الحَدِيث السَّادِس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَقَامَ بتبوك عشْرين يَوْمًا يقصر الصَّلَاة
الحَدِيث السَّادِس أَنه عَلَيْهِ السَّلَام أَقَامَ بتبوك عشْرين يَوْمًا (يقصر الصَّلَاة) . هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد عَنهُ عَن عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن يَحْيَى - هُوَ ابْن أبي كثير - عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن ثَوْبَان ، عَن جَابر قَالَ : أَقَامَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بتبوك عشْرين يَوْمًا يقصر الصَّلَاة . قَالَ أَبُو دَاوُد : غير معمر لَا يسْندهُ .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : تفرد معمر بروايته مُسْندًا وَرَوَاهُ عَلّي بن الْمُبَارك وَغَيره عَن يَحْيَى ، عَن ( ابْن) ثَوْبَان ، عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ( مُرْسلا ) وَرُوِيَ عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أنس وَقَالَ : بضع عشرَة وَلَا أرَاهُ مَحْفُوظًا . وَأما أَبُو حَاتِم بن حبَان فَأخْرجهُ فِي صَحِيحه من طَرِيقه ، وَمعمر إِمَام مجمع عَلَى جلالته فَلَا يضر تفرده بِهِ . وَقَالَ ( أَبُو مُحَمَّد) بن حزم : مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن ثِقَة وَبَاقِي (رُوَاة) الْخَبَر أشهر من أَن يسْأَل عَنْهُم .
قلت : وَمُحَمّد قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ : هُوَ من التَّابِعين لَا يسْأَل عَن (مثله) . وَهُوَ من رجال الصَّحِيحَيْنِ . وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي خلاصته : هَذَا الحَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ وَلَا يقْدَح فِيهِ تفرد معمر ؛ فَإِنَّهُ ثِقَة حَافظ (فزيادته) مَقْبُولَة .
وَكَذَا قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب : رِوَايَة الْمسند تفرد بهَا معمر بن رَاشد وَهُوَ إِمَام مجمع عَلَى جلالته ، وَبَاقِي الْإِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ ، فَالْحَدِيث إِذن صَحِيح ؛ لِأَن الصَّحِيح أَنه إِذا تعَارض فِي الحَدِيث إرْسَال وَإسْنَاد حُكِمَ (بالمسند) . قلت : وَرُوِيَ من طَرِيق عَن جَابر بِلَفْظ بضع عشرَة رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي إِسْحَاق - يَعْنِي الْفَزارِيّ - عَن [ أبي ] أنيسَة ، عَن أبي الزبير ، عَن جَابر قَالَ : غزوت مَعَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَزْوَة تَبُوك فَأَقَامَ بهَا بضع عشرَة فَلم يزدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعَ . وَرِوَايَة يَحْيَى عَن أنس الَّتِي أسلفناها عَن الْبَيْهَقِيّ ذكرهَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله إِذْ فِيهَا : أَنه سُئِلَ عَن حَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أنس أَقَامَ (عَلَيْهِ السَّلَام) بتبوك عشْرين يَوْمًا يُصَلِّي صَلَاة الْمُسَافِر فَقَالَ : يرويهِ الْأَوْزَاعِيّ وَاخْتلف عَنهُ فَرَوَاهُ (عَمْرو) بن عُثْمَان (الْكلابِي) ، عَن يُونُس ، عَن الْأَوْزَاعِيّ مَرْفُوعا .
وَالصَّحِيح : عَن الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى أَن أنسا كَانَ يفعل ذَلِك غير مَرْفُوع . فَائِدَة : تَبُوك - بِفَتْح التَّاء - بَلْدَة مَعْرُوفَة (بطرق الشَّام) بَينهَا وَبَين دمشق إِحْدَى عشرَة مرحلة وَكَانَت فِي (سنة) تسع من الْهِجْرَة ، وَهِي من (آخر) غَزَوَاته بِنَفسِهِ (وَأقَام) عَلَيْهِ السَّلَام بهَا بضعَة عشر يَوْمًا ، وَالْمَشْهُور ترك صرف تَبُوك للتأنيث والعلمية ، وَوَقع فِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي حَدِيث كَعْب فِي (أَوَاخِر) صَحِيح البُخَارِيّ عَن كَعْب ، وَلم (يدْرك) رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - حَتَّى بلغ تَبُوكا - كَذَا هُوَ بِالْألف فِي جَمِيع النّسخ - تَغْلِيبًا للموضع ، وَبَين تَبُوك ومدينة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَربع عشرَة مرحلة ، قَالَه كُله النَّوَوِيّ فِي تهذيبه . وَقَالَ ابْن (معن) فِي تنقيبه : بَينهَا ثَلَاث عشرَة مرحلة .
قَالَ : و(هُوَ) مَوضِع بَين وَادي (الْقرى) وَالشَّام . قَالَ : وَقيل : تَبُوك اسْم لبركة لبني سعد بن عزْرَة سميت تَبُوكا ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لما بلغه أَن هِرقل جمع جموعًا ورزق أَصْحَابه لعام ، وَخرج مَعَه جذام ولخم وغسان وَوصل أوائلهم إِلَى البلقاء خرج عَلَيْهِ السَّلَام (وَسَار) حَتَّى وصل إِلَى هَذَا الْمَكَان (فَرَأَى) أَصْحَابه يحفرون الْبركَة فَقَالَ (لَهُم) : (تبوكونها) - أَي تحفرونها - ثمَّ غرز عنزته فِيهَا ثَلَاث دفعات (فَجَاشَتْ ثَلَاث عُيُون) وَهِي (إِلَى) الْآن كَذَلِك (فسميت تَبُوك) لقَوْله : (تبوكونها) ثمَّ أَقَامَ بهَا عشْرين لَيْلَة وَكَانَت فِي ثَلَاثِينَ ألفا من الْمُسلمين وَعشرَة آلَاف (فرس) ، وَكَانَ هِرقل بحمص فَبعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خَالِد بن الْوَلِيد إِلَيْهِ (وَقَالَ) فِي كتاب السّير من هَذَا الْكتاب : قيل : إِن تَبُوك هِيَ مَدِينَة أَصْحَاب الأيكة الَّذين بعث إِلَيْهِم شُعَيْب . قَالَ ابْن دحْيَة فِي خَصَائِص أَعْضَاء سيدنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : وعدة من حضرها سَبْعُونَ ألفا فِيمَا رَوَى الثِّقَات .
ثمَّ عزا رِوَايَة ثَلَاثِينَ ألفا إِلَى (رِوَايَة) (الْوَاقِدِيّ) فَقَالَ : وَذكر (الْوَاقِدِيّ) بِسَنَدِهِ إِلَى زيد بن ثَابت ثَلَاثُونَ ألفا و(الْوَاقِدِيّ) كَذَّاب (قَالَه) أَحْمد ، وَزَاد النَّسَائِيّ وضَّاع .