الحَدِيث الثَّامِن حج عَن نَفسك ثمَّ عَن شبْرمَة
الحَدِيث الثَّامِن عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما " أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سمع رجلا يَقُول : لبيْك عَن شبْرمَة .
فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من شبْرمَة ؟ قَالَ : أَخ لي - أَو قريب لي - قَالَ : أحججت عَن نَفسك ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : حج عَن نَفسك ، ثمَّ عَن شبْرمَة" (وَفِي) رِوَايَة : "هَذِه عَنْك ثمَّ عَن شبْرمَة " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْن مَاجَه فِي (سُنَنهمَا) من حَدِيث عَبدة بن سُلَيْمَان ، عَن ابْن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن عزْرَة ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس مَرْفُوعا بِهِ بِاللَّفْظِ الأول ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي "سُنَنهمَا" ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي "صَحِيحه" بِاللَّفْظِ الثَّانِي وَإِسْنَاده صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "السّنَن" و "الْمعرفَة" و "الخلافيات" بعد تَخْرِيجه لَهُ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أصح مِنْهُ .
ثمَّ رَوَاهُ من طرق كَذَلِك مَرْفُوعا ، قَالَ : وَرُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس .
قَالَ : وَمن رَوَاهُ مَرْفُوعا حَافظ ثِقَة فَلَا يضرّهُ خلافُ مَن خَالفه ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : سمعته من عَبدة بن سُلَيْمَان مَرْفُوعا .
وَرَوَاهُ غنْدر ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة (فَوَقفهُ) (وَرُوِيَ) عَن ابْن عَبَّاس من وَجه آخر مَوْقُوفا ، وَعَبدَة بن سُلَيْمَان رَفعه وَهُوَ مُحْتَج بِهِ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" ، وَرَوَاهُ عَنهُ (مَرْفُوعا جمَاعَة من) الثِّقَات ، وَتَابعه عَلَى رَفعه مُحَمَّد بن عبد الله الْأنْصَارِيّ
وَمُحَمّد بن بشر ، قَالَ يَحْيَى بن معِين : أثبت النَّاس سَمَاعا (من) سعيد عَبدة بن سُلَيْمَان .
وَقَالَ عبد الْحق : علل بَعضهم هَذَا الحَدِيث بِأَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفا .
قَالَ : وَالَّذِي أسْندهُ ثِقَة فَلَا يضرّهُ .
وَقَالَ ابْن الْقطَّان : الرافعون لَهُ ثِقَات ، فَلَا يضرهم وقف الواقفين لَهُ ، إِمَّا (لأَنهم) حفظوا مَا لم يحفظوا ، وَإِمَّا لِأَن (الواقفين) رووا عَن ابْن عَبَّاس (رَأْيه) ، (والرافعين) رووا عَنهُ رِوَايَته .
وَخَالف الطَّحَاوِيّ فَقَالَ فِي "مشكله" : الصَّحِيح أَنه مَوْقُوف ، قَالَ أَحْمد : رَفعه خطأ .
وَقَالَ ابْن الْمُنْذر : لَا يثبت .
(قلت : وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ من قَوْله : وَرُوِيَ من وَجه آخر عَن ابْن عَبَّاس مَوْقُوفا .
قد أخرجه من حَدِيث الشَّافِعِي ، كَمَا سَاقه الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" عَنهُ) : نَا سُفْيَان ، عَن أَيُّوب ، عَن أبي قلَابَة : " سمع ابْن عَبَّاس رجلا يُلَبِّي عَن شبْرمَة ، قَالَ : وَمَا شبْرمَة ؟ فَذكر (قرَابَة) قَالَ : أحججت عَن نَفسك ؟ قَالَ : لَا .
(قَالَ) : فحج عَن نَفسك ، ثمَّ
حج عَن شبْرمَة " وَفِي هَذَا استبعاد تعدد الْقِصَّة بِأَن يكون فِي (زَمَنه) عَلَيْهِ السَّلَام وزمن ابْن عَبَّاس عَلَى سِيَاقَة وَاحِدَة (واتفاق لَفظه) .
نَبَّه عَلَى ذَلِك صَاحب " الإِمَام " وأعلَّ هَذَا الحَدِيث أَيْضا بِالْإِرْسَال ؛ فَإِن سعيد بن مَنْصُور رَوَاهُ عَن سُفْيَان ، عَن ابْن جريج ، عَن عَطاء ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : إِنَّه أصح .
قلت : هَذِه طَرِيقَته وَطَرِيقَة جمَاعَة ، وَرَأَى جماعات تَقْدِيم الْوَصْل (إِذا اجْتمع) مَعَ الْإِرْسَال ، وَأعله بَعضهم (بِأَنَّهُ) رُوِيَ عَن قَتَادَة عَن ابْن جُبَير بِإِسْقَاط "عزْرَة" ذكره صَاحب "الاستذكار" ، وَأعله ابْن الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" بِأَن قَالَ : فِيهِ مقَال ، فَإِن فِيهِ عزْرَة وَهُوَ لَا شَيْء .
وَهَذَا غلط مِنْهُ (وَكَأَنَّهُ) ظن أَن عزْرَة هَذَا هُوَ ابْن قيس الَّذِي قَالَ فِيهِ يَحْيَى : لَا شَيْء .
وَلَيْسَ كَذَلِك ، وَإِنَّمَا هُوَ عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيّ من رجال مُسلم ، وَوَثَّقَهُ عَلّي بن المدينى وَيَحْيَى بن معِين ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" وَأخرجه فِي "صَحِيحه"
من (جِهَته) وَلما ذكر صَاحب " الْإِلْمَام " هَذَا الحَدِيث قَالَ : رَأَيْت فِي كتاب "التَّمْيِيز" للنسائي : عزْرَة الَّذِي رَوَى عَنهُ قَتَادَة لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي .
ثمَّ (ذكره) - أَعنِي ابْن الْجَوْزِيّ - من طَرِيقين آخَرين عَن الدَّارَقُطْنِيّ : أَحدهمَا : من حَدِيث يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن ، عَن حميد بن الرّبيع ، عَن مُحَمَّد بن بشر ، عَن سعيد بن أبي عرُوبَة ، عَن قَتَادَة ، عَن عزْرَة ، عَن سعيد بن جُبَير ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " سمع النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (رجلا) يُلَبِّي عَن شبْرمَة ، قَالَ : أحججت ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : لَبِّ عَن نَفسك ، ثمَّ لبِّ عَن شبْرمَة، " ثمَّ أعلَّها بحميد بن الرّبيع وَنقل عَن يَحْيَى أَنه قَالَ فِي حَقه : كذَّاب .
وأغفل (رَاوِيه) يَعْقُوب بن عبد الرَّحْمَن ، وَفِي (حَدِيثه) وهم كَبِير مَعَ أَن البرقاني قَالَ : رَأَيْت الدَّارَقُطْنِيّ يحسن القَوْل فِي حميد .
وَقَالَ مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي شيبَة : أَنا أعلم النَّاس بِهِ ، هُوَ ثِقَة لكنه شَرِه يُدَلس .
قلت : قد صرح فِي هَذَا الحَدِيث بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ : نَا مُحَمَّد بن بشر .
الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث (الْحسن) بن ذكْوَان ، ثَنَا عَمْرو بن دِينَار ، عَن عَطاء ، عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : " سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا يَقُول : لبيْك عَن شبْرمَة .
فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : هَل حججْت قطّ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : هَذِه عَنْك وَحج عَن شبْرمَة " .
ثمَّ أعلَّها بالْحسنِ بن ذكْوَان .
وَنقل عَن أَحْمد أَن أَحَادِيثه أباطيل ، وَعَن يَحْيَى (أَنه) ضَعِيف .
قلت : لكنه من فرسَان البُخَارِيّ ، فاحتجَّ بِهِ فِي "صَحِيحه" ، وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" ، وَقَالَ ابْن عدي : أَرْجُو أَنه لَا بَأْس (بِهِ) .
وليت ابْن الْجَوْزِيّ أعلَّه بالراوي عَنهُ (و) هُوَ أَبُو بكر الْكَلْبِيّ فَإِنَّهُ مَتْرُوك ، وأعلَّهُ ابْن الْمُغلس الظَّاهِرِيّ بِوَجْه آخر وَهُوَ أَن قَتَادَة رَاوِيه عَن عزْرَة لم يقل : "ثَنَا" وَلَا "سَمِعت" ، وَهُوَ إِمَام فِي التَّدْلِيس .
قَالَ : وَقد قَالَ بعض أهل الْعلم : إِن هَذَا (الْخَبَر) لَيْسَ بِثَابِت ؛ لِأَن سعيد بن أبي عرُوبَة كَانَ يحدث هَذَا الحَدِيث بِالْبَصْرَةِ فَيجْعَل هَذَا الْكَلَام من قَول ابْن عَبَّاس وَلَا يسْندهُ ، وبالكوفة يَجعله مُسْندًا .
قَالُوا : وَقد (رَوَاهُ)
ابْن أبي لَيْلَى ، عَن عَطاء ، عَن عَائِشَة (مَرْفُوعا) قَالُوا : وَقد رَوَاهُ ابْن جريج وَهُوَ أثبت من ابْن أبي لَيْلَى ، فَلم يقل "عَن عَائِشَة" وأرسله ، وَرَوَاهُ أَبُو قلَابَة عَن ابْن عَبَّاس ، وَأَبُو قلَابَة لم يسمع مِنْهُ شَيْئا ، قَالُوا : فَالْخَبَر بذلك غير ثَابت .
قلت : فِي "تَقْيِيد المهمل" للجياني : (قَالَ البُخَارِيّ : عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيّ) كُوفِي ، عَن سعيد بن جُبَير وَسَعِيد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبْزَى ، سمع مِنْهُ قَتَادَة .
فقد صرح البُخَارِيّ بِسَمَاع قَتَادَة (من عزْرَة) فقد يُقَال : زَالَت تُهْمَة تدليسه وَقد أسلفنا الْجَواب عَمَّن أوقفهُ .
فَائِدَتَانِ : الأولَى : عزْرَة الْمُتَقَدّم فِي الحَدِيث هُوَ عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن الْخُزَاعِيّ ، كَذَا ذكره الْأَئِمَّة البُخَارِيّ وَابْن أبي حَاتِم وَابْن حبَان فِي "تواريخهم" ، وَكَذَا ذكره صَاحب "الْكَمَال" ، والمزي فِي "تهذيبه" ، و "أَطْرَافه" .
وَوَقع فِي "سنَن أبي دَاوُد" ، و "ابْن مَاجَه" : عزْرَة .
غير مَنْسُوب ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "سنَنه" : هُوَ عزْرَة بن يَحْيَى .
وَنَقله عَن الْحَاكِم ، عَن أبي عَلّي الْحَافِظ ، قَالَ : وَقد رَوَى قَتَادَة أَيْضا عَن عزْرَة بن تَمِيم ، وَعَن عزْرَة بن عبد الرَّحْمَن .
قلت : ونصَّ (عَلَى) أَنه عزْرَة بن يَحْيَى الجيانيُّ فِي "تَقْيِيد المهمل" قَالَ : وَقَالَ أَحْمد : هُوَ عزْرَة بن دِينَار وَلَا أرَاهُ يَصح .
الْفَائِدَة الثَّانِيَة : قَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي "مبهماته" : اسْم (المُلَبى) عَنهُ "شبْرمَة" .
وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فقد جَاءَ صَرِيحًا كَمَا قدمْنَاهُ ، قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي (تلقيحه) : وَفِي حَدِيث تفرد بِهِ ابْن عمَارَة أَن اسْمه : "نُبَيْشَة" قَالَ : وَهُوَ خطأ ، وَيُقَال : إِن ابْن عمَارَة رَجَعَ عَن تِلْكَ الرِّوَايَة .
قَالَ الْخَطِيب : وَلَا أحفظ اسْم (الملبي) .
وَقَالَ ابْن باطيش فِي كِتَابه "الْمُغنِي فِي غَرِيب الْمُهَذّب" : اسْمه "نُبَيْشَة" .
قلت : فِيهِ نظر ، وَكَأَنَّهُ وهم فَإِن الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ رويا من حَدِيث الْحسن بن عمَارَة ، عَن عبد الْملك بن ميسرَة ، عَن طَاوس ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه (الملبى) عَنهُ ، وَهُوَ خطأ كَمَا (أسلفناه) لَا (الملبي) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ ثمَّ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الرِّوَايَة وهم ، وَالصَّوَاب مَا تقدم عَن ابْن عَبَّاس .
وَيُقَال : إِن الْحسن بن عمَارَة كَانَ يرويهِ ثمَّ رَجَعَ عَنهُ إِلَى الصَّوَاب ، يحدث بِهِ عَلَى الصَّوَاب مُوَافقا لرِوَايَة غَيره عَن ابْن عَبَّاس ، وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث عَلَى كل حَال .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي "الْمعرفَة" : إِنَّه حَدِيث بَاطِل .
وَقَالَ ( ابْن) الْجَوْزِيّ فِي "تَحْقِيقه" : تفرد بِهَذَا الحَدِيث بلفظَيْه "هِيَ (عَن) نُبَيْشَة واحجج عَن نَفسك" و "هَذِه (عَن) نُبَيْشَة واحجج عَن نَفسك" الحسنُ بن عمَارَة ، وَهُوَ الَّذِي (كَانَ) (يَقُول) مَكَان "شبْرمَة" : "نُبَيْشَة، " ثمَّ رَجَعَ إِلَى الصَّوَاب فِي آخر عمره ، وَقَالَ فِي "علله" : إِنَّه حَدِيث لَا يَصح .
فَائِدَة ثَالِثَة : "شبْرمَة" بِضَم الشين وَالرَّاء ، ذكره ابْن مَنْدَه ، وَأَبُو نعيم فِي "الصَّحَابَة" ، وَهُوَ من الْأَفْرَاد ، و "نُبَيْشَة" غير مَنْسُوب أَيْضا ، توفّي فِي حَيَاة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَلَيْسَ "نُبَيْشَة الْهُذلِيّ" وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة نُبَيْشَة غَيرهمَا .
فَائِدَة رَابِعَة (غَرِيبَة) : أَن هَذَا الحَدِيث من رِوَايَة ابْن عَبَّاس ، وَمن رِوَايَة عَائِشَة ، وظفرت لَهُ بطرِيق ثَالِث من حَدِيث أبي الزبير ، عَن جَابر ، " سمع رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا وَهُوَ يُلَبِّي : لبيْك عَن شبْرمَة .
فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : أحججت عَن نَفسك ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ : أَفلا حججْت عَن
نَفسك ثمَّ حججْت عَن شبْرمَة " .
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي "مُعْجَمه" ، عَن أَحْمد بن يُوسُف (بن) الضَّحَّاك ، نَا عمر بن يَحْيَى ، نَا ثُمَامَة ، نَا أَبُو الزبير .
فَذكره .