الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين كبر عَلَى الْجِنَازَة أَكثر من أَربع
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْأَرْبَعين ثَبت أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر عَلَى الْجِنَازَة أَكثر من أَربع . هُوَ كَمَا قَالَ ، فَفِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى قَالَ : كَانَ زيد يكبر عَلَى جنائزنا أَرْبعا ، وَأَنه كبر عَلَى جَنَازَة خمْسا فَسَأَلته ، فَقَالَ : كَانَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يكبرها) . وَزيد هَذَا هُوَ ابْن أَرقم ، كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض الطّرق .
وَرَوَى أَحْمد عَن عبد الصَّمد ، ثَنَا عبد الْعَزِيز بن مُسلم ، ثَنَا يَحْيَى بن عبد الله الجابر ، عَن عِيسَى مولَى لِحُذَيْفَة أَنه صَلَّى عَلَى جَنَازَة فكبَّر خمْسا ، وَقَالَ : فعلت كَمَا فعل حُذَيْفَة . وَقَالَ حُذَيْفَة : فعلت كَمَا فعل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَحْيَى هَذَا ضعفه النَّسَائِيّ ، وَرَوَى ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب الْإِعْلَام بناسخ الحَدِيث ومنسوخه من حَدِيث الزبير بن الْعَوام أَنه عَلَيْهِ السَّلَام كبَّر عَلَى (حَمْزَة) سبع تَكْبِيرَات . وَمن حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ : حفظنا التَّكْبِير عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، قد كبَّر أَرْبعا وخمسًا وَسبعا ، فَمَا كبَّر إمامكم فكبروا .
وَقد جَاءَت الزِّيَادَة أَيْضا عَلَى الْأَرْبَع عَن بعض الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَعَن عَلّي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَنه كبر عَلَى سهل بن حنيف سِتا ، وَكَانَ شهد بَدْرًا . رَوَاهُ البرقاني فِي صَحِيحه وَأَصله فِي البُخَارِيّ لكنه قَالَ : يكبِّر عَلَيْهِ وَلم يذكر عددا . وَعنهُ أَيْضا أَنه كَانَ يكبر عَلَى أهل بدر سِتا ، وَعَلَى سَائِر الصَّحَابَة خمْسا ، وَعَلَى سَائِر النَّاس أَرْبعا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي سُنَنهمَا وَعنهُ أَيْضا : أَنه صَلَّى عَلَى أبي قَتَادَة فَكبر عَلَيْهِ سبعا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه ثمَّ قَالَ : هَكَذَا رَوَى ، وَهُوَ غلط ؛ لِأَن أَبَا قَتَادَة بَقِي بعد عَلّي مُدَّة طَوِيلَة .
وَأما ابْن عبد الْبر فَإِنَّهُ قَالَ فِي تمهيده : إِنَّه رُوِيَ من وُجُوه . وَنقل الكلاباذي عَن ابْن سعد عَن الْهَيْثَم بن عدي قَالَ : توفّي أَبُو قَتَادَة بِالْكُوفَةِ وَعلي بهَا ، وَهُوَ صَلَّى عَلَيْهِ . وَفِيه النّظر الْمَذْكُور ؛ لِأَن عليًّا توفّي سنة أَرْبَعِينَ ، كَمَا ذكره الكلاباذي فِي تَرْجَمته ، وَأَبُو قَتَادَة توفّي سنة أَربع وَخمسين ، كَمَا ذكره أَيْضا فِي تَرْجَمته ، وَعَن الحكم بن عتيبة أَنه قَالَ : كَانُوا يكبرُونَ عَلَى أهل بدر خمْسا ، وستًا ، وَسبعا .
رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه . تَنْبِيه : فِي علل ابْن أبي حَاتِم حَدِيث غَرِيب عَن مُحَمَّد بن مسلمة قَالَ : السّنة عَلَى الْجِنَازَة أَن يكبر الإِمَام ، ثمَّ يقْرَأ أم الْقُرْآن فِي نَفسه ، ثمَّ يَدْعُو ويخلص الدُّعَاء للْمَيت ، ثمَّ يكبر ثَلَاثًا ، ثمَّ يسلم وينصرف ، وَيفْعل من وَرَاءه ذَلِك . كَذَا وجدته : يكبر ثَلَاثًا .
قَالَ ابْن أبي حَاتِم : سَأَلت أبي عَنهُ ، فَقَالَ : هُوَ خطأ ؛ إِنَّمَا هُوَ حبيب بن مسلمة . قَالَ الرَّافِعِيّ : والأربع أولَى لاستقرار الْأَمر عَلَيْهَا واتفاق الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم . قلت : أما اسْتِقْرَار الْأَمر عَلَيْهَا ، فَفِي النَّاسِخ والمنسوخ لِابْنِ شاهين ، وَرَوَاهُ (ابْن) الْجَوْزِيّ فِي ناسخه أَيْضا عَنهُ عَن (مُحَمَّد بن عَلّي بن نيزك) الطوسي ، نَا كثير بن شهَاب الْقزْوِينِي ، نَا عبد الله بن الْجراح ، نَا زَافِر بن سُلَيْمَان ، عَن أبي (الْعَلَاء) ، عَن مَيْمُون بن مهْرَان ، عَن عبد الله بن عمر قَالَ : آخر مَا كبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى (الْجَنَائِز) أَرْبعا .
قَالَ : وثنا أَحْمد بن مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْآدَمِيّ ، نَا أَحْمد بن الْوَلَد الفحام ، نَا خُنَيْس بن بكر بن خُنَيْس ، ثَنَا الْفُرَات (ابْن) سُلَيْمَان الْجَزرِي ، عَن مَيْمُون ، عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ : آخر مَا كبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْجَنَائِز أَرْبعا (وَهَذَا الْأَخير رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : آخر مَا كبر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَلَى الْجَنَائِز أَرْبعا) وَكبر عمر عَلَى أبي بكر (أَرْبعا) ، وَكبر (عبد الله بن عمر عَلَى) عمر أَرْبعا ، وَكبر الْحسن ابن عَلّي عَلَى عَلّي أَرْبعا ، وَكبر الْحُسَيْن بن عَلّي عَلَى الْحسن أَرْبعا ، وَكَبرت الْمَلَائِكَة عَلَى آدم صَلَّى الله عَلَيْهِ أَرْبعا . قَالَ الْحَاكِم : لست مِمَّن يخْفَى عَلَيْهِ أَن فرات بن السَّائِب لَيْسَ من شَرط الْكتاب ، وَإِنَّمَا أخرجته شَاهدا لحَدِيث أنس قَالَ : كَبرت الْمَلَائِكَة عَلَى آدم أَرْبعا ، وَكبر أَبُو بكر عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرْبعا ، وَكبر عمر عَلَى أبي بكر أَرْبعا ، وَكبر صُهَيْب عَلَى عمر أَرْبعا ، وَكبر الْحسن بن عَلّي عَلَى عَلّي أَرْبعا ، وَكبر الْحُسَيْن عَلَى الْحسن أَرْبعا . قَالَ : وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ .
قَالَ : ولمبارك بن فضَالة - يَعْنِي الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده - من الزّهْد وَالْعلم بِحَيْثُ لَا يجرح مثله ، إِلَّا أَن الشَّيْخَيْنِ لم يخرجَاهُ لسوء حفظه . وينجبر بِالشَّاهِدِ السَّابِق ، وستعرف كَلَام الْبَيْهَقِيّ فِيهِ قَرِيبا أَيْضا . وَقَالَ الْخلال فِي علله : أَخْبرنِي حَرْب قَالَ : سُئِلَ أَحْمد عَن أبي الْمليح ، عَن مَيْمُون ، عَن ابْن عَبَّاس أَن آخر جَنَازَة صَلَّى عَلَيْهَا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر أَرْبعا .
قَالَ أَحْمد : هَذَا كذب ، إِنَّمَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن زِيَاد الطَّحَّان ، وَكَانَ يضع الحَدِيث . وَقَالَ الْأَثْرَم : رَوَاهُ مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة النَّيْسَابُورِي ، عَن أبي الْمليح ، عَن مَيْمُون ، عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمَلَائِكَة صلت عَلَى آدم ، فكبرت عَلَيْهِ أَرْبعا . قَالَ أَبُو عبد الله : (رَأَيْت لمُحَمد) (هَذَا أَحَادِيث مَوْضُوعَة .
فَذكر مِنْهَا) هَذَا الحَدِيث ، واستعظمه أَبُو عبد الله وَقَالَ : أَبُو الْمليح كَانَ أصح حَدِيثا وَأَتْقَى لله من أَن يروي مثل هَذَا . وَأما اتِّفَاق الصَّحَابَة عَلَى ذَلِك فقد قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : بَاب مَا يسْتَدلّ بِهِ عَلَى أَن أَكثر الصَّحَابَة اجْتَمعُوا عَلَى أَربع وَرَأَى بَعضهم الزِّيَادَة مَنْسُوخَة . ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى عَمْرو بن مرّة قَالَ : سَمِعت سعيد بن الْمسيب يحدث عَن عمر قَالَ : كل ذَلِك قد كَانَ ، أَرْبعا وخمسًا ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى (أَربع ، التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة) .
رَوَاهُ من حَدِيث (أبي الْجَعْد) ، أَنا شُعْبَة ، عَن عَمْرو بن مرّة ، وَأعله ابْن حزم ( بِأبي الْجَعْد ) وَقَالَ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، وَقد احْتج بِهِ البُخَارِيّ ، ووثق . ثمَّ سَاق بِسَنَدِهِ إِلَى أبي وَائِل قَالَ : كَانُوا يكبرُونَ عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - خمْسا وَسبعا وستًا ، أَو قَالَ : أَرْبعا ، فَجمع عمر بن الْخطاب أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأخْبر كل رجل بِمَا رَأَى ، فَجَمعهُمْ (عمر) عَلَى أَربع تَكْبِيرَات ، (كأطول) الصَّلَاة . وَفِي رِوَايَة (عَن [ وَكِيع عَن سُفْيَان ] أَرْبعا مَكَان (سِتا) قَالَ الْبَيْهَقِيّ : يروي) وَكِيع ، عَن مسعر ، عَن عبد الْملك بن إِيَاس الشَّيْبَانِيّ ، عَن إِبْرَاهِيم قَالَ : اجْتمع أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فِي بَيت (أبي) مَسْعُود الْأنْصَارِيّ ، فَأَجْمعُوا أَن التَّكْبِير عَلَى الْجِنَازَة أَربع .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَحَدِيث ابْن عَبَّاس آخر جَنَازَة صَلَّى عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كبر أَرْبعا تفرد بِهِ النَّضر بن عبد الرَّحْمَن الخزاز عَن عِكْرِمَة ، وَهُوَ ضَعِيف ، وَرُوِيَ هَذَا اللَّفْظ من وُجُوه أخر كلهَا ضَعِيفَة ، إِلَّا أَن اجْتِمَاع أَكثر الصَّحَابَة عَلَى الْأَرْبَع كالدليل عَلَى ذَلِك ، ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى عَلّي : أَنه كبر أَرْبعا وَكَذَلِكَ زيد بن ثَابت ثمَّ بِسَنَدِهِ إِلَى الشّعبِيّ قَالَ : صَلَّى ابْن عمر عَلَى زيد بن عمر وَأمه أم كُلْثُوم بنت عَلّي ، فَجعل [ الرجل ] مِمَّا يَلِي الإِمَام وَالْمَرْأَة من خَلفه ، فَصَلى [ عَلَيْهِمَا ] أَرْبعا ، و(خَلفه) ابْن الْحَنَفِيَّة وَالْحُسَيْن بن عَلّي وَابْن عَبَّاس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَمِمَّنْ روينَا عَنهُ من الصَّحَابَة أَنه كبر أَرْبعا : عبد الله بن مَسْعُود ، والبراء ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَعقبَة بن عَامر . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي الْإِعْلَام : اعْلَم أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كَانَ يخْتَلف تكبيره عَلَى الْجِنَازَة ، إِلَّا أَن الْأَغْلَب وَالْأَشْهر (أَنه) كَانَ أَربع تَكْبِيرَات ، فروَى عَنهُ عمر بن الْخطاب ، وسعيدُ بن زيد ، وَعبد الله بن عمر ، وَجَابِر ، وَأنس بن مَالك ، وَأَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ، وَزيد بن أَرقم ، وَعَمْرو بن عَوْف ، وَيزِيد ابن ثَابت أَخُو زيد ، وَأَبُو هُرَيْرَة ، وَابْن عَبَّاس : أَنه كَانَ يكبِّر أَرْبعا وَقد كَانَ أَبُو بكر ، وَعمر ، (و) عُثْمَان ، وَعلي ، وَابْن مَسْعُود ، وَغَيرهم من كبار الصَّحَابَة يكبرُونَ أَرْبعا .