الحَدِيث الأول قَرَأت عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم سَجْدَة والنجم فَلم يسْجد فيها
بَاب سُجُود التِّلَاوَة وَالشُّكْر ذكر فِيهِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَحَادِيث وآثارًا ؛ أما الْأَحَادِيث فخمسة عشر حَدِيثا . الحَدِيث الأول عَن زيد بن ثَابت رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : قَرَأت عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سَجْدَة (والنجم) فَلم يسْجد فِيهَا (وَلَا أمره) بِالسُّجُود . هَذَا الحَدِيث اتّفق الشَّيْخَانِ عَلَى إِخراجه من حَدِيثه أَنه قَرَأَ عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (﴿والنجم إِذا هوى ﴾) فَلم يسْجد هَذَا لفظ مُسلم ، وَلَفظ البُخَارِيّ : قَرَأت عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (والنجم ) فَلم يسْجد فِيهَا .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : لم يسْجد (منا) أحد وَقَول الرَّافِعِيّ وَلَا (أَمر) بِالسُّجُود تبع فِيهِ الْمَاوَرْدِيّ وَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا أَنه لم (يفعل) ذَلِك إِن لم يُوجد كَذَلِك فِي رِوَايَة . ثمَّ اعْلَم أَن ابْن حزم أعلَّ هَذَا الحَدِيث فِي مُحَلاَّه فَقَالَ : وَاحْتج المقلدون لمَالِك بِهَذَا الحَدِيث ، ثمَّ رَاوِيه قد صَحَّ عَن مَالك أَنه لَا يعْتَمد عَلَى رِوَايَته ، وَهُوَ يزِيد بن عبد الله بن (قُسَيْط) هَذَا كَلَامه . وَهَذَا الحَدِيث قد أخرجه الشَّيْخَانِ من طَرِيقه وَكَذَا أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : حسن صَحِيح .
وَمَا نَقله عَن مَالك فِي ابْن (قسيط) لَا نعلمهُ عوضا عَن صِحَّته ، ثمَّ إِن مَالِكًا قد أخرج لَهُ فِي موطئِهِ فَلَو كَانَ لَا يعْتَمد عَلَى رِوَايَته لما رُوِيَ عَنهُ فِي الْمُوَطَّأ وَحده ، وَقد قَالَ عَلِيّ ابن الْمَدِينِيّ : ابْن (قسيط ) ثِقَة (وَلَو لم يكن ثِقَة مَا رَوَى عَنهُ مَالك) . وَقَالَ ابْن عدي : رَوَى مَالك عَنهُ غير حَدِيث وَقد أَثْنَى النَّاس عَلَيْهِ . تَنْبِيه : (أجَاب الْبَيْهَقِيّ) تبعا للشَّافِعِيّ عَن هَذَا الحَدِيث بِأَن قَالَ : يحْتَمل أَن يكون رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِنَّمَا لم يسْجد ؛ لِأَن زيدا لم يسْجد وَكَانَ هُوَ الْقَارئ ، وَكَانَ سَبَب هَذَا الِاحْتِمَال أَنه عَلَيْهِ السَّلَام سجد فِيهَا كَمَا أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَرَأَ (والنجم ) فَسجدَ فِيهَا وَسجد من كَانَ مَعَه غير أَن شَيخا أَخذ كفًّا من حَصى - أَو تُرَاب - فرفعه إِلَى جَبهته وَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا ، قَالَ عبد الله : لقد رَأَيْته بعد (قُتِلَ) كَافِرًا وَيحْتَمل أَن يكون تَركه فِي حَدِيث (زيد) لبَيَان الْجَوَاز وَأَنه لَيْسَ بِوَاجِب ؛ لَا كَمَا يَقُوله الْمُخَالف .
فَائِدَة : هَذَا الشَّيْخ الَّذِي لم يسْجد هُوَ أُميَّة بن خلف ، وَفِي الطَّبَرَانِيّ (الْكَبِير) أَنه الْوَلِيد بن الْمُغيرَة ، وَقيل إِنَّه عتبَة بن ربيعَة ، وَقيل : أَبُو أحيحة سعيد بن الْعَاصِ ، حَكَاهُمَا الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه وَقَالَ : الأول أصح . وَهُوَ الَّذِي ذكره البُخَارِيّ . قلت : وَبِه جزم النوويُّ فِي شرح مُسلم وَعبد الْحق فِي جمعه .
تَنْبِيه ثَان : هَذَا الحَدِيث استدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ عَلَى أَن سُجُود التِّلَاوَة لَيْسَ بِوَاجِب ، وَهُوَ يتم إِذا ثَبت أَن سَجدَات الْمفصل من عزائم السُّجُود ، وَمذهب زيد بن ثَابت عَلَى مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم أَنه لَا سُجُود فِي الْمفصل .