الحَدِيث السِّتُّونَ اجْلِسْ فقد آذيت
الحَدِيث السِّتُّونَ قَالَ الرَّافِعِيّ : وَمن مندوبات الْجُمُعَة أَن يحْتَرز عَن تخطي رِقَاب النَّاس إِذا حضر الْمَسْجِد ؛ فقد ورد الْخَبَر بذلك . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَقد صَحَّ ذَلِك فِي حديثين : أَحدهمَا : عَن أبي الزَّاهِرِيَّة - واسْمه حدير بن كريب الْحَضْرَمِيّ ، وَيُقَال : الْحِمْيَرِي - قَالَ : كُنَّا مَعَ عبد الله بن بسر صَاحب النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْجُمُعَة ، فجَاء رجل يتخطى رِقَاب النَّاس (فَقَالَ عبد الله بن بسر : جَاءَ رجل يتخطى رِقَاب النَّاس يَوْم الْجُمُعَة) وَالنَّبِيّ - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يخْطب ، فَقَالَ لَهُ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : اجْلِسْ فقد آذيت . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد : بِإِسْنَاد عَلَى شَرط مُسلم كل رِجَاله احْتج بهم فِي صَحِيحه .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضا بِإِسْنَاد كل رِجَاله ثِقَات لَا نعلم فيهم جرحا ، لَا جرم أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه واستدركه (الْحَاكِم) بِزِيَادَة : فقد آذيت وآنيت . وَهَذَا لفظ ابْن حبَان : عَن عبد الله بن بسر قَالَ : كنت جَالِسا إِلَى جنب الْمِنْبَر يَوْم الْجُمُعَة ، فجَاء رجل يتخطى رِقَاب النَّاس وَرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يخْطب فَقَالَ) : اجْلِسْ فقد آذيت وآنيت . وَلَفظ الْحَاكِم عَن أبي الزَّاهِرِيَّة قَالَ : كنت جَالِسا مَعَ عبد الله بن بسر يَوْم الْجُمُعَة فَمَا زَالَ يحدثنا حَتَّى خرج الإِمَام ، فجَاء رجل يتخطى .
الحَدِيث ، كَمَا سَاقه ابْن حبَان سَوَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَلم يخرجَاهُ . وَكَذَا أخرجه أَحْمد وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ ، وَأما ابْن حزم فَخَالف فِي تَصْحِيحه ، فَقَالَ فِي محلاه : وَاحْتج من (منع) بِخَبَر ضَعِيف ، (رَوَيْنَاهُ) من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح ، عَن أبي الزَّاهِرِيَّة . فَذكره ، ثمَّ قَالَ : لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من طَرِيق مُعَاوِيَة بن صَالح ، لم يروه غَيره وَهُوَ ضَعِيف .
انْتَهَى . وَمُعَاوِيَة هَذَا قَاضِي الأندلس ، وَثَّقَهُ أَحْمد وَابْن مهْدي ، وَقَالَ ابْن سعد : ثِقَة كثير الحَدِيث . وَقَالَ الْعجلِيّ وَالنَّسَائِيّ : ثِقَة .
وَقَالَ أَبُو زرْعَة : ثِقَة مُحدث . وَكَانَ يَحْيَى بن سعيد لَا يرضاه ، وَعَن مُوسَى بن سَلمَة قَالَ : أتيت مُعَاوِيَة بن صَالح لأكتب عَنهُ فَرَأَيْت - أرَاهُ قَالَ - الملاهي : فَقلت : مَا هَذَا ؟ قَالَ : شَيْء (نهديه) صَاحب الأندلس . قَالَ : فتركته ، وَلم أكتب عَنهُ .
فَإِن كَانَ ابْن حزم تَركه لهَذَا ، فَتكون الملاهي عِنْده مُحرمَة ، ومذهبه عَلَى مَا هُوَ مَنْقُول عَنهُ الْإِبَاحَة . فَائِدَة : آنيت ، بِهَمْزَة ممدودة أَي : تَأَخَّرت وأبطأت . قَالَه ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامعه وَالنَّوَوِيّ فِي خلاصته ، وَالْمُنْذِرِي فِي حَوَاشِيه قَالَ : وَمِنْه (قيل) : (المستمكث) فِي الْأُمُور متأنٍّ .
قَالَ : (وآنيت) وأنيت بِمَعْنى وَاحِد . وَوَقع فِي الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير : آذيت وأوذيت . كَذَا رَأَيْته .
الحَدِيث الثَّانِي : عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : يحضر الْجُمُعَة ثَلَاثَة نفر : رجل حضرها يَلْغُو وَهُوَ حَظه مِنْهَا ، وَرجل حضرها يَدْعُو فَهُوَ رجل دَعَا الله - عَزَّ وَجَلَّ - إِن (شَاءَ) أعطَاهُ وَإِن (شَاءَ) مَنعه ، وَرجل حضرها بإنصات وَسُكُون وَلم يتخط رَقَبَة مُسلم ، وَلم يؤذ أحدا فَهِيَ كَفَّارَة إِلَى الْجُمُعَة الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَة ثَلَاثَة أَيَّام ، وَذَلِكَ بِأَن الله - تَعَالَى - يَقُول : (من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا ) رَوَاهُ ( . .) بِإِسْنَاد صَحِيح ، وَأما حَدِيث معَاذ بن أنس مَرْفُوعا : من تخطى (رِقَاب) النَّاس يَوْم الْجُمُعَة اتخذ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّم . فَرَوَاهُ (أَبُو دَاوُد) وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : غَرِيب (لَا نعرفه) إِلَّا من (حَدِيث) رشدين وَهُوَ ضَعِيف . قلت : وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة عَن زبان بن فائد ، عَن سهل بن معَاذ عَنهُ بِهِ .