الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين لَا تَصُومُوا فِي هَذِه الْأَيَّام فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين رُوِيَ أَنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : لَا تَصُومُوا فِي هَذِه الْأَيَّام فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال . هَذَا الحَدِيث (صَحَّ) من طرق بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة (الْأَخِيرَة) : الطَّرِيق الأول : من حَدِيث نُبَيْشَةَ - بِضَم النُّون ، وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة ثمَّ مثناة تَحت سَاكِنة ، ثمَّ شين مُعْجمَة - الْهُذلِيّ الصَّحَابِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قَالَ : قَالَ رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ : أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام أكل وَشرب (وَذكر الله) رَوَاهُ مُسلم فِي صَحِيحه مُنْفَردا بِهِ . ثَانِيهَا : من حَدِيث كَعْب بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ (بَعثه و) أَوْس بن الْحدثَان أَيَّام التَّشْرِيق (منادياً) أَنه لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن وَأَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب رَوَاهُ مُسلم مُنْفَردا بِهِ أَيْضا .
ثَالِثهَا : عَن ابْن شهَاب أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث عبد الله بن حذافة أَيَّام منى يطوف ، يَقُول : إِنَّمَا هِيَ أَيَّام أكل وَشرب وَذكر الله رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ ، وَعَزاهُ خلف الوَاسِطِيّ إِلَى مُسلم ، وَقَالَ الْحميدِي : لم أَجِدهُ فِيمَا عندنَا من كتاب مُسلم . وَهُوَ كَمَا قَالَ . رَابِعهَا : من حَدِيث عقبَة بن عَامر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : يَوْم عَرَفَة ، وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق ، عيدنا أهل الْإِسْلَام ، وَهِي أَيَّام أكل وَشرب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ : حسن صَحِيح .
وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن حبَان ، وَالْحَاكِم وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . خَامِسهَا : من حَدِيث أبي هُرَيْرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قَالَ : أَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب . رَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه ، وَفِي رِوَايَة لَهُ : أَيَّام التَّشْرِيق أَيَّام طعم وَذكر .
سادسها : من حَدِيث بشر بن سحيم مَرْفُوعا : لَا يدْخل الْجنَّة إِلَّا مُؤمن ، وَأَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب رَوَاهُ النَّسَائِيّ . سابعها : وَأما هَذِه الزِّيَادَة الْأَخِيرَة ، وَهِي : وبعال فرواها الدَّارَقُطْنِيّ من طَرِيقين : إِحْدَاهمَا : من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الزرقي قَالَ : حَدثنِي عبد الله بن حذافة السَّهْمِي قَالَ : بَعَثَنِي رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عَلَى رَاحِلَته أَيَّام منى أنادي : أَيهَا النَّاس ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال رَوَاهَا فِي آخر كتاب الصَّوْم ، وَفِي سندها الْوَاقِدِيّ و(حَالَته) مَشْهُورَة ، ثمَّ قَالَ : الْوَاقِدِيّ ضَعِيف . ثَانِيهمَا : من حَدِيث سعيد بن سَلام الْعَطَّار ، نَا عبد الله بن بديل الْخُزَاعِيّ ، عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سعيد بن الْمسيب ، عَن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : بعث رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بديل بن وَرْقَاء الْخُزَاعِيّ عَلَى جمل أَوْرَق يَصِيح فِي فجاج منى : أَلا إِن الذَّكَاة فِي الْحلق واللبة ، أَلا وَلَا تعجلوا الْأَنْفس أَن تزهق ، وَأَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب وبعال وَهَذِه الطَّرِيقَة أخرجهَا فِي أَوَاخِر سنَنه بأوراق .
وَكَذَا الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كتاب معرفَة الصَّحَابَة وَهِي ضَعِيفَة جدًّا ؛ سعيد بن سَلام هَذَا وَضاع مَتْرُوك ، قَالَ أَحْمد وَابْن نمير : كَذَّاب . وَقَالَ خَ : يذكر بِوَضْع الحَدِيث . وَأطلق التّرْك عَلَيْهِ النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَخَالف ( الْعجلِيّ ) فَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ .
وَأما عبد الله بن بديل فَفِيهِ خلف ، غمزه الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ ابْن عدي : لَهُ (أَحَادِيث) مِمَّا يُنكر عَلَيْهِ [ الزِّيَادَة ] فِي مَتنه أَو إِسْنَاده . وَقَالَ ابْن معِين : (صَالح) وَذكره ابْن حبَان فِي ثقاته ولهذه اللَّفْظَة طرق أُخْرَى : (أَولهَا) من طَرِيق عمر بن (خلدَة) ، عَن [ أمه ] أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بعث عليًّا يُنَادي بمنى : إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال . رَوَاهُ الحافظان أَبُو نعيم فِي معرفَة الصَّحَابَة والخطيب فِي تلخيصه كَذَلِك ، وَالطَّبَرَانِيّ وَلَفظه أَنه لله بعث منادياً يُنَادي : أَيهَا النَّاس ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال وَعبد بن حميد عَن مُوسَى بن (عُبَيْدَة) الربذي ، حَدثنِي مُنْذر بن (الجهم) ، عَن عمر بن (خلدَة) الْأنْصَارِيّ ، عَن (أمه) وَلَفظه (كَلَفْظِ الْأَوَّلين) ومُوسَى هَذَا ضَعَّفُوهُ .
ثَانِيهَا : من حَدِيث يُوسُف بن مَسْعُود بن الحكم الْأنْصَارِيّ الزرقي أَن جدته حدثته أَنَّهَا رَأَتْ وَهِي بمنى فِي زمَان رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ رَاكِبًا يَصِيح يَقُول : أَيهَا النَّاس ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وَنسَاء وبعال وَذكر الله . قَالَت : فَقلت : من هَذَا ؟ فَقَالُوا : عَلّي بن أبي طَالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِدُونِ هَذِه اللَّفْظَة ، وَهَذَا (سِيَاقه) : إِنَّهَا لَيست أَيَّام صِيَام ، إِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وَذكر رَوَاهُ من حَدِيث مَسْعُود بن الحكم الزرقي ، عَن (أمه) ، وَذكر أَبُو نعيم الِاخْتِلَاف فِي سَنَد حَدِيث ابْن مَسْعُود الزرقي ، وَقَالَ فِي رِوَايَته إِن الْمُنَادِي بِلَالً . ثَالِثهَا : من حَدِيث إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن أبي (حَبِيبَة) عَن دَاوُد بْن الْحصين ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما أَن رَسُول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أرسل أَيَّام منى صائحاً يَصِيح أَن لَا تَصُومُوا هَذَا الْأَيَّام فَإِنَّهَا أَيَّام أكل وَشرب وبعال والبعال : وقاع النِّسَاء .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه كَذَلِك . وَإِبْرَاهِيم هَذَا مُخْتَلف فِيهِ ، وَثَّقَهُ أَحْمد وَضَعفه غَيره ، وَدَاوُد من رجال الصَّحِيحَيْنِ ، وَهُوَ ثِقَة قدري ، لينه أَبُو زرْعَة ، واستغرب الْمُنْذِرِيّ هَذِه اللَّفْظَة (فَقَالَ) فِي اختصاره للسنن : هَذِه اللَّفْظَة غَرِيبَة . فَائِدَتَانِ : الأولَى : البعال - بباء مُوَحدَة ، ثمَّ عين مُهْملَة - : وقاع النِّسَاء .
كَمَا سلف فِي الحَدِيث السَّابِق فِي آخِره . وَفِي النِّهَايَة : البعال : النِّكَاح وملاعبة الرجل أَهله . وَكَذَا قَالَه أَبُو عبيد وَغَيره ، وَكَذَا فِي الصِّحَاح (البعال) : ملاعبة الرجل أَهله .
وَذكر الحَدِيث ، وَالْمَرْأَة تباعل زَوجهَا أَي تلاعبه . قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابه فَضَائِل الْأَوْقَات لما ذكر حَدِيث جدة يُوسُف الزرقي : المُرَاد - وَالله أعلم - بِالنسَاء والبعال : أَن إِبَاحَة مباشرتهن للْحَاج بعد التَّحَلُّل الثَّانِي ، وَهُوَ كَقَوْلِه تَعَالَى : (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) يَعْنِي بِهِ الْإِبَاحَة بعد التَّحْرِيم . (وَنقل ابْن حزم عَن أهل اللُّغَة أَن البعل اسْم الزَّوْج وَالسَّيِّد ، وَذكر ذَلِك فِي حَدِيث النَّهْي عَن الصَّوْم إِلَّا بِإِذن بَعْلهَا إِذا كَانَ حَاضرا ) .
الثَّانِيَة : ذكر أَبُو سعد السَّمْعَانِيّ فِي تَرْجَمَة أبي الْغَنَائِم النَّرْسِي الْحَافِظ من ذيله ، قَالَ : قَرَأت بِخَط الإِمَام وَالِدي : سَمِعت أَبَا الْغَنَائِم مُحَمَّد بن عَلّي بن مَيْمُون النَّرْسِي يَقُول فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ : أَيَّام منى أَيَّام أكل وَشرب قَالَ : هُوَ شَرب بِفَتْح الشين ، وَاسْتشْهدَ بقوله تَعَالَى : (فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ) قَالَ : وسمعته يَقُول فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : وَمن يرع حول الْحمى يُوشك أَن (يحتش) قَالَ : هُوَ بالشين الْمُعْجَمَة من قَوْلهم : (حَش) إِذا رعى . وَهَذَا أَيْضا ضبط غَرِيب ، والضبط الأول حَكَاهُ أَبُو عبيد عَن الْكسَائي - أَعنِي فتح الشين - قَالَ : وَلم أر من الْمُحدثين أحدا يقف عَلَى شُرب ، وشَرب .