الحَدِيث التَّاسِع أَن رجلا قطع أَنفه يَوْم الْكلاب
الحَدِيث التَّاسِع أَن رجلا قطع أَنفه يَوْم الْكلاب ، فَاتخذ أنفًا من فضَّة ، فَأَنْتن عَلَيْهِ ، فَأمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتَّخذ (أنفًا) من ذهبٍ . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ ، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن طرفَة أَن جده عرْفجَة - بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة ، ثمَّ رَاء سَاكِنة ، ثمَّ فَاء ، ثمَّ جِيم ، ثمَّ هَاء - بن (أسعد) أُصِيب أَنفه يَوْم الْكلاب فِي الْجَاهِلِيَّة ، فَاتخذ أنفًا من ورق .. . الحَدِيث .
قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبي الْأَشْهب عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة ، وَقد رَوَى (سَلم) بن (زَرير) - أَي بِفَتْح الزَّاي - عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة ، نَحْو حَدِيث أبي الْأَشْهب ، وزرير أصح . وَقَالَ ابْن مهْدي : سلم بن (وَزِير) وَهُوَ وهم ، وَقد رَوَى غير وَاحِد من أهل الْعلم أَنهم شدوا أسنانهم بِالذَّهَب ، وَفِي هَذَا الحَدِيث حجَّة لَهُم . قلت : ( سلم ) هَذَا ثِقَة من رجال الصَّحِيحَيْنِ وَإِن ضعفه ابْن معِين .
وَأَبُو الْأَشْهب جَعْفَر بن الْحَارِث ضَعَّفُوهُ ، وَقَالَ ( البُخَارِيّ ) : مُنكر الحَدِيث . وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي ثقاته ، وَقَالَ : إِنَّه ثِقَة . قَالَ : وَلَيْسَ هُوَ بِأبي الْأَشْهب (العطاردي) ، ذَلِك بَصرِي وَهَذَا واسطي .
قَالَ : وهما جَمِيعًا ثقتان . وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي صَحِيحه من جِهَته ، وَخَالف ابْن الْقطَّان فضعفه ، وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة أبي الْأَشْهب ، وَاخْتلف عَنهُ ؛ فالأكثر يَقُول : عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة (بن) عرْفجَة عَن جده ، وَابْن عليَّة يَقُول : عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة (عَن أَبِيه عَن) عرْفجَة . فعلَى طَريقَة الْمُحدثين يَنْبَغِي أَن تكون رِوَايَة الْأَكْثَرين مُنْقَطِعَة ؛ فَإِنَّهَا معنعنة ، وَقد زَاد فِيهَا ابْن علية وَاحِدًا ، وَلَا يدْرَأ هَذَا قَوْلهم : إِن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة سمع من جده .
وَقَول يزِيد بن زُرَيْع : إِنَّه سمع من جده . فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يقل فِيهِ : إِنَّه سَمعه مِنْهُ ، وَقد أَدخل بَينهمَا فِيهِ (الْأَب) ، وأنى هَذَا ؟ فَإِن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة الْمَذْكُور لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث ، وَلَا يعرف (رَوَى) عَنهُ غير أبي الْأَشْهب ، فَإِن احْتِيجَ فِيهِ إِلَى أَبِيه طرفَة - عَلَى مَا قَالَ ابْن علية عَن أبي الْأَشْهب - كَانَ الْحَال أَشد ؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْرُوف الْحَال وَلَا مَذْكُور فِي رُوَاة الْأَخْبَار . فَائِدَتَانِ : (الأولَى) : رَوَى ابْن حبَان فِي ضُعَفَائِهِ فِي تَرْجَمَة أبان (بن) سُفْيَان وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه فِي تَرْجَمَة عبد الله بن (عبد الله) بن أبيّ أَنه أُصِيب ثنيته - (أَعنِي) عبد الله هَذَا - يَوْم أحد ، فَأمره النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَن يتَّخذ ثنية من ذهب .
قَالَ ابْن حبَان : وَأَبَان هَذَا يروي عَن الثِّقَات أَشْيَاء مَوْضُوعَة . قَالَ : وَهَذَا الْخَبَر مَوْضُوع ، وَكَيف يَأْمر المصطفى صلى الله عليه وسلم باتخاذ ثنية من ذهب و(قد) قَالَ : إِن الذَّهَب وَالْحَرِير محرمان عَلَى ذُكُور أمتِي ، و(حل) لإناثهم ؟ لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهَذَا الشَّيْخ و(لَا) الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار . قلت : وَحكمه عَلَى الْوَضع بِمُجَرَّد هَذَا غير جيد ، وَقد أخرج هُوَ فِي صَحِيحه حَدِيث اتِّخَاذ الْأنف من ذهب ، وَأي فرق بَينهمَا ؛ وَخص ذَلِك من النَّهْي كَمَا خص لبس الْحَرِير للحكة وَغَيرهَا ، نعم أبان هَذَا مُتَّهم ، وَفِي إِسْنَاد الْحَاكِم : عَاصِم بن سُلَيْمَان الْكذَّاب .
الثَّانِيَة : الكُلاَب - (بِضَم) الْكَاف وَفتح اللَّام المخففة - : اسْم لماءٍ من مياه الْعَرَب ، كَانَت عِنْده وقْعَة فسمّي ذَلِك الْيَوْم بِهِ . وَقيل : كَانَ عِنْده يَوْمَانِ مشهوران يُقَال فيهمَا : الْكلاب الأول وَالْكلاب الثَّانِي . حَكَاهُ ابْن الصّلاح ثمَّ النَّوَوِيّ .
وَقَالَ الْحَازِمِي بعد أَن ضَبطه كَمَا أسلفته : هُوَ مَاء بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة ، عَلَى سبع لَيَال من الْيَمَامَة ، يذكر فِي أَيَّام الْعَرَب . قَالَ : وكُلاب أَيْضا اسْم وَاد بثهلان بِهِ نخل ، وثهلان جبل لباهلة ؛ ذكره فِي كِتَابه الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن . وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي مُعْجم مَا استعجم : الكُلاب - بِضَم أَوله وبالباء الْمُوَحدَة - هُوَ قِدَةُ بِعَينهَا ، وَبَين أدناه وأقصاه مسيرَة يَوْم ، أَعْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْيمن ، وأسفله مِمَّا يَلِي الْعرَاق .
وَقَالَ ابْن (معن) فِي تنقيبه : الْكلاب - بِضَم الْكَاف - اسْم لموضعين : أَحدهمَا : مَاء بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة عَلَى سبع لَيَال من الْيَمَامَة ، وَفِيه كَانَ الكُلاب الأول ، وَأما الْمَكَان الثَّانِي ، وَهُوَ الكُلاب الثَّانِي : فَهُوَ اسْم لماء بَين جبلة وشمام وَهُوَ جبل . قَالَ : وَقيل : الكُلاب اسْم مَوضِع من الْيَمَامَة بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة ، وَقعت فِيهِ وقعتان : إِحْدَاهمَا بَين مُلُوك كِنْدَة ، وَالْأُخْرَى بَين الْحَارِث وَتَمِيم . فَائِدَة ثَالِثَة : العرفج (شجرٌ) مَعْرُوف (وَبِه) سمي (عرْفجَة) هَذَا .