الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين صلوا عَلَى النَّبِي صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم فُرَادَى
الحَدِيث الْحَادِي بعد الْخمسين أَن الصَّحَابَة - رضوَان الله عَلَيْهِم - صلوا عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فُرَادَى . هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق : إِحْدَاهَا : (من) رِوَايَة ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : لما صُلِي عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَدخل الرِّجَال فصلوا عَلَيْهِ بِغَيْر إِمَام أَرْسَالًا حَتَّى فرغوا ، ثمَّ أَدخل النِّسَاء فصلين عَلَيْهِ ، ثمَّ أَدخل الصّبيان فصلوا عَلَيْهِ ، ثمَّ أَدخل العبيد فصلوا عَلَيْهِ أَرْسَالًا ، لم يؤمهم عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحد رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ كَذَلِك فِي سنَنه بِنَحْوِهِ من حَدِيث مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، حَدثنِي الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس بِهِ ، وحسين هَذَا تَركه النَّسَائِيّ ، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه وَلَفظه : فَلَمَّا فرغوا من جهازه يَوْم الثُّلَاثَاء وضع عَلَى سَرِيره فِي بَيته ، ثمَّ دخل النَّاس عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَرْسَالًا يصلونَ ، (حَتَّى إِذا فرغوا (دخل) النِّسَاء) حَتَّى إِذا فرغوا أدخلُوا الصّبيان ، وَلم يؤم النَّاس عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أحد .. . ثمَّ سَاق بَقِيَّة الحَدِيث .
(الطَّرِيق الثَّانِي) : من رِوَايَة أبي عسيب أَنه شهد الصَّلَاة عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، قَالُوا : كَيفَ نصلي (عَلَيْهِ) ؟ قَالَ : ادخُلُوا أَرْسَالًا . قَالَ : فَكَانُوا يدْخلُونَ من هَذَا الْبَاب فيصلون عَلَيْهِ ، ثمَّ يخرجُون من الْبَاب الآخر . قَالَ : فَلَمَّا وضع فِي لحده قَالَ الْمُغيرَة : قد بَقِي من رجلَيْهِ شَيْء أصلحوه .
قَالُوا : فَادْخُلْ فأصلحه . فَدخل وَأدْخل يَده فمس قَدَمَيْهِ ، فَقَالَ : أهيلوا عليَّ التُّرَاب . (فأهالوا) عَلَيْهِ حَتَّى بلغ أَنْصَاف سَاقيه ، ثمَّ خرج ، فَكَانَ يَقُول : أَنا أحدثكُم عهدا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - .
رَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده عَن بهز ، عَن حَمَّاد بن سَلمَة ، عَن أبي عمرَان الْجونِي ، عَن أبي عسيب بِهِ . (الطَّرِيق الثَّالِث) : من رِوَايَة جَابر بن عبد الله وَابْن عَبَّاس ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الْمُنعم بن إِدْرِيس ، عَن أَبِيه ، عَن وهب بن مُنَبّه عَنْهُمَا ، فِي حَدِيث طَوِيل ، وَفِيه : فَقَالَ عَلّي : يَا رَسُول الله ، إِذا أَنْت قبضت فَمن يغسلك ، وفيم نكفنك ، وَمن يُصَلِّي عَلَيْك ، وَمن (يدْخلك) الْقَبْر ؟ فَقَالَ : يَا عَلّي ، أما الْغسْل فاغسلني أَنْت ، وَالْفضل بن الْعَبَّاس يصب عَلَيْك المَاء ، وَجِبْرِيل ثالثكما ، فَإِذا أَنْتُم فَرَغْتُمْ من غسْلي فكفنوني فِي ثَلَاثَة أَثوَاب جدد ، وَجِبْرِيل يأتيني بحنوط من الْجنَّة ، فَإِذا أَنْتُم وضعتموني عَلَى السرير فضعوني فِي الْمَسْجِد واخرجوا عني ، فَإِن أول من يُصَلِّي عليَّ الرب - عَزَّ وَجَلَّ - من فَوق عَرْشه ، ثمَّ جِبْرِيل ، ثمَّ مِيكَائِيل ، ثمَّ إسْرَافيل ، ثمَّ الْمَلَائِكَة زمرًا زمرًا ، ثمَّ ادخُلُوا (فَقومُوا) صُفُوفا ، لَا يتَقَدَّم عَلّي أحد . وَهُوَ حَدِيث طَوِيل فِي (ثَلَاث) أوراق ، فِيهِ قصَّة عكاشة ، لكنه ضَعِيف ، ثمَّ عبد الْمُنعم مَتْرُوك ، قَالَ أَحْمد : يكذب عَلَى وهب وَعَلَى غَيره ، مَتْرُوك .
ووالده ضعفه ابْن عدي ، قَالَ ابْن دحْيَة فِي تنويره : حَكَى الْبَزَّار والطبري أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : أول (من) يُصَلِّي (عَلّي) رب الْعِزَّة .. . فِي حَدِيث طَوِيل ، كرهت أَن أذكرهُ ؛ لِأَن الْبَزَّار قَالَ فِي علله : إِنَّه مَوْضُوع . وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الْأَزْدِيّ : فِي حَدِيث مَعْلُول أَنهم صلوا بِصَلَاة جِبْرِيل ، وَكَبرُوا بتكبيره .
وَالصَّحِيح مَا تقدم أَنهم صلوا (أفذاذًا) وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا بتوقيف ، وَقد رُوِيَ أَنه أَوْصَى بِهِ ، ذكره الْبَزَّار والطبري وَغَيرهمَا ، حَكَاهُ عَنْهُم ابْن دحْيَة فِي الْكتاب الْمَذْكُور ، وَرَوَى الصَّلَاة عَلَيْهِ (أفذاذًا) مَالك فِي الْمُوَطَّأ بلاغًا ، وَابْن عبد الْبر فِي آخر تمهيده ، وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث نُبَيْط بن شُرَيْط بن أنس الْأَشْجَعِيّ الصَّحَابِيّ ، قَالَ ابْن عبد الْبر : وَصَلَاة النَّاس عَلَيْهِ (أفذاذًا) (الْمُجْتَمع) عَلَيْهِ عِنْد أهل [ السّير ] وَجَمَاعَة أهل النَّقْل لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ . قَالَ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه مرج الْبَحْرين : وَأَنا متعجب من قَوْله عَلَى اتساع (علمه) ؛ فَإِن الْخلاف فِيهِ مَنْصُوص (هَل) كَانَت الصَّلَاة عَلَيْهِ كصلاتنا عَلَى أمواتنا أم لَا ، فَقيل : دُعَاء فَقَط . وَقيل : صلوا الصَّلَاة (الْمَعْهُودَة) .
حَكَى ابْن الْقصار الْقَوْلَيْنِ عَن أَصْحَاب مَالك ، وَاخْتلف بعدُ هَل صلوا عَلَيْهِ أفذاذًا أم جمَاعَة ، وَاخْتلف بعد فِيمَن أم بهم ، فَقيل : أَبُو بكر . ذكره ابْن الْقصار ، وَذَلِكَ بَاطِل بِيَقِين لضعف رُوَاته وانقطاعه ، وَالصَّحِيح أَن (الْمُسلمين) صلوا عَلَيْهِ (أفذاذًا) لَا يؤمهم أحد ، كلما جَاءَت طَائِفَة صلت عَلَيْهِ وَهُوَ حَدِيث مَحْفُوظ . قلت : وَفِي مُسْتَدْرك الْحَاكِم فِي آخر وَفَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من حَدِيث سَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي ، ثَنَا سَلام بن (سُلَيْمَان) الطَّوِيل ، عَن عبد الْملك بن عبد الرَّحْمَن ، عَن الْحسن العرني ، عَن الْأَشْعَث بن طليق ، عَن مرّة بن شرَاحِيل ، عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ : لما ثقل رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قُلْنَا : من يُصَلِّي عَلَيْك يَا رَسُول الله ؟ فَبَكَى وبكينا ، فَقَالَ : مهلا ، غفر الله لكم ، وجزاكم عَن نَبِيكُم (خيرا) ، إِذا غسلتموني وكفنتموني وحنطتموني فضعوني عَلَى شَفير قَبْرِي ، ثمَّ اخْرُجُوا عني سَاعَة ، فَإِن أول من يُصَلِّي عَلّي خليلي وحبيبي جِبْرِيل ، وَمِيكَائِيل ، ثمَّ إسْرَافيل ، ثمَّ ملك الْمَوْت مَعَ جنود الْمَلَائِكَة ، ثمَّ ليبدأ بِالصَّلَاةِ رجال أهل بَيْتِي ، ثمَّ نِسَاؤُهُم ، ثمَّ ادخُلُوا أَفْوَاجًا وفرادى ، وَلَا تؤذوني بباكية وَلَا برنة وَلَا بصيحة ، وَمن كَانَ غَائِبا من أَصْحَابِي فأبلغوه مني السَّلَام ، فَإِنِّي أشهدكم أَنِّي قد [ سلمت ] عَلَى من دخل فِي الْإِسْلَام ، وَمن (تابعني) عَلَى ديني هَذَا مُنْذُ الْيَوْم إِلَى الْقِيَامَة .
ثمَّ قَالَ الْحَاكِم : عبد الْملك مَجْهُول ، لَا نعرفه بعدالة وَلَا جرح ، وَالْبَاقُونَ كلهم ثِقَات . قلت : عبد الْملك كذبه الفلاس ، وَسَلام بن سُلَيْمَان الْمَدَائِنِي قَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ لَا يُتَابع عَلَيْهِ . وَسَلام بن سُلَيْمَان الطَّوِيل تَرَكُوهُ ، والعرني لَيْسَ بِشَيْء كَمَا قَالَه الْأَزْدِيّ ، فَأَيْنَ الثِّقَة فِي هَؤُلَاءِ ؟ ! .
فَائِدَة : فِي (السِّرّ) فِي كَونهم صلوا عَلَيْهِ أفذاذا ، قَالَ الشَّافِعِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : وَذَلِكَ لعظم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، بِأبي هُوَ وَأمي ، وتنافسهم فِي أَن لَا يتَوَلَّى الْإِمَامَة فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وَاحِد . قَالَ ابْن دحْيَة : وَكَانَ المصلون عَلَيْهِ ثَلَاثُونَ ألفا . كَذَا قَالَ .