الحَدِيث الْعشْرُونَ كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة من كُرْسُف بيض
الحَدِيث الْعشْرُونَ أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة من كُرْسُف بيض ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة . هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، زَاد مُسلم : أما الْحلَّة فَإِنَّمَا يشْتَبه عَلَى النَّاس فِيهَا ، إِنَّمَا اشْتريت لَهُ ليكفن فِيهَا ، فَتركت وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض سحُولِيَّة ، فَأَخذهَا عبد الله بن أبي بكر فَقَالَ : لأحبسنها حَتَّى أكفن فِيهَا نَفسِي ثمَّ قَالَ : وَالله لَو رضيها الله - عَزَّ وَجَلَّ - لنَبيه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لكفنه فِيهَا فَبَاعَهَا وَتصدق بِثمنِهَا . وَفِي رِوَايَة لَهُ : أدرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي حلَّة يَمَانِية كَانَت لعبد الله بن أبي بكر ، ثمَّ نزعت عَنهُ وكفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب سحُولِيَّة يَمَانِية لَيْسَ فِيهَا عِمَامَة وَلَا قَمِيص .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : وَفِي رِوَايَة لَيست بمحفوظة فِي هَذَا الحَدِيث : وَنصب عَلَيْهِ اللَّبن . وَاعْلَم أَنه ورد فِي كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رِوَايَات مُخْتَلفَة وَهَذِه أَصَحهَا : فَمِنْهَا : عَن عَائِشَة : كفن عَلَيْهِ السَّلَام فِي ثَلَاثَة أَثوَاب ، أَحدهَا برد أَحْمَر . وَهُوَ مُخَالف لما فِي الصَّحِيح كَمَا سقناه آنِفا ، مَعَ أَن فِي سَنَده عبد الله بن بشر (بن نَبهَان) الرقي ، وَقد اخْتلف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ ، قَالَ الدَّارمِيّ : لَيْسَ بِذَاكَ .
وَوَثَّقَهُ ابْن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي الضُّعَفَاء والثِّقَات ، وَقَالَ ابْن عدي : أَحَادِيثه عِنْدِي مُسْتَقِيمَة . وَقَالَ أَبُو زرْعَة : لَا بَأْس بِهِ . وَمِنْهَا : عَن أبي هُرَيْرَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما كفن (زر) عَلَيْهِ (قَمِيصه) .
وَهُوَ حَدِيث مُنكر ؛ رَوَاهُ أَحْمد بن عبيد بن نَاصح ، عَن الْأَصْمَعِي ، عَن مُحَمَّد بن عون عَنهُ بِهِ ، وَأحمد هَذَا لَيْسَ بِحجَّة ، والأصمعي فِيهِ مقَال ، قَالَ (أَبُو) دَاوُد : صَدُوق . وَقَالَ ابْن معِين : لم يكن مِمَّن يكذب . وَقَالَ الْأَزْدِيّ : ضَعِيف .
وسَاق لَهُ هَذَا الحَدِيث . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي قطيفة حَمْرَاء . وَهُوَ بَاطِل ، رَوَاهُ ابْن عدي ، وَكَأن الرَّاوِي تصحف عَلَيْهِ دُفن بـ كُفِّن ، وَفِي سَنَده مُحَمَّد بن مُصعب القرقساني ، وَهُوَ مُخْتَلف فِي ضعفه ، وقبِلَهُ الإِمَام أَحْمد .
وَمِنْهَا : عَن (أبي) إِسْحَاق قَالَ : (سَأَلت) آل مُحَمَّد وَفِيهِمْ ابْن نَوْفَل : فِي أَي شَيْء كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَقَالُوا : فِي حلَّة حَمْرَاء ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيص ، وَجعل تَحت لحده سحق قطيفة كَانَت لَهُم . رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه عَن مُحَمَّد بن عبد الله (الْحَضْرَمِيّ) ، نَا أَبُو كريب ، نَا يَحْيَى بن آدم ، عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة ، عَن أبي إِسْحَاق بِهِ ، وَهَذَا إِسْنَاد جيد . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا من حَدِيث عبيد الله بن مُوسَى ، ثَنَا إِسْرَائِيل ، عَن أبي إِسْحَاق قَالَ : أتيت (حَلقَة) بني عبد الْمطلب فَسَأَلت أَشْيَاخهم : فِي كم كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالُوا : فِي ثَوْبَيْنِ أحمرين ، لَيْسَ فيهمَا قَمِيص .
وَهَذَا الْإِسْنَاد جيد أَيْضا ، لَكِن عبيد الله بن مُوسَى الْعَبْسِي كرهه بعض الْحفاظ لفرْط تشيعه ، وَإِسْرَائِيل وَثَّقَهُ أَحْمد وَالنَّاس ، لَكِن ضعفه ابْن الْمَدِينِيّ ، وَقَالَ يَعْقُوب بن شيبَة : فِي حَدِيثه لين . وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب نجرانية : الْحلَّة ، وقميصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه كَذَلِك ، وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ : كفن فِي ثَلَاثَة أَثوَاب : فِي قَمِيصه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، وحلة نجرانية .
الْحلَّة ثَوْبَان . وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف ؛ لأجل يزِيد بن (أبي) زِيَاد الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده فَإِنَّهُ تفرد بِهِ ، وَلَا يحْتَج بِهِ لضَعْفه ، لَا سِيمَا وَقد خَالف رِوَايَة الثِّقَات فِيهَا وَحَدِيث عَائِشَة الَّتِي نفت الْقَمِيص عَنهُ ، وَلَو صَحَّ فتأويله مَا سلف عَن عَائِشَة أَنَّهَا (اشترت) الْحلَّة (لَهُ) فَلم يُكفن فِيهَا ، قَالَ ابْن أبي صفرَة : قَول عَائِشَة : لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة يدل عَلَى أَن الْقَمِيص الَّذِي غسل فِيهِ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - نزع عَنهُ حِين كفن ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا قيل : لَا تنزعوا الْقَمِيص - أَي : فِي حَدِيث بُرَيْدَة السالف فِي الحَدِيث الْعَاشِر - (ليستره) وَلَا يكْشف جسده ، فَلَمَّا ستر بالكفن استغني عَن الْقَمِيص ، وَلَو لم ينْزع الْقَمِيص حِين كفن لخرج عَن حد الْوتر الَّذِي أَمر بِهِ عَلَيْهِ السَّلَام ، إشعارًا للتوحيد ، وَكَانَت تكون أَرْبَعَة بِالثَّوْبِ المبلول ، ويستبشع أَن يُكفن عَلَى قَمِيص مبلول . وَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَلِأَن فِيهِ إفسادًا للأكفان .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي خلافياته : هَذَا الحَدِيث لَا يَصح لأمور : مِنْهَا : ضعف يزِيد . وَمِنْهَا : أَن عَائِشَة أعلم بذلك . وَمِنْهَا : أَنَّهَا قد أخْبرت عَن سَبَب اشْتِبَاه ذَلِك - كَمَا تقدم - قَالَ الْحَاكِم : وَكَيف يجوز أَن يَصح مثل هَذَا الحَدِيث وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَار عَن عليٍّ وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَجَابِر وَعبد الله بن مُغفل وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فِي تكفين النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ثَلَاثَة أَثوَاب بيض لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلَا عِمَامَة .
وَمِنْهَا : عَن ابْن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثَوْبَيْنِ أبيضين ، وَفِي برد أَحْمَر . رَوَاهُ أَحْمد عَن الْحجَّاج ، حَدثنِي الحكم ، عَن مقسم ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ، وَالْحجاج هُوَ ابْن أَرْطَاة ، وَقد سلف حَاله ، وَالْحكم لم يسمع من مقسم إِلَّا أَرْبَعَة أَحَادِيث . وَمِنْهَا : عَن الْفضل بن عَبَّاس : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثَوْبَيْنِ سَحُولِيَّيْنِ .
رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث يَعْقُوب بن عَطاء ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس ، (عَن الْفضل بن عَبَّاس) وَيَعْقُوب هَذَا ضَعَّفُوهُ . وَمِنْهَا : عَن أبي هُرَيْرَة : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي ثوب نجراني و(ريطتين) . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه .
وَمِنْهَا : عَن عليٍّ : أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كفن فِي سَبْعَة أَثوَاب . رَوَاهُ الْبَزَّار من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن ابْن عقيل ، عَن مُحَمَّد ابْن الْحَنَفِيَّة ، عَن عليٍّ بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لَا نعلم أحدا تَابع ابْن عقيل عَلَى رِوَايَته هَذِه ، وَلَا (نعلم أحدا) رَوَاهُ عَن ابْن عقيل بِهَذَا الْإِسْنَاد إِلَّا حَمَّاد ، وَأعله ابْن طَاهِر فِي تَذكرته بِابْن عقيل ، وَهُوَ حَدِيث مُنكر ، وَإِن أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَلما أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عَائِشَة وَصَححهُ ، قَالَ : قد رُوِيَ فِي كفن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رِوَايَات مُخْتَلفَة ، وَحَدِيث عَائِشَة أصح الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي كَفنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .