صَاحب النِّهَايَة قَالَ : وَقيل : هُوَ أَن يتْرك عَقِبَيْهِ غير مغسولين فِي الْوضُوء . ثَانِيهَا : من حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة بن جُنْدُب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : نهَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن الإقعاء فِي الصَّلَاة . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَلم يخرجَاهُ .

قَالَ : وَالرِّوَايَة فِي إِبَاحَة الإقعاء صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . فَذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس الْآتِي . ثَالِثهَا : من حَدِيث عليٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : يَا عَلّي ، أحبُّ لَك مَا أحبُّ لنَفْسي ، وأكره لَك مَا أَكْرَهُ لنَفْسي ، لَا تُقْعِ بَين السَّجْدَتَيْنِ .

رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من حَدِيث الْحَارِث عَنهُ ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث لَا نعرفه من حَدِيث عَلّي إِلَّا من حَدِيث أبي إِسْحَاق ، عَن الْحَارِث ، عَن عَلّي . وَقد ضعف بعض أهل الْعلم الْحَارِث الْأَعْوَر . قَالَ : وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الحَدِيث عِنْد أَكثر أهل الْعلم يكْرهُونَ الإقعاء .

وَرَوَى هَذَا الحَدِيث أَيْضا ابْن مَاجَه من هَذِه الطَّرِيق ، وَلَفظه : لَا تقع بَين السَّجْدَتَيْنِ . وَفِي رِوَايَة أُخْرَى من حَدِيث عَلّي وَأبي مُوسَى لَا تقع إقعاء الْكَلْب وَفِي سَنَده مَعَ الْحَارِث : أَبُو نعيم وَأَبُو مَالك النخعيان ؛ وَقد ضعفوهما . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أَنه قَالَ : لَا تقعوا إقعاء الْكلاب .

قلت : لَهُ طرق : أَحدهَا وَثَانِيها : من حَدِيث عَلّي وَأبي مُوسَى ، وَقد تقدّمت أَيْضا . ثَالِثهَا : من حَدِيث الْعَلَاء أبي مُحَمَّد ، عَن أنس قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِذا رفعت رَأسك من السُّجُود فَلَا تُقْعِ كَمَا يقعي الْكَلْب ، ضع أليتيك بَين قَدَمَيْك ، وألزق ظَاهر قَدَمَيْك بِالْأَرْضِ رَوَاهُ ابْن مَاجَه والْعَلَاء هَذَا هُوَ ابْن زيد الثَّقَفِيّ ، مَتْرُوك ؛ كَمَا قَالَه أَبُو دَاوُد وَغَيره . وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ : وضَّاع .

وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا عَن أنس بِلَفْظ أَنه نهَى عَن الإقعاء والتورُّك . رَابِعهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : نهاني رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَن نقرة كنقر الديك ، وإقعاء كإقعاء الْكَلْب ، والتفات كالتفات الثَّعْلَب . رَوَاهُ أَحْمد كَذَلِك ، وَالْبَيْهَقِيّ ، وَقَالَ : القرد بدل الْكَلْب وَفِي إِسْنَاده : لَيْث بن أبي سليم ، وَقد علمت مَا فِيهِ فِي بَاب الْوضُوء ، وَنقل النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة عَن الْحفاظ أَنهم قَالُوا : لَيْسَ فِي النَّهْي عَن الإقعاء حَدِيث صَحِيح إِلَّا حَدِيث عَائِشَة السَّابِق .

قلت : وَبعده حَدِيث الْحسن عَن سَمُرَة كَمَا سلف عَلَى مَا فِي هَذِه التَّرْجَمَة من الْخلاف الشهير فِيهَا . وَأخرج ابْن السكن فِي صحاحه عَن أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه نهَى عَن السدل ، والإقعاء فِي الصَّلَاة وَعَن أنس أَنه نهَى عَن التورُّك والإقعاء فِي الصَّلَاة . وَهُوَ متساهل فِي هَذَا التَّأْلِيف .

تَنْبِيه : صَحَّ عَن طَاوس أَنه قَالَ : قلت لِابْنِ عَبَّاس فِي الإقعاء عَلَى الْقَدَمَيْنِ ، قَالَ : هِيَ السُّنة . فَقُلْنَا لَهُ : إِنَّا لنراه جفَاء بِالرجلِ ! فَقَالَ : بل هِيَ سنة نبيك صلى الله عليه وسلم . رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا ، وَقد ذكره الرافعيُّ فِي أثْنَاء الْبَاب ، كَمَا سَيَأْتِي .

وَفِي الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن عمر أَنه كَانَ إِذا رفع رَأسه من السَّجْدَة الأولَى يقْعد عَلَى أَطْرَاف أَصَابِعه وَيَقُول : إِنَّه من السّنة . وَفِيه عَن ابْن عمر أَيْضا وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يقعيان . وَفِيه عَن طَاوس : رَأَيْت العبادلة يقعون .

وَفِي الْجمع بَين هَذَا وَبَين مَا سلف وَجْهَان : أَحدهمَا : أَن أَحَادِيث الْإِبَاحَة مَنْسُوخَة بِأَحَادِيث النَّهْي . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : لَعَلَّ ابْن عَبَّاس لم يعلم مَا ورد من الْأَحَادِيث الناسخة الَّتِي فِيهَا النَّهْي عَن الإقعاء . قَالَ الْخطابِيّ : وَهَذَا هُوَ الْأَشْبَه .

وَالثَّانِي : أَنه لَا نسخ فِي ذَلِك ؛ وَإِنَّمَا الإقعاء ضَرْبَان : أَحدهمَا : أَن يضع أليتيه وَيَديه عَلَى الأَرْض وَينصب سَاقيه ، وَهَذَا مَكْرُوه ، وَهُوَ الَّذِي وَردت فِيهِ الْأَحَادِيث الأول . وَثَانِيهمَا : أَن يضع أليتيه عَلَى عَقِبَيْهِ وَتَكون ركبتاه فِي الأَرْض ، وهَذَا هُوَ الَّذِي رَوَاهُ ابْن عَبَّاس وفعلته العبادلة ، وَنَصّ الشَّافِعِي فِي الْبُوَيْطِيّ والْإِمْلَاء عَلَى اسْتِحْبَابه بَين السَّجْدَتَيْنِ فَهُوَ سنة والافتراش سنة ، لَكِن الصَّحِيح أَن الافتراش أفضل مِنْهُ ؛ لِكَثْرَة الروَاة لَهُ ؛ وَلِأَنَّهُ أعونُ للْمُصَلِّي ، وَأحسن فِي هَيْئَة الصَّلَاة وبِهَذَا الْوَجْه جمع بَين الْأَحَادِيث الْبَيْهَقِيّ ، وَتَبعهُ ابْن الصّلاح ثمَّ النَّوَوِيّ قَالَا : وَقد غلط فِي هَذَا كَثِيرُونَ ؛ لتوهمهم أَن الإقعاء نوع وَاحِد ، وَأَن الْأَحَادِيث تَعَارَضَت فِيهِ حَتَّى توهم بعض الْكِبَار أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس مَنْسُوخ ، وَهَذَا غلط فَاحش ؛ فَإِنَّهُ لم يتَعَذَّر الْجمع وَلَا علم التَّارِيخ ، فَكيف يثبت النّسخ ؟ !

ورد في أحاديث5 أحاديث
يُخرِّج هذا المحتوى6 أحاديث
موقع حَـدِيث