الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ قدمُوا قُريْشًا
الحَدِيث الْحَادِي بعد الثَّلَاثِينَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : قدمُوا قُريْشًا . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن ابْن أبي فديك ، عَن ابْن أبي ذِئْب ، عَن ابْن شهَاب ، أَنه بلغه أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : قدمُوا قُريْشًا وَلَا (تقدموها) وتعلموا مِنْهَا وَلَا تعالموها - أَو تعلموها شكّ ابْن أبي فديك . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه من حَدِيث إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ، أَنا عبد الرَّزَّاق ، أَنا معمر ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن ابْن أبي حثْمَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا تُعلموا قُريْشًا وتعلموا مِنْهَا ، وَلَا تقدمُوا قُريْشًا وَلَا تَأَخَّرُوا عَنْهَا ؛ فَإِن للقرشي مثل قُوَّة الرجلَيْن من غَيرهم - يَعْنِي فِي الرَّأْي .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا مُرْسل ، قَالَ : و(يرْوَى) مَوْصُولا وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ . قَالَ ابْن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى الْوَسِيط : وَهَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ مُرْسلا جيدا لَا يبلغ دَرَجَة الصَّحِيح . قلت : وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه من حَدِيث أبي معشر ، عَن سعيد المَقْبُري ، عَن السَّائِب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : قدمُوا قُريْشًا وَلَا (تقدموها) ، وتعلموا من قُرَيْش وَلَا تعلموها وَأَبُو معشر (نجيح ) هَذَا هُوَ السندي مُنكر الحَدِيث كَمَا (قَالَه) البُخَارِيّ .
وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ مثله من رِوَايَة عَلّي بن أبي طَالب مَرْفُوعا ، وَفِي إِسْنَاده عَلّي بن الْفضل وَقد تَرَكُوهُ . وَمن رِوَايَة جُبَير بن مطعم مَرْفُوعا ، وَفِي إِسْنَاده إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن ثَابت وَهُوَ ذُو مَنَاكِير ، وَاحْتج الْبَيْهَقِيّ وَغَيره فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَهِي تَقْدِيم (النّسيب) بِالْحَدِيثِ الثَّابِت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة (أَن رَسُول) الله صلى الله عليه وسلم (قَالَ : النَّاس (تبع لقريش) فِي هَذَا الشَّأْن ، مسلمهم (تبع) لمسلمهم ، وكافرهم (تبع) لكافرهم وَهَذَا الحَدِيث وَإِن كَانَ (واردًا) فِي الْخلَافَة (فيستنبط) مِنْهُ إِمَامَة الصَّلَاة . تَنْبِيه : قَالَ الرَّافِعِيّ : حَكَى الْأَصْحَاب عَن بعض مُتَقَدِّمي الْعلمَاء أَنهم قَالُوا عِنْد التَّسَاوِي فِي جَمِيع الْخِصَال مَعَ نظافة الثَّوْب وَحسن الصَّوْت أَنه يقدم أحْسنهم وَاخْتلفُوا فِي مَعْنَاهُ ، فَمنهمْ من قَالَ : (أحْسنهم) وَجها .
وَمِنْهُم من قَالَ : (أحْسنهم) ذكرا بَين النَّاس . هَذَا كَلَامه ، وَيُؤَيّد الأول أَنه ورد مُصَرحًا بِهِ فِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي زيد عَمْرو بن أَخطب أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يؤمهم أقرؤهم ، فَإِن اسْتَووا فِي الْقِرَاءَة فأكبرهم سنًّا ، فَإِن اسْتَووا فأحسنهم وَجها وَأَشَارَ الْبَيْهَقِيّ إِلَى تَضْعِيفه ، فَإِنَّهُ قَالَ : من قَالَ يؤمهم أحْسنهم وَجها إِن صَحَّ (الْخَبَر) . وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَذكره فِي مَوْضُوعَاته وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث مَوْضُوع .
وَنقل عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ : هَذَا حَدِيث سوء لَيْسَ بِصَحِيح . (وَذكر) الْمَاوَرْدِيّ بعد أَن حَكَاهُ وَجها للأصحاب من حَدِيث إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة رفعته : يؤمكم أحسنكم وَجها ؛ فَإِنَّهُ أَحْرَى أَن يكون أحسنكم خلقا وَهَذِه طَريقَة جَيِّدَة . وَقَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب : هَذَانِ التفسيران لِأَصْحَابِنَا - يَعْنِي فِي قَوْله : (أحْسنهم) وَجها وَصحح الثَّانِي .
وَحَكَى الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَجها أَنه يقدم الْأَحْسَن وَجها عَلَى الأورع وَالْأَكْثَر طَاعَة ، وَهُوَ غلط . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب : يُنكر (عَلَى) الْأَصْحَاب حَيْثُ نقلوا هَذَا عَن بعض الْعلمَاء مَعَ أَنه ورد فِي حَدِيث مَرْفُوع فِي الْبَيْهَقِيّ (فَذكره) وَأَشَارَ إِلَى ضعفه . قلت : لَعَلَّهُم أَعرضُوا عَنهُ لضَعْفه الشَّديد ، ثمَّ إِن الْمَاوَرْدِيّ قد ذكره وَهُوَ من جلتهم .