الآثار
الْأَثر الثَّامِن : " أَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - غُسل وصُلي عَلَيْهِ ، وَقد قتل ظلما بالمحدد" .
هَذَا الْأَثر مَشْهُور عَنهُ دون (غسله) . رَوَى أَبُو نعيم فِي كِتَابه "معرفَة الصَّحَابَة" بِسَنَدِهِ إِلَى عبد الْملك بن الْمَاجشون قَالَ : سَمِعت مَالِكًا يَقُول : " وَقتل عُثْمَان ، فَأَقَامَ مطروحًا عَلَى كناسَة بني فلَان ثَلَاثًا ، فَأَتَاهُ اثْنَا عشر رجلا ، مِنْهُم : جدي مَالك بن أبي عَامر ، وَحُوَيْطِب بن عبد الْعُزَّى ، وَحَكِيم بن حزَام ، وَعبد الله بن الزبير ، وَعَائِشَة بنت عُثْمَان ، مَعَهم مِصْبَاح فِي حُقٍّ ، فَحَمَلُوهُ عَلَى بَاب وَإِن رَأسه يَقُول عَلَى الْبَاب طق طق ، حَتَّى أَتَوا بِهِ البقيع ، فَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ ، فَصَلى عَلَيْهِ حَكِيم ابن حزَام أَو حويطب بن عبد الْعُزَّى - شكّ عبد الرَّحْمَن أحد رُوَاته - ثمَّ أَرَادوا دَفنه ، فَقَامَ رجل من بني مَازِن فَقَالَ : وَالله لَئِن دفنتموه مَعَ الْمُسلمين لأخبرن النَّاس ، فَحَمَلُوهُ حَتَّى أَتَوا بِهِ حش كَوْكَب ، وَلما دلوه فِي قَبره صاحت عَائِشَة بنت عُثْمَان ، فَقَالَ لَهَا ابْن الزبير : اسكتي ؛ فوَاللَّه إِن عدت لَأَضرِبَن الَّذِي فِيهِ عَيْنَاك . فَلَمَّا دفنوه وسووا عَلَيْهِ التُّرَاب قَالَ لَهَا ابْن الزبير : صيحي مَا بدا لَك أَن تصيحي" قَالَ مَالك : "وَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان قبل ذَلِك يمر بحش كَوْكَب ، فَيَقُول ليدفن هُنَا رجل صَالح " ثمَّ رَوَى الْحَافِظ أَبُو نعيم إِلَى إِبْرَاهِيم بن عبد الله بن فروخ عَن أَبِيه قَالَ : " شهِدت عُثْمَان دفن فِي ثِيَابه بدمائه " . زَاد الْبَغَوِيّ فِي "مُعْجَمه" فِي رِوَايَته : "وَلم يغسل " . وَسَنَده كل رِجَاله ثِقَات ، إِلَّا إِبْرَاهِيم بن عبد الله ، فَإِن أَبَا حَاتِم لم (يعقبه) بِجرح وَلَا تَعْدِيل . وَرَوَى أَبُو نعيم أَيْضا
بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث عبد الرَّزَّاق ، عَن معمر ، عَن قَتَادَة قَالَ : "صَلَّى الزبير عَلَى عُثْمَان وَدَفنه ، وَكَانَ قد أَوْصَى إِلَيْهِ " . ثمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ إِلَى الْوَاقِدِيّ : ثَنَا عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد ، عَن مُحَمَّد بن يُوسُف ، نَا السَّائِب بن يزِيد الْكِنْدِيّ قَالَ : " خرجت نائلة بنت الفرافصة وَقد شقَّتْ جيبها قبلا ودُبُرًا وَهِي تصيح ، وَمَعَهَا سراج ، وأمير الْمُؤمنِينَ واه ، فَقَالَ جُبَير بن مطعم : أطفئي السراج . وانتهوا إِلَى البقيع ، فَصَلى عَلَيْهِ جُبَير وَخَلفه حَكِيم بن حزَام وأبو جهم بن حُذَيْفَة ونيار بن مكرم الْأَسْلَمِيّ ، ونائلة وأُمُّ الْبَنِينَ بنت عُيَيْنَة امرأتاه ، وَنزل فِي حفرته نيار وأبو جهم وجعفر ، وَكَانَ حَكِيم ونائلة وَأم الْبَنِينَ يدلونه عَلَى الرِّجَال ، حَتَّى لحد وَبني عَلَيْهِ وغيبوا قَبره ، وَتَفَرَّقُوا " . وَرَوَى أَيْضا بِسَنَدِهِ إِلَى يَحْيَى بن سعيد الْأمَوِي ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه قَالَ : لما قتل عُثْمَان جَاءَ أبو جهم بن حُذَيْفَة ليُصَلِّي عَلَيْهِ ، فمنعوه من الصَّلَاة ، فَقَالَ : لَئِن منعتموني من الصَّلَاة عَلَيْهِ لقد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَته " . وَرَوَى بِسَنَدِهِ أَيْضا عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه قَالَ : " مكث عُثْمَان فِي حش كَوْكَب مطروحًا ثَلَاثَة ، لَا يصلى عَلَيْهِ ، حَتَّى هتف بهم هَاتِف : ادفنوه وَلَا يُصلى عَلَيْهِ ؛ فَإِن الله قد صَلَّى عَلَيْهِ " . قَالَ ابْن عبد الحكم : خرج من مصر سِتّمائَة رجل عَلَيْهِم أَربع قواد ، كل رجل مِنْهُم عَلَى خمسين وَمِائَة ، فَأَقْبَلُوا إِلَى عُثْمَان فحصروه أَرْبَعِينَ لَيْلَة ، ثمَّ دخلُوا فَضَربهُ سودان بن حمْرَان المرادي بهراوة من شبة ، فدق جنَاحه فَخر مَيتا ، وَقَامَ غُلَام
لعُثْمَان أسود فَضرب سودان فَنقرَ دماغه ، وَقتل المصريون الْغُلَام الْأسود ، فأغلق النَّاس عَلَى عُثْمَان وسودان وَالْأسود ، فأرادوا الصَّلَاة عَلَى عُثْمَان ؛ فَأَبَى المصريون ذَلِك ، وَقَالُوا : لَا يصلى عَلَيْهِ وَلَا يدْفن مَعَ الْمُسلمين . فَقَالَ حَكِيم بن حزَام : ادفنوه ، فَإِن الله قد صَلَّى عَلَيْهِ" .
فَائِدَة : حش كَوْكَب الَّذِي تقدم ذكره أَن عُثْمَان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - دفن فِيهِ ، الْجَارِي عَلَى (ألسنتنا) فِيهِ فتح الْحَاء ، وَإِنَّمَا هُوَ بضَمهَا ، كَذَا ضَبطه الْبكْرِيّ فِي "مُعْجَمه" فِيمَا رَأَيْته من كِتَابه ، فَقَالَ : حش كَوْكَب - بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الشين - : مَوضِع بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ الْموضع الَّذِي دفن فِيهِ عُثْمَان . والحُش : الْبُسْتَان . وكوكب : الَّذِي أضيف إِلَيْهِ رجل من الْأَنْصَار ، وَقيل : من الْيمن ، وَلما ظهر مُعَاوِيَة هدم حَائِطه وأفضى بِهِ إِلَى البقيع ، وَكَانَ عُثْمَان يمر بِهَذَا الحش وَيَقُول : يدْفن هُنَا رجل صَالح . كَمَا سلف ، وَقَالَ ابْن أبي خَيْثَمَة : "كَانَ عُثْمَان قد اشْتَرَى حش كَوْكَب ، وَكَانَ أول من دفن فِيهِ و(غيب) قَبره" . وَقَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب "مرج الْبَحْرين" . الحش : هُوَ الْبُسْتَان - مثلث الْحَاء - اشْتَرَاهُ عُثْمَان ، وزاده فِي البقيع ، وَكَانَ أول من قُبر فِيهِ .