آثار الباب
وَأما آثاره فَأَرْبَعَة : أَولهَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : " لَا حصر إِلَّا حصر الْعَدو " .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن
ابْن طَاوس ، عَن أَبِيه ، عَن ابْن عَبَّاس .
وَعَن عَمْرو بن دِينَار ، عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ : " لَا حصر إِلَّا حصر الْعَدو" زَاد أَحدهمَا : "ذهب الْحصْر الْآن " .
قَالَ النَّوَوِيّ : وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
ثَانِيهَا : عَن سُلَيْمَان بن يسَار " أَن أَبَا أَيُّوب الْأنْصَارِيّ خرج حاجًّا حَتَّى إِذا كَانَ بالنازية من طَرِيق مَكَّة ضلت رَاحِلَته ، فَقدم عَلَى عمر بن الْخطاب يَوْم النَّحْر فَذكر ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَهُ عمر : اصْنَع كَمَا يصنع الْمُعْتَمِر ، ثمَّ قد حللت ، فَإِذا أدْركْت الْحَج قَابلا فاحجج وأهد مَا اسْتَيْسَرَ من الْهَدْي " .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ، " ثمَّ الشَّافِعِي ثمَّ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح ، قَالَ الرَّافِعِيّ : واشتهر ذَلِكَ فِي الصَّحَابَة وَلم يُنكره مُنكر .
والنازية بنُون ثمَّ زَاي ثمَّ مثناة تَحت ، ثمَّ هَاء كَذَا ضَبطه صَاحب الإِمَام وَسَبقه إِلَيْهِ الْبكْرِيّ فِي "مُعْجَمه" فَقَالَ : النازية عَلَى وزن فاعلة مَوضِع .
الْأَثر الثَّالِث : عَن عمر رَضي اللهُ عَنهُ " أَنه أَمر الَّذين فاتهم الْحَج بِالْقضَاءِ من قَابل ، فَقَالَ : فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ " .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح رَوَاهُ مَالك فِي "الْمُوَطَّأ" بِإِسْنَادِهِ الصَّحِيح عَن سُلَيْمَان بن يسَار " أَن هَبَّار بن الْأسود جَاءَ يَوْم النَّحْر وَعمر بن الْخطاب
ينْحَر هَدْيه فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، أَخْطَأنَا الْعدة كُنَّا نرَى أَن هَذَا الْيَوْم يَوْم عَرَفَة .
فَقَالَ عمر : اذْهَبْ إِلَى مَكَّة فَطُفْ أَنْت وَمن مَعَك وانحروا هَديا إِن كَانَ مَعكُمْ ، ثمَّ احْلقُوا أَو قصروا وَارْجِعُوا إِذا كَانَ (عَاما) قَابلا فحجوا وأهدوا ، فَمن لم يجد فَصِيَام ثَلَاثَة أَيَّام فِي الْحَج وَسَبْعَة إِذا رَجَعَ " وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَن الْأسود قَالَ : " سَأَلت عمر عَن رجل فَاتَهُ الْحَج ، قَالَ : يهل بِعُمْرَة وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل ، ثمَّ خرجت الْعَام الْمقبل فَلَقِيت زيد بن ثَابت فَسَأَلته عَن رجل فَاتَهُ الْحَج قَالَ : يهل بِعُمْرَة وَعَلِيهِ الْحَج من قَابل " .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرُوِيَ عَن إِدْرِيس الأودي عَنهُ فَقَالَ : "ويهريق دَمًا" .
قَالَ : وَرَوَاهُ الْأسود قَالَ : " ويهل بِعُمْرَة ويحج من قَابل وَلَيْسَ عَلَيْهِ هدي .
قَالَ : فَلَقِيت زيد بن ثَابت بعد عشْرين سنة فَقَالَ مثل قَول عمر " وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْأسود قَالَ : " جَاءَ رجل إِلَى عمر قد فَاتَهُ الْحَج قَالَ عمر : اجْعَلْهَا عمْرَة وَعَلَيْك الْحَج من قَابل " وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن الْحَارِث ابن عبد الله بن أبي ربيعَة قَالَ : " سَمِعت عمر وجاءه رجل فِي وسط أَيَّام التَّشْرِيق وَقد فَاتَهُ الْحَج فَقَالَ لَهُ عمر : طف بِالْبَيْتِ وَبَين الصَّفَا والمروة وَعَلَيْك الْحَج من قَابل .
وَلم يهد هَديا " قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذِه الرِّوَايَة وَمَا قبلهَا عَن الْأسود عَن عمر متصلتان ، وَرِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار عَنهُ مُنْقَطِعَة .
قَالَ الشَّافِعِي : الحَدِيث الْمُتَّصِل عَن عمر يُوَافق حديثنا عَن عمر وَيزِيد حديثنا عَلَيْهِ الْهَدْي ، وَالَّذِي يزِيد فِي
الحَدِيث أولَى بِالْحِفْظِ من الَّذِي لم يَأْتِ بِالزِّيَادَةِ ورويناه عَن ابْن عمر كَمَا قُلْنَا مُتَّصِلا ، وَفِي رِوَايَة إِدْرِيس الأودي - إِن صحت - "ويهريق دَمًا" وَهِي تشهد لرِوَايَة سُلَيْمَان بن يسَار بِالصِّحَّةِ ، وَرَوَى إِبْرَاهِيم بن طهْمَان ، عَن مُوسَى بن عقبَة ، عَن نَافِع ، عَن سُلَيْمَان بن يسَار ، عَن هَبَّار بن الْأسود أَنه حَدثهُ "أَنه فَاتَهُ الْحَج ... " فَذكره مَوْصُولا .
الْأَثر الرَّابِع : عَن ابْن عَبَّاس رَضي اللهُ عَنهُ أَنه قَالَ : " الْأَيَّام المعلومات أَيَّام الْعشْر ، والمعدودات أَيَّام التَّشْرِيق " .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ) عَنهُ بِإِسْنَاد صَحِيح ، وَصَححهُ ابْن السكن وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُور عَنهُ ، وَإِنَّمَا نقل صَاحب الْبَيَان عَنهُ أَنه قَالَ : " إِن الْأَيَّام المعلومات أَرْبَعَة : يَوْم عَرَفَة والنحر ويومان بعده " .
فَغَرِيب ، وَالْمَعْرُوف عَنهُ مَا تقدم ، وَنقل صَاحب الْبَيَان مثله عَن عَلّي ، وَاتفقَ الْعلمَاء عَلَى أَن الْأَيَّام المعدودات هِيَ أَيَّام التَّشْرِيق ، وَهِي ثَلَاثَة بعد يَوْم النَّحْر .
قَالَ : ومذهبنا أَن الْأَيَّام المعلومات هِيَ الْعشْر الأول من ذِي الْحجَّة آخرهَا يَوْم النَّحْر .
وَقَالَ مَالك : وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام ، يَوْم النَّحْر ويومان بعده .
فالحادي عشر وَالثَّانِي عشر عِنْده من المعلومات والمعدودات .
وَقَالَ أَبُو حنيفَة : ثَلَاثَة أَيَّام : يَوْم عَرَفَة ، والنحر ، وَالْحَادِي عشر .
كَذَا نَقله عَنهُ ، وَنقل الزَّمَخْشَرِيّ (فِي كشافه) عَنهُ وَعَن
صَاحِبيهِ (كمذهبنا) قَالَ صَاحب الْبَيَان : وَفَائِدَة الْخلاف أَن عندنَا يجوز ذبح الْهَدَايَا والضحايا فِي أَيَّام التَّشْرِيق كلهَا ، وَعند مَالك لَا يجوز فِي الْيَوْم الثَّالِث .
وَقَالَ : فِي الْعِيد فَائِدَة وَصفه بِأَنَّهُ مَعْلُوم جَوَاز النَّحْر فِيهِ (وَفَائِدَة أَنه مَعْدُود ، انْقِطَاع الرَّمْي فِيهِ) .