الحَدِيث الثَّانِي عشر من أحرم من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام بِحجَّة
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من أحرم من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام بِحجَّة أَو عمْرَة غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر " .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد من حَدِيث ابْن لَهِيعَة ، عَن جَعْفَر بن ربيعَة ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي صعصعة ، عَن أم حَكِيم السلمِيَّة ، عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم -) قَالَ : " من
أَحْرَمَ من بَيت الْمُقَدّس غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه " وَفِي لفظ : " من أَهَلَّ من الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِعُمْرَة ، أَو (بِحجَّة) " ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَن أَحْمد بن صَالح نَا ابْن أبي فديك ، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن يُحَنَّس ، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان الأخنسي ، عَن جدَّته حُكيمة أم حَكِيم ، عَن أم سَلمَة أم الْمُؤمنِينَ أَنَّهَا سَمِعت النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : " من أَهَلَّ بحجةٍ أَو عُمرةٍ من الْمَسْجِد الْأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام ؛ غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر ، أَو وَجَبت لَهُ الْجنَّة " شكّ عبد الله السالف أَيهمَا قَالَ .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيقين ، عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق ، إِحْدَاهمَا : عَنهُ قَالَ : حَدثنِي سُلَيْمَان بن سحيم ، عَن أم حَكِيم بنت أُميَّة ، عَن أم سَلمَة أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : " من أَهَلَّ بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس غفر لَهُ " .
(ثَانِيهمَا) : عَنهُ ، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان ، عَن أمه أم حَكِيم بنت أُميَّة ، عَن أم سَلمَة ، (قَالَت) : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - " من أهل بِعُمْرَة من بَيت الْمُقَدّس ، كَانَت كَفَّارَة لما قبلهَا من الذُّنُوب .
(قَالَت) : فَخَرَجْتُ - (أَي) من بيتِ المقدسِ - بعمرةٍ" ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي "سنَنه" من طرق إِحْدَاهَا : طَرِيق أبي دَاوُد وَلَفظه ، إِلَّا أَنه قَالَ : "بحجٍّ" بدل "بحجَّةٍ"
وَقَالَ : "وَوَجَبَت لَهُ الْجنَّة" من غير شكّ .
ثَانِيهَا كَذَلِك إِلَّا أَنه (قَالَ) : عَن يَحْيَى ، عَن أمه ، عَن أم سَلمَة - رفعته - : " من (أقدم) (من) بَيت الْمُقَدّس بِحَجّ أَو عمْرَة كَانَ من ذنُوبه (كَيَوْم) وَلدته أمه " وَفِي سَنَد هَذِه : الْوَاقِدِيّ ، عَن عبد الله بن يحنس .
ثَالِثهَا : من طَرِيق ابْن مَاجَه الأولَى ، لكنه قَالَ : عَن سُلَيْمَان بن سليم ، عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان ، عَن أمه أم حَكِيم ، عَن أم سَلمَة مَرْفُوعا : " من أهل بِحجَّة أَو عمْرَة من بَيت الْمُقَدّس غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه " وأعل هَذَا الحَدِيث (أَبُو مُحَمَّد) ابن حزم فَإِنَّهُ ذكره فِي "محلاه" من طَرِيق أبي دَاوُد وَمن طَرِيق ابْن مَاجَه الأولَى ، ثمَّ قَالَ : (هَذَانِ) الأثران لَا يشْتَغل بهما من لَهُ أدنَى علم بِالْحَدِيثِ (لِأَن) يَحْيَى بن [ أبي ] سُفْيَان الأخنسي ، وجدته حكيمة ، وَأم حَكِيم بنت أُميَّة لَا يُدْرى من هم من النَّاس ، وَلَا يجوز مُخَالفَة مَا صَحَّ بِيَقِين بِمثل
هَذِه المجهولات الَّتِي لم تصح قطّ .
هَذَا آخر كَلَامه ومقتضاهُ أنَّ أم حَكِيم غير حكيمة وَهِي هِيَ ؛ فَإِنَّهَا أم حَكِيم حكيمة بنت أُميَّة بن الْأَخْنَس بن عبيد جدة يَحْيَى بن أبي سُفْيَان ، وَقيل : أمه ، وَقيل : خَالَته ، رَوَى عَنْهَا (يَحْيَى) بن أبي سُفْيَان ، (وَسليمَان) بن سحيم ذكرهَا ابْن حبَان فِي "ثقاته" .
وَيَحْيَى بن أبي سُفْيَان الأخنسي رَوَى عَنهُ جمَاعَة ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : شيخ من شُيُوخ الْمَدِينَة لَيْسَ بالمشهور .
وَذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" ، رَوَى عَن أم حَكِيم فارتفعت (عَنْهَا) الْجَهَالَة العينية والحالية ، لَا جرم أخرجه ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" من طَرِيق سُلَيْمَان ابن سُحيم [ عَن يَحْيَى بن أبي سُفْيَان الأخنسي ] عَن أمه أم حَكِيم ، عَن أم سَلمَة سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يَقُول) : " من أهل من الْمَسْجِد الْأَقْصَى بِعُمْرَة غُفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه .
(قَالَ) : (فركبَتْ) أمُّ حَكِيم إِلَى بَيت الْمُقَدّس (حَتَّى) (أَهَلَّتْ) بِعُمْرَة " .
وأعلَّه عبد
الْحق بِمَا ناقشهُ فِيهِ ابْن الْقطَّان ؛ فَإِن ( عبد الْحق ) قَالَ : فِي إِسْنَاده يَحْيَى الأخنسي ، قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ : إِنَّه شيخ من شُيُوخ الْمَدِينَة ، لَيْسَ بالمشهور مِمَّن يحْتَج بِهِ .
قَالَ ابْن الْقطَّان : كَذَا ذكر عَن أبي حَاتِم ، وَلَيْسَ عِنْده فِي كِتَابه لَفْظَة : "مِمَّن يحْتَج بِهِ" .
وَهُوَ كَمَا قَالَ .
وَلَعَلَّ الإشبيلي ظَفَر بِهَذِهِ اللَّفْظَة فِي غير "الْجرْح وَالتَّعْدِيل " ، وأَعَلَّه غَيرهمَا بأمرٍ آخر ، ذكر الدارقطني فِي "علله" أَنه اختُلِف فِي إِسْنَاده ، وَهُوَ كَمَا قَالَ كَمَا شاهدته ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : اخْتلفت (الروَاة) فِي مَتنه وَإِسْنَاده اخْتِلَافا كثيرا .
وَقَالَ فِي كَلَامه عَلَى "الْمُهَذّب" : إِنَّه حَدِيث غَرِيب .
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي "شرح الْمُهَذّب" : إِسْنَاده لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
ثمَّ أنكر عَلَى صَاحب "الْمُهَذّب" حَيْثُ رَوَى حَدِيث أم سَلمَة هَذَا بِلَفْظ : "وَوَجَبَت لَهُ الْجنَّة" بِالْوَاو ، فَقَالَ : كَذَا وَقع فِي أَكثر كتب الْفِقْه .
قَالَ : وَالصَّوَاب "أَو وَجَبت" بـ"أَو" بِالشَّكِّ ، أَي كَمَا تقدم عَن أبي دَاوُد ، قَالَ : وَكَذَا هُوَ ب "أَو" فِي كتب الحَدِيث ، وصرحوا بِأَنَّهُ شكّ من عبد الله بن عبد الرَّحْمَن .
وَقد (أسلفناه) لَك من طَرِيق الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث (عبد الله) الْمَذْكُور
(من) غير شكّ ، وَقَالَ البُخَارِيّ فِي "تَارِيخه" : مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن يحنس حَدِيثه فِي الْإِحْرَام من بَيت الْمُقَدّس (لَا يثبت) .
وجزمَ بِهَذَا الذَّهَبِيّ فِي "ضُعَفَائِهِ" ، فِي حرف الْمِيم ، لكنه قَالَ : لَا يُتَابع عَلَيْهِ .
وَلم أر أَنا هَذَا فِي طَرِيق الحَدِيث ، وَالَّذِي فِيهِ عبد الله بن عبد الرَّحْمَن لَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن فَلْيتَأَمَّل .