الحَدِيث التَّاسِع بعد السِّتين شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله حر الرمضاء فِي جباهنا
الحَدِيث التَّاسِع بعد السِّتين عَن خباب بن الْأَرَت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حر الرمضاء فِي جباهنا وأكفنا فَلم يشكنا " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك فِي "سنَنه" و"خلافياته" بِإِسْنَاد صَحِيح ، قَالَ فِي " خلافياته " : رَوَاهُ زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة ، عَن أبي إِسْحَاق كَذَلِك ، وزَكَرِيا مجمع عَلَى عَدَالَته ، وَكَذَلِكَ الطَّرِيق إِلَيْهِ سديد ، وَالزِّيَادَة من الثِّقَة مَقْبُولَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَقَالَ الْحَاكِم فِي "أربعينه" : أَنا ابْن خُزَيْمَة ، نَا الْعَبَّاس بن الْفضل ، نَا أَحْمد بن يُونُس ، نَا أَبُو إِسْحَاق ، عَن سعيد بن وهب ، عَن خباب قَالَ : " شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حر الرمضاء فِي جباهنا وأكفنا فَلم يشكنا " ثمَّ
قَالَ : رَوَاهُ مُسلم فِي "صَحِيحه" ، عَن أَحْمد بن يُونُس .
قلت : مُرَاده أَصله ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ لفظ "جباهنا وأكفنا" هَذَا لفظ مُسلم : ثَنَا أَحْمد بن يُونُس ، نَا أَبُو إِسْحَاق زُهَيْر بن حَرْب ، عَن أبي إِسْحَاق السبيعِي ، عَن سعيد بن وهب ، عَن خباب بن الْأَرَت قَالَ : " أَتَيْنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فشكونا إِلَيْهِ حر الرمضاء فَلم يشكنا " .
قَالَ زُهَيْر : قلت لأبي إِسْحَاق : أَفِي الظّهْر ؟ قَالَ : نعم . قلت : أَفِي تَعْجِيلهَا ؟ قَالَ : نعم . وَفِي رِوَايَة لَهُ : شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الصَّلَاة فِي الرمضاء فَلم يشكنا " وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر ، عَن عبد الله بن أَحْمد ، نَا خَلاد بن يَحْيَى ، نَا يُونُس بن أبي إِسْحَاق ، نَا سعيد بن وهب ، نَا خباب قَالَ : " شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حر الرمضاء فَمَا أشكانا ، وَقَالَ : إِذا زَالَت الشَّمْس فصلوا " .
وَرَوَى هَذِه الزِّيَادَة أَيْضا الْبَيْهَقِيّ وصححها ابْن الْقطَّان ، فَقَالَ فِي " الْوَهم وَالْإِيهَام " : يُونُس بن أبي إِسْحَاق قد شَارك أَبَاهُ فِي أَشْيَاخ ، مِنْهُم : نَاجِية بن كَعْب وَغَيره فَلَا بعد فِي قَوْله : نَا سعيد بن وهب . وَهُوَ فِي "كتاب مُسلم" بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة من رِوَايَة أبي إِسْحَاق ، عَن سعيد لَكِن من غير رِوَايَة يُونُس ، فَلَعَلَّ يُونُس حفظ عَن سعيد الزِّيَادَة الْمَذْكُورَة
مَا لم يحفظ أَبوهُ أَبُو إِسْحَاق . وَيُونُس ثِقَة حَافظ ، وخلاد بن يَحْيَى ثِقَة أحد أَشْيَاخ البُخَارِيّ .
قلت : وَرُوِيَ هَذَا الحَدِيث أَيْضا من رِوَايَة أبي إِسْحَاق ، عَن حَارِثَة بن مضرب عَنهُ ، رَوَاهُ وَكِيع ، عَن الْأَعْمَش قَالَ عبد الرَّحْمَن : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ ، فَقَالَ : أَخطَأ فِيهِ وَكِيع بن الْجراح ، إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَا رَوَاهُ شُعْبَة وسُفْيَان وَزُهَيْر وَإِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق ، عَن سعيد بن وهب ، عَن خباب يرفعهُ ، وَقَالَ أَيْضا : سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ ابْن عُيَيْنَة ، عَن الْأَعْمَش ، عَن عمَارَة ، عَن أبي معمر ، عَن خباب قَالَ : " شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حر الرمضاء فَلم يشكنا " . قَالَ أبي : هَذَا خطأ ، أَخطَأ فِيهِ ابْن عُيَيْنَة ، لَيْسَ لهَذَا أصل ، مَا نَدْرِي كَيفَ أَخطَأ وَمَا أَرَادَ . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : إِنَّمَا أَرَادَ ابْن عُيَيْنَة حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن عمَارَة ، عَن أبي معمر ، عَن خباب أَنه قيل لَهُ "كَيفَ تعرفُون قِرَاءَة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : باضطراب لحيته " . قلت لأبي زرْعَة : عَنهُ الحديثان جَمِيعًا ؟ فَقَالَ : أَحدهمَا وَالْآخر خطأ . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : الصَّحِيح حَدِيث الْأَعْمَش ، عَن أبي إِسْحَاق ، عَن حَارِثَة ، عَن خباب قَالَ : "شَكَوْنَا ..." وَابْن عُيَيْنَة وهم فِيهِ وَفِي " علل التِّرْمِذِيّ " من حَدِيث
زيد بن جُبَير ، عَن خشف بن مَالك ، عَن أَبِيه عَن عبد الله قَالَ : " شَكَوْنَا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حر الرمضاء فَلم يشكنا " ثمَّ قَالَ : سَأَلت مُحَمَّدًا عَنهُ ، فَقَالَ : الصَّحِيح عَن عبد الله مَوْقُوف .
تَنْبِيهَات :
أَحدهَا : وَقع فِي "أَحْكَام الْمُحب الطَّبَرِيّ" أَن البُخَارِيّ أخرج حَدِيث خباب هَذَا ، وَهُوَ وهم ، وَقد شهد عبد الْحق فِي "أَحْكَامه" بِأَن البُخَارِيّ لم يُخرجهُ .
ثَانِيهَا : اسْتدلَّ الرَّافِعِيّ بِهَذَا الحَدِيث عَلَى وجوب كشف الْجَبْهَة فِي السُّجُود تبعا للأصحاب . وَاعْترض بَعضهم عَلَى الِاسْتِدْلَال بِهِ ، وَقَالَ : إِنَّه إِنَّمَا ورد فِي الْإِبْرَاد . وَهَذَا الِاعْتِرَاض ضَعِيف كَمَا نبه عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" ؛ لأَنهم شكوا حر الرمضاء فِي جباههم وأكفهم ، وَلَو كَانَ الْكَشْف غير وَاجِب لقيل لَهُم استروها ، فَلَمَّا لم يقل ذَلِك دلّ عَلَى أَنه لَا بُد من كشفها .
ثَالِثهَا : اخْتلف فِي مَعْنَى هَذَا الحَدِيث فَقيل : لم يعذرنا ، وَقيل : لم يحوجنا إِلَى الشكوى فِي الْمُسْتَقْبل . وَرِوَايَة ابْن الْمُنْذر السالفة مبينَة للْأولِ . قلت : لَكِن نسخ ذَلِك وَثبتت السّنة بعده بِالْأَمر بالإبراد كَمَا سلف فِي كتاب الصَّلَاة فِي عدَّة أَحَادِيث .
رَابِعهَا : خباب بخاء مُعْجمَة مَفْتُوحَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة مُشَدّدَة ثمَّ ألف ثمَّ بَاء مُوَحدَة . والأرت : بِالْمُثَنَّاةِ فَوق كَلَفْظِ الْأَرَت فِي اللِّسَان . والرمضاء : شدَّة حر الأَرْض من وَقع الشَّمْس عَلَى الرمل وَغَيره ، ويشكنا - بِضَم أَوله .
خَامِسهَا : هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من حَدِيث جَابر أَيْضا ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي "أَصْغَر معاجمه" من حَدِيث مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر ، عَن جَابر قَالَ : " شَكَوْنَا إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حر الرمضاء فَلم يشكنا ، وَقَالَ : أَكْثرُوا من قَول لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَإِنَّهَا تدفع تِسْعَة وَتِسْعين بَابا من الضّر أدناها الْهم والفقر . ثمَّ قَالَ : لم يروه عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر إِلَّا بلهط بن عباد الْمَكِّيّ ، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَة ، تفرد بِهِ ابْن أبي عمر الْعَدنِي ، عَن عبد الْمجِيد بن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد ، وَلَا يرْوَى عَن جَابر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد وَلَا يحفظ بلهط حَدِيثا غير هَذَا . وَذكره الْعقيلِيّ فِي " ضُعَفَائِهِ " وَقَالَ : بلهط بن عباد ، عَن مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر مَجْهُول فِي الرِّوَايَة وَالنّسب ، حَدِيثه غير مَحْفُوظ ، وَلَا يُتَابع عَلَيْهِ ، وَهَذَا اللَّفْظ لَا يَصح ، وَالْمَحْفُوظ إِلَى قَوْله : "فَلم يشكنا" . وَتَبعهُ الذَّهَبِيّ ، فَقَالَ فِي " الْمِيزَان " : بلهط لَا يعرف ، وَالْخَبَر مُنكر .