الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يُسَوِّي ظَهره فِي الرُّكُوع
الحَدِيث الْخَامِس بعد الْأَرْبَعين يرْوَى أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " كَانَ يُسَوِّي ظَهره فِي الرُّكُوع بِحَيْثُ لَو صب المَاء عَلَى ظَهره لاستمسك " .
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ تبعا للْإِمَام ؛ فَإِنَّهُ ذكره فِي "نهايته" فَقَالَ : "وَكَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يمد ظَهره وعنقه فِي الرُّكُوع عَلَى اسْتِوَاء بِحَيْثُ لَو صب المَاء عَلَى ظَهره لاستمسك" . وَالْإِمَام تبع القَاضِي حُسَيْنًا ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : رَوَت عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها : " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا ركع يُسَوِّي ظَهره وعنقه بِحَيْثُ لَو وضع قدح مَا انْصَبَّ أَو قَالَ لم ينصب " . وَهَذَا الحَدِيث يحضرني لَهُ ثَمَان طرق ، وَلم أر فِي شَيْء مِنْهَا رِوَايَته عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها .
أَحدهَا : من حَدِيث وابصة بن معبد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّي ، فَكَانَ إِذا ركع سوَّى ظَهره حَتَّى لَو صب المَاء عَلَيْهِ لاستقر " . رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ ، نَا عبد الله بن عُثْمَان بن عَطاء ، نَا طَلْحَة بن زيد ، عَن رَاشد قَالَ : سَمِعت وابصة ... فَذكره .
وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ؛ عبد الله بن عُثْمَان بن عَطاء لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي ، سُئِلَ عَنهُ أَبُو حَاتِم ، فَقَالَ : صَالح . وَقَالَ : سَمِعت مُوسَى بن سهل الرَّمْلِيّ يَقُول : هُوَ أصلح من أبي طَاهِر مُوسَى بن مُحَمَّد الْمَقْدِسِي قَلِيلا ، وَكَانَ أَبُو طَاهِر يكذب . وَقَالَ ابْن حبَان : يعْتَبر حَدِيثه إِذا رَوَى عَنهُ غير الضُّعَفَاء . وَطَلْحَة بن زيد - وَقيل : ابْن يزِيد - ضَعَّفُوهُ ، قَالَ البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث . وَنسبه أَحْمد وَابْن الْمَدِينِيّ إِلَى الْوَضع ، وَرَاشِد هَذَا لم يحدث عَنهُ إِلَّا طَلْحَة هَذَا الواهي .
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بالسند الْمَذْكُور لكنه قَالَ : عَن رَاشد بن أبي رَاشد " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ركع فِي صلَاته لَو صب عَلَى ظَهره مَاء لاستقر " .
الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ركع لَو صب كوز مَاء عَلَى ظَهره لاستنقع عَلَيْهِ " . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي "مراسيله" ، عَن حَفْص بن عمر ، عَن شُعْبَة ، عَن أبي فَرْوَة ، عَن ابْن أبي لَيْلَى بِهِ . وَحَفْص هَذَا كَأَنَّهُ الرفاء ، قَالَ أَبُو حَاتِم : كَذَّاب . وَسَيَأْتِي وَصله من حَدِيث عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه .
الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ركع فَلَو صب كوز المَاء لاستقر " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر
معاجمه" وَفِي سَنَده : سَلام الطَّوِيل تَرَكُوهُ ، وَزيد الْعمي وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ .
وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي الْعَالِيَة ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " كَانَ يعلمنَا الرُّكُوع كَمَا كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعلمهُمْ ثمَّ يَسْتَوِي لنا رَاكِعا حَتَّى لَو قطرت بَين كَتفيهِ قَطْرَة من مَاء مَا تقدّمت وَلَا تَأَخَّرت " وَفِي سَنَده : عليلة بن بدر ، تَركه الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره .
الطَّرِيق الرَّابِع : من حَدِيث عقبَة بن عَمْرو قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ركع عدل ظَهره فَلَو صب عَلَى ظَهره مَاء لركد " . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أكبر معاجمه" أَيْضا ، وَفِيه عبد الْملك بن عُمَيْر ، وَهُوَ من فرسَان الصَّحِيح وَإِن تكلم فِيهِ أَحْمد وَنسبه إِلَى اضْطِرَاب الحَدِيث ، وَابْن معِين إِلَى الِاخْتِلَاط .
الطَّرِيق الْخَامِس : من حَدِيث أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ركع لَو صب عَلَى ظَهره مَاء لاستقر " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي
"أكبر معاجمه" أَيْضا ، عَن مُحَمَّد بن عبد الله الْحَضْرَمِيّ ، ثَنَا صَالح بن زِيَاد السُّوسِي ، نَا يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن سعيد بن جمْهَان ، عَن أبي بَرزَة بِهِ .
وَهَذَا إِسْنَاد جيد ، شيخ الطَّبَرَانِيّ هُوَ مطين الْحَافِظ ، وَشَيْخه قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِم : صَدُوق وَإِن ضعفه مسلمة بن قَاسم فِي " تَارِيخه " . وَيَحْيَى وَحَمَّاد لَا يسْأَل عَنْهُمَا لجلالتهما ، وَسَعِيد بن جمْهَان وَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو دَاوُد ، وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس بِهِ ، وَحسن لَهُ التِّرْمِذِيّ حَدِيث : "الْخلَافَة ثَلَاثُونَ سنة .
وَأما أَبُو حَاتِم ، فَقَالَ : لَا يحْتَج بِهِ .
الطَّرِيق السَّادِس : من حَدِيث أنس بن مَالك رَضِيَ اللَّهُ عَنْه " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا ركع لَو جعل عَلَى ظَهره قدح من مَاء لاستقر من اعتداله " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي " أَصْغَر معاجمه " ، عَن إِسْحَاق الصَّدَفِي الْمصْرِيّ ، ثَنَا عَمْرو بن الرّبيع بن طَارق ، نَا يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن مُحَمَّد بن ثَابت الْبنانِيّ ، عَن أَبِيه ، عَن أنس بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن مُحَمَّد بن ثَابت إِلَّا يَحْيَى ، تفرد بِهِ عَمْرو بن الرّبيع .
قلت : هُوَ ثِقَة من فرسَان الصَّحِيح ، لَكِن مُحَمَّد بن ثَابت ضعفه جمَاعَة ، وَقَالَ الْحَاكِم : لَا بَأْس بِه ِ .
الطَّرِيق السَّابِع : من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ركع لَو صب عَلَى ظَهره مَاء اسْتَقر " ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي " علله " وَقَالَ : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : ذكر الْبَراء لَيْسَ بِمَحْفُوظ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْن أبي لَيْلَى مُرْسلا .
الطَّرِيق الثَّامِن : من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى عَن عَلّي قَالَ : " كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِذا ركع لَو وضع قدح من مَاء عَلَى ظَهره لم يهراق " رَوَاهُ أَحْمد فِي "مُسْنده" قَالَ وَلَده عبد الله : وجدت فِي كتاب أبي : أخْبرت عَن سِنَان بن هَارُون ، عَن بَيَان ، عَن عبد الرَّحْمَن بِهِ . وَذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي " علله " فَقَالَ : رَوَاهُ أَحْمد عَمَّن أخبرهُ ، عَن سِنَان بِهِ ، وَخَالفهُ سلم بن سَلام أَبُو الْمسيب الواسطى ؛ فَرَوَاهُ عَن سِنَان بن هَارُون ، عَن بَيَان ، عَن ابْن أبي لَيْلَى ، عَن الْبَراء قَالَ : وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ .