الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولَى من الْوتر بـ سبح
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ عَن عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قَالَت : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يقْرَأ فِي الرَّكْعَة الأولَى من الْوتر بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) وَفِي الثَّانِيَة بـ ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) وَفِي الثَّالِثَة بـ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾) والمعوذتين . هَذَا الحَدِيث حسن ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من رِوَايَة ابْن جريج عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِهِ . قَالَ التِّرْمِذِيّ : حَدِيث حسن غَرِيب .
قَالَ ابْن الْقطَّان : وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ ؛ لِأَن فِي إِسْنَاده خصيف بن عبد الرَّحْمَن الْجَزرِي ؛ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَن عبد الْعَزِيز بن جريج قَالَ : سَأَلنَا عَائِشَة . الحَدِيث ، وَحفظ خصيف رَدِيء . فقد زعم قوم أَنه لم يسمع (مِنْهَا) قَالَه أَحْمد بن عبد الله بن صَالح الْكُوفِي ، وَلَو جَاءَ قَوْله : سَأَلنَا عَائِشَة عَن غير خصيف مِمَّن يوثق بِهِ صَحَّ سَمَاعه مِنْهَا (فَأَنَّى لَهُ ذَلِك فَإِنَّهُ أَعنِي :) عبد الْعَزِيز - لَا يُتَابع عَلَى حَدِيثه كَمَا قَالَ البُخَارِيّ .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَرَوَاهُ يَحْيَى بن سعيد الْأنْصَارِيّ ، عَن عمْرَة عَن عَائِشَة مَرْفُوعا . قلت : رَوَاهُ من هَذَا الْوَجْه الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من رِوَايَة سعيد بن عفير وَابْن أبي مَرْيَم ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب ، عَن يَحْيَى بن سعيد ، عَن عمْرَة ، عَن عَائِشَة بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء . ثمَّ قَالَ : ذكر الْخَبَر الدَّال عَلَى أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يفصل (بالتسليمة) بَين الرَّكْعَتَيْنِ وَالثَّالِثَة .
ثمَّ أخرج من طَرِيق ابْن عفير إِلَيْهَا أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يقْرَأ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتر بعدهمَا بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) و ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) وَيقْرَأ فِي الْوتر بـ ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾) و ( ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾) و ( ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾) . وَلما أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث سعيد بن عفير ، عَن يَحْيَى بِهِ ، وَمن حَدِيث سعيد بن أبي مَرْيَم عَن يَحْيَى بِهِ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَسَعِيد بن عفير إِمَام أهل مصر بِلَا مدافعة ، وَقد (أَتَى بِالْحَدِيثِ مُفَسرًا دَالا عَلَى أَن الرَّكْعَة الَّتِي هِيَ الْوتر ثَانِيَة غير الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قبلهَا هَذَا مَا ذكره) الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي بَاب صَلَاة الْوتر ، وَقَالَ فِي كتاب التَّفْسِير مِنْهُ فِي تَفْسِير سُورَة سبح بعد أَن أخرجه من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب أَيْضا بِاللَّفْظِ السالف - : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلم يخرجَاهُ هَكَذَا ؛ إِنَّمَا أخرجه البُخَارِيّ وَحده عَن ابْن أبي مَرْيَم .
قلت : لم يُخرجهُ البُخَارِيّ من هَذِه الطَّرِيق وَلَا من غَيره . وَقَالَ الْحَاكِم : وَإِنَّمَا تعرف هَذِه الزِّيَادَة من حَدِيث يَحْيَى بن أَيُّوب فَقَط . وَقَالَ : وَقد رُوِيَ بِإِسْنَاد آخر صَحِيح .
فَذكره من حَدِيث ابْن جريج كَمَا سلف أَولا ، ثمَّ قَالَ : قد أَتَى [ بهَا ] إِمَام أهل مصر فِي الحَدِيث وَالرِّوَايَة (سعيد) بن عفير ، عَن يَحْيَى بن أَيُّوب بِهَذَا الحَدِيث ، وطلبته وَقت إملائي كتاب الْوتر فَلم أَجِدهُ ، ثمَّ وجدته بعد . فَذكره بِإِسْنَادِهِ السالف . قلت : قد وجده هُنَاكَ وَأخرجه كَمَا سقناه عَنهُ .
وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَالح . وَقَالَ فِي مَوضِع آخر : إِن حَدِيث أُبيّ وَابْن عَبَّاس - يَعْنِي : بِإِسْقَاط المعوذتين - أصح مِنْهُ وَأولَى . قَالَ : وَهُوَ شَبيه بالمرسل عَن عَائِشَة ؛ للشَّكّ فِي لِقَائِه عَائِشَة - يَعْنِي : (ابْن) جريج .
وَتَبعهُ عبد الْحق فِي أَحْكَامه فَقَالَ : حَدِيث أبيّ أصح إِسْنَادًا من حَدِيث عَائِشَة . قَالَ ابْن الْقطَّان وَهُوَ كَمَا ذكر . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ لما ذكره فِي تَحْقِيقه من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث يَحْيَى ابن أَيُّوب أتبعه بِأَن قَالَ : وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن سَلمَة .
قَالَ : والطريقان لَا يصحان ؛ (فَإِن) يَحْيَى بن أَيُّوب لَا يحْتَج بِهِ (قَالَه) أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : وَمُحَمّد بن سَلمَة ضَعِيف . وَقد أنكر يَحْيَى بن معِين وَأحمد زِيَادَة المعوذتين . هَذَا مَا ذكره ، فَأَما تَضْعِيف الحَدِيث بِيَحْيَى فَهُوَ مَسْبُوق بِهِ ، قَالَ الْأَثْرَم : سَمِعت أَبَا عبد الله يسْأَل عَن يَحْيَى بن أَيُّوب الْمصْرِيّ ، فَقَالَ : كَانَ يحدث من حفظه ، وَكَانَ لَا بَأْس بِهِ ، وَكَانَ كثير الْوَهم فِي حفظه .
فَذكرت لَهُ من حَدِيثه هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : هَا من يحْتَمل هَذَا ؟ ! وَقَالَ مرّة : كم قد رَوَى هَذَا (الحَدِيث) عَن عَائِشَة من النَّاس لَيْسَ فِيهِ هَذَا . وَأنكر حَدِيث يَحْيَى خَاصَّة . قلت : لم ينْفَرد بِهِ عَنْهَا ؛ فقد أخرجه هُوَ فِي مُسْنده من حَدِيث خصيف ، عَن عبد الْعَزِيز عَنْهَا .
ثمَّ يَحْيَى بن أَيُّوب من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان ، وَقد صحّح حَدِيثه (هَذَا) ابْن حبَان وَالْحَاكِم - كَمَا سلف . وَأما (قَول) ابْن الْجَوْزِيّ : وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث مُحَمَّد بن سَلمَة فَلم أره فِي (سنَنه) . وَلَعَلَّه أَرَادَ التِّرْمِذِيّ ، فَسبق الْقَلَم (إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ ، وَأما تَضْعِيف مُحَمَّد بن سَلمَة فغلط ؛ فقد صدقه أَحْمد وَغَيره ، وَأخرج لَهُ مُسلم فِي صَحِيحه وَحسن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه كَمَا مَضَى ، وَمِمَّا يتَبَيَّن بِهِ غلطه أَنه فِي كتاب) الضُّعَفَاء (ذكر) مُحَمَّد ابن سَلمَة الْحَضْرَمِيّ و(الْبنانِيّ ) وَضعفهمَا ، ثمَّ قَالَ : وَجُمْلَة من (يَأْتِي) فِي الحَدِيث من اسْمه مُحَمَّد بن سَلمَة أَرْبَعَة عشر رجلا لَا يعرف قدحًا فِي غير هذَيْن .
انْتَهَى . وَمُحَمّد بن سَلمَة هَذَا لَيْسَ وَاحِدًا مِنْهُمَا ؛ فَتنبه لذَلِك . تَنْبِيهَات : أَحدهَا : هَذَا الحَدِيث مَعَ شهرته أوردهُ الْغَزالِيّ فِي وسيطه بِعِبَارَة لَا تلِيق بِهِ ؛ فَقَالَ فِي وسيطه : قيل إِن عَائِشَة رَوَت ذَلِك .
وَعبارَة شَيْخه - إِمَام الْحَرَمَيْنِ - : رَأَيْت فِي كتاب مُعْتَمد أَن عَائِشَة رَوَت ذَلِكَ . وَلَا يخْفَى مَا فِيهَا من مثله . ثَانِيهَا : أورد ابْن السكن فِي صحاحه من حَدِيث عبد الله بن سرجس مثل حَدِيث عَائِشَة ، وَكَأَنَّهُ غَرِيب (نعم) هُوَ (يُروى) من حَدِيث أبيّ بن كَعْب وَابْن عَبَّاس وَعبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى ، عَن أَبِيه ، لَكِن بِدُونِ ذكر المعوذتين .
أما حَدِيث أبيّ (فَرَوَاهُ) أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه فِي سُنَنهمْ (و) أَبُو حَاتِم بن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحَيْهِمَا بِلَفْظ أَحْمد أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يقْرَأ فِي الْوتر : ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) و ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) و ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾) فَإِذا سلم قَالَ : سُبْحَانَ الْملك القدوس - ثَلَاث (مرار) . وَلَفظ البَاقِينَ خلا النَّسَائِيّ : كَانَ يُوتر بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) و ( قل للَّذين كفرُوا ) والله الْوَاحِد الصَّمد زَاد ابْن حبَان مَا ذكره أَحْمد آخرا . وَلَفظ النَّسَائِيّ : كَانَ يُوتر بِثَلَاث رَكْعَات ، يقْرَأ فِي الأولَى بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) وَفِي (الثَّانِيَة) بـ ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) وَفِي الثَّالِثَة : ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾) ويقنت قبل الرُّكُوع وَفِي رِوَايَة لَهُ : كَانَ يُوتر بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) و ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) و ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾) و (كَانَ يَقُول : (سُبْحَانَ الْملك) القدوس - ثَلَاثًا - وَيرْفَع بالثالثة .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَلم يذكر) : وَكَانَ يَقُول : سُبْحَانَ الْملك القدوس . (إِلَخ) . وَلما (خرجه) الْحَاكِم فِي كتاب التَّفْسِير من مُسْتَدْركه (قَالَ) : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد .
وَفِيه نظر ؛ فَفِي إِسْنَاده من طَرِيقه مُحَمَّد بن أنس (الرَّازِيّ ) وَقد تفرد بمناكير ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَأما حَدِيث ابْن عَبَّاس فَرَوَاهُ أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح (عَنهُ) أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يقْرَأ فِي الْوتر بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) و ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) و ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾فِي رَكْعَة رَكْعَة . وَلَفظ أَحْمد : كَانَ يُوتر بِثَلَاث بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) و ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) و ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾) .
وَأما حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى ، عَن أَبِيه ؛ فَرَوَاهُ أَحْمد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد بِلَفْظ : كَانَ يقْرَأ فِي الْوتر بـ ( ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾) و ( قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ) و ( ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾) زَاد أَحْمد : وَإِذا أَرَادَ أَن ينْصَرف من الْوتر قَالَ : سُبْحَانَ الْملك القدوس - ثَلَاث مَرَّات - ثمَّ يرفع صَوته فِي الثَّالِثَة . قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس : وَفِي الْبَاب عَن عليّ وَعَائِشَة وَعبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى (عَن) أبيّ بن كَعْب ، وَرُوِيَ عَن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . وَقَالَ (المعمري) (أَيْضا) : وَرَوَاهُ أَيْضا عمرَان بن حُصَيْن وَابْن مَسْعُود وَأَبُو أُمَامَة وَجَابِر عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .