الحَدِيث الرَّابِع عشر أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة مرَّتَيْنِ
الحَدِيث الرَّابِع عشر نقلوا " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة مرَّتَيْنِ : مرّة (عمْرَة) الْقَضَاء ، وَمرَّة عمْرَة هوَازن " .
هَذَا (الحَدِيث) غَرِيب (غير مُسْتَقِيم فِي عمْرَة الْقَضَاء مِنْهَا ؛ فَإِنَّهُ
عَلَيْهِ السَّلَام خرج من الْمَدِينَة عَلَى قصد الْإِحْرَام ، وميقاتها : ذُو الحليفة حجًّا وَعمرَة) وَالْمَعْرُوف فِي الْأَحَادِيث " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر من الْجِعِرَّانَة مرّة وَاحِدَة " .
فَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" من حَدِيث أنس : " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر أَربع عُمَر ، كُلهنَّ فِي ذِي الْقعدَة إِلَّا الَّتِي مَعَ حجَّته عمْرَة من الْحُدَيْبِيَة - أَو زمن الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة - وَعمرَة (من) الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْقعدَة ، وَعمرَة من الْجِعِرَّانَة حَيْثُ قسّم غَنَائِم حنين فِي ذِي الْقعدَة ، وَعمرَة مَعَ حجَّته " .
وَقَالَ البُخَارِيّ : "من الْحُدَيْبِيَة" وَلم يقل "أَو زمن الْحُدَيْبِيَة" وَله فِي لفظ آخر "(عمْرَة) الْحُدَيْبِيَة فِي ذِي الْقعدَة حَيْثُ صده الْمُشْركُونَ ، وَعمرَة من الْعَام الْمقبل فِي ذِي الْقعدَة حَيْثُ صَالحهمْ .
" (وَذكر) الحَدِيث ، وأَتْبَعَه مُسلم بِحَدِيث قَتَادَة " سَأَلت أنسا : كم حج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ قَالَ : حجَّة وَاحِدَة ، وَاعْتمر أَربع عمر، " ثمَّ أَحَالَ فِي تَمام الحَدِيث عَلَى مَا تقدَّم ، وَسَاقه البخاريُّ (بِطُولِهِ) ، وَفِي أَفْرَاد البُخَارِيّ
من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ : " اعْتَمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي ذِي الْقعدَة قبل أَن يحجّ مرَّتَيْنِ " .
وَفِي "سنَن أبي دَاوُد" و "ابْن مَاجَه" و "جَامع التِّرْمِذِيّ" من حَدِيث ابْن عَبَّاس ، قَالَ " اعْتَمر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَربع عُمَر : عمْرَة (الْحُدَيْبِيَة) ، وَالثَّانيَِة : حِين تواطئوا عَلَى عمْرَة قَابل ، وَالثَّالِثَة : من الْجِعِرَّانَة ، وَالرَّابِعَة : الَّتِي قرن مَعَ حجَّته " وَأخرجه ابْن حبَان فِي "صَحِيحه" ، ( وَالْحَاكِم فِي "مُسْتَدْركه" وَقَالَ : صَحِيح) الْإِسْنَاد .
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي "الاقتراح" : إِنَّه عَلَى شَرط البُخَارِيّ .
وَذكر التِّرْمِذِيّ أَنه رُوِيَ مُرْسلا .
وَرَوَى الشَّافِعِي وَأحمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ اعتماره عَلَيْهِ السَّلَام من الْجِعِرَّانَة من رِوَايَة مُحَرِّش الكعبي الْخُزَاعِيّ (الصَّحَابِيّ) ، ثمَّ حسنه ، قَالَ : (وَلَا يعرف لَهُ) عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غَيره .
قَالَ ابْن الْقطَّان : وَإِنَّمَا
لم يُصَحِّحهُ ؛ لِأَن فِيهِ مُزَاحم بن أبي مُزَاحم وَهُوَ لَا يعرف لَهُ حَال .
قلت : بلَى ذكره ابْن حبَان فِي "ثقاته" ، وَقد أسلفنا فِي بَاب (صَلَاة) الْمُسَافِر عَن (أبي حَاتِم) بن حبَان أَن عمْرَة الْجِعِرَّانَة كَانَت فِي شَوَّال وَأَن عمْرَة الْقَضَاء فِي رَمَضَان ، وَهُوَ غَرِيب مِنْهُ وَالْمَعْرُوف أَنَّهُمَا كَانَتَا فِي ذِي الْقعدَة .
وَذكر ابْن سعد بِسَنَدِهِ إِلَى (عتبَة) مولَى ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : " لما قدم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من الطَّائِف نزل الْجِعِرَّانَة فقسم بهَا الْغَنَائِم ، ثمَّ اعْتَمر مِنْهَا ، وَذَلِكَ لليلتين بَقِيَتَا من شَوَّال" وكأَنَّ ابْن حبَان تَبِع هَذَا ، وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل السِّير "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام انْتَهَى إِلَى الْجِعِرَّانَة لَيْلَة الْخَمِيس لخمس لَيَال خلون من ذِي الْقعدَة ، فَأَقَامَ (بهَا) (ثَلَاث) عشرَة لَيْلَة ، فَلَمَّا أَرَادَ الِانْصِرَاف إِلَى الْمَدِينَة خرج لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لِاثْنَتَيْ عشرَة (بقيت) من ذِي الْقعدَة لَيْلًا ، فَأحْرم بِعُمْرَة وَدخل مَكَّة" وَمن الْغَرِيب رِوَايَة نَافِع "أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يعْتَمر من الْجِعِرَّانَة " ، وَرَوَاهُ البُخَارِيّ وَهُوَ وهم ، وَفِي "الصَّحِيحَيْنِ" من حَدِيث عَائِشَة الْإِنْكَار عَلَى ابْن عمر فِي (كَونه) عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر فِي رَجَب ، وَأجَاب ابْن حبَان
فِي "صَحِيحه" بِأَن (الْحَبْر الْفَاضِل قد ينسَى بعض مَا يسمع من السّنَن أَو يشهدها) .
وَفِي "سنَن أبي دَاوُد" عَنْهَا " أَنه عَلَيْهِ السَّلَام اعْتَمر عمرتين : عمْرَة فِي ذِي الْقعدَة ، وَعمرَة فِي شَوَّال " .
فَائِدَة : الجِعْرانة بِكَسْر الْجِيم وَإِسْكَان الْعين ، وَتَخْفِيف الرَّاء ، وَكَذَا الْحُدَيْبِيَة بتَخْفِيف الْبَاء ، هَذَا قَول الشَّافِعِي فيهمَا ، وَبِه قَالَ أهل اللُّغَة وَالْأَدب وَبَعض الْمُحدثين ، وَقَالَ ابْن وهب - صَاحب مَالك - : هما بِالتَّشْدِيدِ .
وَهُوَ قَول أَكثر الْمُحدثين ، وَالصَّحِيح تخفيفهما ، قَالَ صَاحب "الْمطَالع" : الْجِعِرَّانَة مَا بَين الطَّائِف وَمَكَّة وَهِي إِلَى مَكَّة أقرب .
قَالَ : وَالْحُدَيْبِيَة عَلَى نَحْو مرحلة من مَكَّة .
وَقَالَ الرَّافِعِيّ : الْجِعِرَّانَة وَالْحُدَيْبِيَة كِلَاهُمَا عَلَى (سِتّ) فراسخ من مَكَّة ، وَالْحُدَيْبِيَة قَرْيَة لَيست بالكبيرة ، سميت ببئر هُنَاكَ عِنْد مَسْجِد الشَّجَرَة ، وَقد جَاءَ فِي (الحَدِيث) هِيَ بِئْر ، قَالَ مَالك : هِيَ من الْحرم ، وَقيل : بَعْضهَا من الحِلِّ .