الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين كَانَ يخْطب مُسْتَندا إِلَى جذع فِي الْمَسْجِد
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْعشْرين أَنه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ (كَانَ يخْطب مُسْتَندا إِلَى جذع فِي الْمَسْجِد ، ثمَّ صنع لَهُ الْمِنْبَر) (فَكَانَ) يخْطب عَلَيْهِ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح مَرْوِيّ من طرق : مِنْهَا : حَدِيث سهل بن سعد رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : أرسل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى امْرَأَة من الْأَنْصَار أَن مري غلامك النجار يعْمل لي (أعوادًا) أكلم النَّاس عَلَيْهَا . فَعمل هَذِه الثَّلَاث (دَرَجَات) ، ثمَّ أَمر بهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوضعت هَذَا الْموضع ، وَلَقَد رَأَيْت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَامَ عَلَيْهِ فَكبر وَكبر النَّاس وَرَاءه وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَر ، ثمَّ رفع فَنزل الْقَهْقَرَى حَتَّى سجد فِي أصل الْمِنْبَر ، ثمَّ عَاد حَتَّى فرغ من صلَاته ، ثمَّ أقبل عَلَى النَّاس فَقَالَ : يَا أَيهَا النَّاس ، إِنَّمَا فعلت هَذَا لتأتموا بِي ولتعلموا صَلَاتي رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم .
وَمِنْهَا حَدِيث جَابر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ جذع يقوم إِلَيْهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَلَمَّا وضع لَهُ الْمِنْبَر سمعنَا للجذع مثل أصوات العشار حَتَّى نزل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَوضع يَده عَلَيْهِ رَوَاهُ البُخَارِيّ . وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد فِي مُسْنده فَأن الْجذع الَّذِي كَانَ يقوم عَلَيْهِ كَمَا يَئِن الصَّبِي ، فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : إِن هَذَا بَكَى لما فقد من الذّكر وَفِي رِوَايَة لَهُ : فاضطربت تِلْكَ السارية كحنين النَّاقة حَتَّى سَمعهَا أهل الْمَسْجِد حَتَّى نزل إِلَيْهَا فاعتنقها فسكنت . وَمِنْهَا : حَدِيث ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخْطب إِلَى جذع ، فَلَمَّا اتخذ الْمِنْبَر تحول إِلَيْهِ ، فحنَّ الْجذع فَأَتَاهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فمسحه .
وَفِي رِوَايَة : الْتَزمهُ . رَوَاهُ البُخَارِيّ أَيْضا ، وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : فخار الْجذع كَمَا تخور الْبَقَرَة جزعًا عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . فَالْتَزمهُ ومسحه حَتَّى سكن .
وَمِنْهَا : حَدِيث ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخْطب إِلَى جذع قبل أَن يتَّخذ الْمِنْبَر ، فَلَمَّا اتخذ الْمِنْبَر وتحول إِلَيْهِ حنَّ إِلَيْهِ ، فَأَتَاهُ فَاحْتَضَنَهُ فسكن (ثمَّ) قَالَ : لَو لم (أحتضنه) لحن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن (عَفَّان) ، نَا حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن عمار بن أبي عمار عَنهُ (بِهِ) وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي (دَلَائِل النُّبُوَّة) من هَذَا الْوَجْه . وَمِنْهَا : حَدِيث أبي بن كَعْب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُصَلِّي إِلَى جذع إِذْ كَانَ الْمَسْجِد عَرِيشًا ، وَكَانَ يخْطب إِلَى ذَلِك الْجذع ، فَقَالَ رجل من أَصْحَابه : يَا رَسُول الله ، هَل لَك أَن نجْعَل شَيْئا تقوم عَلَيْهِ يَوْم الْجُمُعَة حَتَّى يراك (النَّاس) وتُسمعهم خطبتك ؟ قَالَ : نعم . فَصنعَ لَهُ ثَلَاث دَرَجَات اللائي عَلَى الْمِنْبَر ، فَلَمَّا صنع الْمِنْبَر وَوضع فِي مَوْضِعه الَّذِي وَضعه فِيهِ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، فَلَمَّا أَرَادَ أَن يَأْتِي الْمِنْبَر مرَّ عَلَيْهِ ، (فَلَمَّا) جاوزه خار الْجذع حَتَّى تصدع وَانْشَقَّ ، فَرجع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فمسحه (بِيَدِهِ) حَتَّى سكن ، ثمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَر وَكَانَ إِذا صَلَّى (صَلَّى) إِلَيْهِ ، فَلَمَّا هدم الْمَسْجِد وغُيِّر ، أَخذ ذَلِك الْجذع أبي بن كَعْب (فَكَانَ) عِنْده حَتَّى بلي وأكلته الأرضة وَعَاد رفاتًا .
رَوَاهُ أَحْمد هَكَذَا فِي مُسْنده . فَائِدَة : الْمَرْأَة المبهمة فِي حَدِيث سهل بن سعد قَالَ الْخَطِيب : لَا أعلم أحدا سَمَّاهَا . وَهُوَ كَمَا قَالَ فَلم أَقف عَلَيْهِ .
وَأما صانع الْمِنْبَر فَتحصل لي فِيهِ أَقْوَال نَحْو الْعشْرَة - فاستفدها فَإِنَّهَا تَسَاوِي رحْلَة - : أَحدهَا : أَنه (تَمِيم) الدَّارِيّ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابْن عمر أَنه الَّذِي اتخذ الْمِنْبَر لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . ثَانِيهَا : ميناء غُلَام الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب ، حَكَاهُ ابْن النجار فِي كِتَابه (الدُّرة) الثمينة فِي أَخْبَار الْمَدِينَة . ثَالِثهَا : أَنه (صباح) مولَى الْعَبَّاس ، حَكَاهُ أَيْضا فِي الْكتاب الْمَذْكُور عَن عمر بن عبد الْعَزِيز رَحِمَهُ اللَّهُ .
رَابِعهَا : باقوم - بِالْمِيم فِي آخِره ، وَقيل بِاللَّامِ - الرُّومِي مَوْلى سعيد بن الْعَاصِ ، أخرجه أَبُو نعيم وَابْن مَنْدَه وَأَبُو (عمر) فِي معرفَة الصَّحَابَة . وَقَالَ ابْن مَنْدَه : إِسْنَاده لَيْسَ بالقائم . خَامِسهَا : إِبْرَاهِيم ، وَبِه جزم ابْن الْأَثِير فِي أُسد الغابة فَقَالَ : إِبْرَاهِيم النجار الَّذِي صنع الْمِنْبَر لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
ثمَّ قَالَ فِي آخِره : أخرجه أَبُو مُوسَى . سادسها : مَيْمُون النجار ، كَذَا فِي فَوَائِد قَاسم بن أصبغ . سابعها : أَن صانعه مولَى الْعَاصِ بن أُميَّة .
ثامنها : أَنه (قبيصَة) المَخْزُومِي (من أثلة) كَانَت قريبَة من الْمَسْجِد ، حَكَاهُ ابْن بشكوال . وَفِي كتاب ابْن زبالة (قَول) : أَنه غُلَام لرجل من بني مَخْزُوم ، وَفِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير قَالَ عَبَّاس بن سهل بن سعد : فَذهب أبي (فَقطع) عيدَان الْمِنْبَر من الغابة فَلَا أَدْرِي عَملهَا أبي أَو استعملها . وَفِيه من حَدِيث سهل بن سعد أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لخالٍ لَهُ من الْأَنْصَار : اخْرُج إِلَى الغابة (وائتني) من خشبها فاعمل لي منبرًا أكلم النَّاس عَلَيْهِ .
فَعمل لَهُ منبرًا (لَهُ) عتبتان وَجلسَ عَلَيْهِمَا . فَائِدَة : كَانَ اتِّخَاذه سنة ثَمَان كَمَا قَالَه ابْن النجار . وَذكر الرَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَن منبره عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ عَلَى يَمِين (الْقبْلَة) وَلَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا مرية .