الحَدِيث الْخَامِس بعد التسعين كَانَ إِذا قَامَ فِي صلَاته وضع يَده عَلَى الأَرْض كَمَا يصنع العاجن
الحَدِيث الْخَامِس بعد التسعين عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما " أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ إِذا قَامَ فِي صلَاته وضع يَده عَلَى الأَرْض كَمَا يصنع العاجن " .
هَذَا الحَدِيث ذكره الرَّافِعِيّ تبعا للغزالي فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي "وسيطه" ، وَالْغَزالِيّ تبع إِمَامه فَإِنَّهُ أوردهُ كَذَلِك فِي نهايته وَلَا يحضرني من خرجه من الْمُحدثين من هَذَا الْوَجْه بعد الْبَحْث عَنهُ .
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : هَذَا الحَدِيث لَا يعرف وَلَا يَصح وَلَا يجوز أَن يحْتَج بِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي " شرح الْمُهَذّب " : هَذَا حَدِيث ضَعِيف أَو بَاطِل لَا أصل لَهُ . وَقَالَ فِي التَّنْقِيح : ضَعِيف بَاطِل لَا يعرف ، وَفِي النِّهَايَة لِابْنِ الْأَثِير ، وَفِي حَدِيث ابْن عمر " أَنه كَانَ يعجن فِي الصَّلَاة فَقيل لَهُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يعجن فِي الصَّلَاة أَي يعْتَمد عَلَى يَدَيْهِ إِذا قَامَ كَمَا يفعل الَّذِي يعجن الْعَجِين . انْتَهَى .
وَقَالَ ابْن الصّلاح : قد صَار هَذَا الحَدِيث - أَعنِي حَدِيث ابْن عَبَّاس - فِي الْوَسِيط والْوَجِيز مَظَنَّة الْغَلَط ، فَمن غالط فِي لَفظه يَقُول : "الْعَاجِز" . بالزاي وَإِنَّمَا هُوَ بالنُّون ، وَقد جعله الْغَزالِيّ فِيمَا نقل عَنهُ فِي درسه بالزاي أحد الْوَجْهَيْنِ فِيهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِك ، وَمن غالط فِي مَعْنَاهُ غير غالط فِي لَفظه يَقُول : هُوَ بالنُّون وَلكنه عاجن عجين الْخبز فَيقبض أَصَابِع كفيه ويضمها كَمَا يَفْعَله عاجن الْعَجِين ، ويتكئ عَلَيْهَا ويرتفع ، وَلَا يضع راحتيه عَلَى الأَرْض ، وَهَذَا جعله الْغَزالِيّ فِي درسه . الْوَجْه الثَّانِي فِيهِ وَعمل بِهِ كثير من عَامَّة الْعَجم وَغَيرهم : وَهُوَ إِثْبَات هَيْئَة شَرْعِيَّة في الصَّلَاة لَا عهد بهَا بِحَدِيث لم يثبت وَلَو ثَبت ذَلِك لم يكن ذَلِك مَعْنَاهُ لِأَن العاجن فِي اللُّغَة الرجل المسن الْكَبِير الَّذِي إِذا قَامَ اعْتمد بيدَيْهِ عَلَى الأَرْض من الْكبر وأنشدوا :
وأصبحت كُنتِيًّا وأصبحتُ عاجنًا وَشر خِصَال الْمَرْء كُنْتٌ وعَاجِنُ
قَالَ ابْن الصّلاح : فَإِن كَانَ وصف الْكبر بذلك مأخوذًا من عاجن الْعَجِين فالتشبيه فِي شدَّة الِاعْتِمَاد عِنْد وضع الْيَدَيْنِ لَا فِي كَيْفيَّة ضم أصابعهما قَالَ : وَأما الَّذِي فِي كتاب "الْمُحكم فِي اللُّغَة" للمغربي الْمُتَأَخر الضَّرِير من قَوْله فِي العاجن : إِنَّه الْمُعْتَمد عَلَى الأَرْض بجمعه ؛ وَجمع الْكَفّ - بِضَم الْمِيم - هُوَ أَن يقبضهَا كَمَا ذكره فَغير مَقْبُول مِنْهُ ، فَإِنَّهُ مِمَّن لَا يقبل مَا ينْفَرد بِهِ ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يغلط ويغالطونه كثيرا ، وَكَأَنَّهُ أضرّ بِهِ فِي كِتَابه مَعَ كبر حجمه ضرارته هَذَا آخر كَلَامه .
وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب نقلا عَن صَاحب الْمُجْمل : إِن العاجن هُوَ الَّذِي إِذا نَهَضَ اعْتمد عَلَى يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يعجن أَي الخمير ، قَالَ : وَيجوز أَن يكون مَعْنَى الْخبز كَمَا يَقع عاجن الخمير . قَالَ الرَّافِعِيّ : هما متقاربان . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : العاجن بالنُّون . قَالَ : وَلَو صَحَّ هَذَا الحَدِيث لَكَانَ مَعْنَاهُ قَامَ مُعْتَمدًا بِبَطن يَدَيْهِ كَمَا يعْتَمد الْعَاجِز وَهُوَ الشَّيْخ الْكَبِير وَلَيْسَ المُرَاد عاجن الْعَجِين وَكَذَا قَالَ فِي "تنقيحه" : إِنَّه بالنُّون وَهُوَ الرجل المسن الَّذِي حطمه الْكبر فَصَارَ بِحَيْثُ إِذا قَامَ اعْتمد بيدَيْهِ عَلَى الأَرْض ، فَهَذَا صَوَابه لَو صَحَّ هَذَا
اللَّفْظ ، قَالَ : وَأما مَا نقل عَن الْغَزالِيّ فِي درسه أَنه قَالَ : رُوِيَ بالنُّون وَالزَّاي وبالنون أولَى ، وَإنَّهُ الَّذِي يقبض بيدَيْهِ وَيقوم مُعْتَمدًا عَلَيْهَا ، وَعلله بعلة فَاسِدَة ، وَالصَّوَاب أَن الحَدِيث بَاطِل لَا يحْتَج بِهِ وَيقوم ويداه مبسوطتان مُعْتَمدًا عَلَى راحتيه وبطون أَصَابِعه .