خاتمة الباب
خاتمتان أختم بهما الْبَاب ، ختم الله لي ولمطالعهما بِالْحُسْنَى : الأولَى : نقل الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب عَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنه قَالَ فِي "نهايته" : فِي قلبِي من الطُّمَأْنِينَة فِي الِاعْتِدَال شَيْء ؛ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث الْمُسِيء صلَاته ذكرهَا فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود ، وَلم يذكرهَا فِي الِاعْتِدَال والقعدة بَين السَّجْدَتَيْنِ ، فَقَالَ : "ثمَّ ارْفَعْ رَأسك حَتَّى تعتدل قَائِما ، ثمَّ اسجد حَتَّى تطمئِن سَاجِدا ، ثمَّ ارْفَعْ رَأسك حَتَّى تعتدل جَالِسا" وَأقرهُ الرَّافِعِيّ عَلَى ذَلِك ، وَهُوَ عَجِيب مِنْهُمَا ، فالطمأنينة فِي الْجُلُوس بَين
السَّجْدَتَيْنِ ثَابِتَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي "(مُسْند") أَحْمد و"سنَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، وأعجب من هَذَا أَن إِمَام الْحَرَمَيْنِ خرجها فِي أَرْبَعِينَ لَهُ (وَهِي سَمَاعنَا ، قلت : وَلَا أعلم من خرجها بِدُونِهَا) والطمأنينة فِي الِاعْتِدَال ثَابِتَة أَيْضا (فَفِي) صَحِيح أبي حَاتِم بن حبَان من حَدِيث رِفَاعَة بن رَافع الزرقي وَهَذَا لَفظه : " فَإِذا رفعت رَأسك ، فأقم صلبك حَتَّى ترجع الْعِظَام إِلَى مفاصلها ، فَإِذا سجدت ، فمكن سجودك . . ." الحَدِيث .
وَرَوَاهُ ابْن السكن فِي "صَحِيحه" من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ : "ثمَّ ارْفَعْ حَتَّى تطمئِن قَائِما" وَقَالَ الْحَافِظ محب الدَّين الطَّبَرِيّ : قد جَاءَ فِي رِوَايَة مَشْهُورَة فِي كتب الْفِقْه : "ثمَّ لتقم حَتَّى تطمئِن (قَائِما") ، وَفِي الصَّحِيح أَنه طوله أَيْضا (وَالله أعلم) .
الخاتمة الثَّانِيَة : قَالَ الرَّافِعِيّ بعد أَن ذكر كَيْفيَّة الصَّلَاة عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : قَالَ الصيدلاني : وَمن النَّاس من يزِيد (وَارْحَمْ)
مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّد كَمَا رحمت عَلَى [ آل ] إِبْرَاهِيم ، (قَالَ : وَرُبمَا يَقُولُونَ : كَمَا ترحمت عَلَى إِبْرَاهِيم) قَالَ : وَهَذَا لم يرد فِي الْخَبَر وَهُوَ غير (صَحِيح) فَإِنَّهُ لَا يُقَال رَحمت عَلَيْهِ وَإِنَّمَا يُقَال : رَحمته ، وَأما الترحم فَفِيهِ مَعْنَى التَّكَلُّف والتصنع ؛ فَلَا يحسن إِطْلَاقه فِي حق الله - تَعَالَى - هَذَا آخر كَلَام الصيدلاني ، وإنكاره وُرُود هَذِه الزِّيَادَة فِي الْخَبَر غَرِيب (فقد) وَردت عدَّة أَخْبَار :
أَحدهَا : خبر ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَنه قَالَ : " إِذا تشهد أحدكُم فِي الصَّلَاة ، فَلْيقل : اللَّهُمَّ صل عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد ، وَبَارك عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل محمدٍ ؛ كَمَا صليت وباركت وترحمت عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد " .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي " مُسْتَدْركه " فِي هَذَا الْبَاب ، عَن أبي بكر بن إِسْحَاق ، أَنا أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن ملْحَان ، نَا يَحْيَى بن بكير ، ثَنَا اللَّيْث ، عَن خَالِد بن يزِيد ، عَن سعيد بن أبي هِلَال ، عَن يَحْيَى بن السباق ، عَن رجل من بني الْحَارِث ، عَن ابْن مَسْعُود بِهِ ، ثمَّ قَالَ : إِسْنَاده صَحِيح .
ثَانِيهَا : خبر أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من قَالَ : اللَّهُمَّ صل عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد ؛ كَمَا صليت عَلَى إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم ، وَبَارك عَلَى مُحَمَّد و(عَلَى) آل مُحَمَّد ؛ كَمَا باركت عَلَى إِبْرَاهِيم
و(عَلَى) آل إِبْرَاهِيم و(ترحم) عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد ؛ كَمَا ترحمت عَلَى إِبْرَاهِيم و(عَلَى) آل إِبْرَاهِيم - شهِدت لَهُ يَوْم الْقِيَامَة (بالشفاعة) " .
رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي كتاب "الْأَدَب" عَن مُحَمَّد بن الْعَلَاء ، نَا إِسْحَاق بن [ سُلَيْمَان ] عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن مولَى سعيد بن (الْعَاصِ) ، أَنا حَنْظَلَة بن عَلّي ، عَن أبي هُرَيْرَة بِهِ .
ثَالِثهَا : خبر عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " اللَّهُمَّ صل عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد ؛ كَمَا صليت عَلَى إِبْرَاهِيم وَعَلَى آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد ، اللَّهُمَّ بَارك عَلَى مُحَمَّد (وَعَلَى آل مُحَمَّد) ؛ كَمَا باركت بِمثلِهِ ، اللَّهُمَّ وترحم عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد ؛ كَمَا ترحمت (عَلَى إِبْرَاهِيم) بِمثلِهِ ، (اللَّهُمَّ وتحنن عَلَى مُحَمَّد ؛ وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا تحننت بِمثلِهِ) ، اللَّهُمَّ وَسلم عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد (كَمَا) سلمت عَلَى إِبْرَاهِيم فِي الْعَالمين إِنَّك حميد مجيد " .
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي "عُلُوم الحَدِيث" فِي النَّوْع الْعَاشِر مِنْهُ ، وَفِي إِسْنَاده عَمْرو بن خَالِد الوَاسِطِيّ الوضاع ، وَهُوَ من مسلسل الْأَحَادِيث وأكثرها لَا يَصح ، وَقَالَ المستغفري فِي (الدَّعْوَات) : (روينَا) حديثًَا مسلسلًا عَن الْحسن بن عَلّي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : " قَالَ جِبْرِيل صلوَات الله عَلَيْهِ : هَكَذَا أنزلت من عِنْد رب الْعِزَّة : اللَّهُمَّ صل عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد . . ." فَذكره بِمثلِهِ ، إِلَّا أَنه أسقط لَفْظَة "وَعَلَى" فِي آل إِبْرَاهِيم فِي الصَّلَاة وَالْبركَة ، وَلم يقل : "فِي الْعَالمين" .
رَابِعهَا : من حَدِيث ابْن عَبَّاس : " قُلْنَا : يَا رَسُول الله ، علمنَا السَّلَام عَلَيْك ، فَكيف الصَّلَاة عَلَيْك ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ صل (عَلَى) مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا صليت عَلَى إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد ، (وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّد كَمَا رحمت آل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد) ، وَبَارك عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آل مُحَمَّد كَمَا باركت عَلَى إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم إِنَّك حميد مجيد " . رَوَاهُ ابْن جرير ، وَقَول الصيدلاني إِنَّه لَا يُقَال : رحمت عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُقَال : رَحمته مَرْدُود من وَجْهَيْن :
أَحدهمَا : أَن الْخَبَر ورد بِلَفْظ "وترحمت" كَمَا سبق عَن الْحَاكِم تَصْحِيح إِسْنَاده .
ثَانِيهمَا : أَن الصَّاغَانِي قَالَ : لَا يُقَال : ترحمت عَلَيْهِ ، بل رَحمته (ورحمت) عَلَيْهِ ، عَلَى أَن قَول الصَّاغَانِي (لَا يُقَال) : ترحمت عَلَيْهِ مَرْدُود بِلَفْظ الحَدِيث أَيْضا ، فاستفد كل ذَلِك فَإِنَّهُ من الْمُهِمَّات النفيسة .