الحَدِيث الرَّابِع لَا تَأْكُل مِنْهَا أَنْت وَلَا أحد من أهل رفقتك
الحَدِيث الرَّابِع أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ فِي الْهَدْي إِذا عطب : لَا تَأْكُل مِنْهَا أَنْت وَلَا أحد من أهل رفقتك . هَذَا الحَدِيث انْفَرد مُسلم بِإِخْرَاجِهِ من طَرِيقين : أَحدهمَا عَن أبي التياح عَن مُوسَى بن سَلمَة بن المحبق الْهُذلِيّ قَالَ : انْطَلَقت أَنا وَسنَان بن سَلمَة معتمرين . قَالَ : وَانْطَلق سِنَان مَعَه ببدنة يَسُوقهَا .
فأزحفت عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ فَعِييَ بشأنها إِن هِيَ أبدعت كَيفَ يَأْتِي بهَا ، فَقَالَ : لَئِن قدمت الْمَدِينَة لأستحفين عَن ذَلِكَ . قَالَ : فأضحيت . قَالَ : فنزلنا الْبَطْحَاء ، قَالَ : انْطلق بِنَا إِلَى ابْن عَبَّاس نتحدث لَهُ : فَذكر لَهُ شَأْن بدنته .
فَقَالَ : عَلَى الْخَبِير سَقَطت ، بعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ بست عشرَة ] بَدَنَة مَعَ رجل وأمَّره فِيهَا ، قَالَ : فَمَضَى ثمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : يَا رَسُول الله ، كَيفَ أصنع [ بِمَا ] أبدع عليّ مِنْهَا ؟ قَالَ : (انحرها) ثمَّ اصبغ نعليها فِي دَمهَا ، ثمَّ اجْعَلْهُ عَلَى صفحتها ، وَلَا تَأْكُل مِنْهَا أَنْت وَلَا أحد من أهل رفقتك . وَفِي رِوَايَة لَهُ ثَمَان عشرَة بَدَنَة . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث ابْن عليَّة ، عَن أبي التياح ، عَن مُوسَى بِهِ ، ثمَّ قَالَ : لم يسمع ابْن عليَّة من أبي التياح غير هَذَا الحَدِيث ، وَمَعْنى أزحفت : وقفت من الكلال .
وأبدعت : كلت أَيْضا . ولأستحفين - بِالْحَاء الْمُهْملَة - أَي : لأسألن سؤالاً بليغًا عَن ذَلِكَ . وأضحيت : (نزلت) فِي وَقت الضُّحَى .
(ثَانِيهمَا) : عَن قَتَادَة عَن سِنَان بن سَلمَة عَن ابْن عَبَّاس وَقد ذكره صَاحب الْمُهَذّب من هَذَا الْوَجْه وأوضحت الْكَلَام عَلَيْهِ فِي تخريجي لأحاديثه ، قَالَ : قَالَ الْحَافِظ رشيد الدَّين الْعَطَّار : وَإِسْنَاده غير مُتَّصِل عِنْد جمَاعَة من أهل النَّقْل ، فَإِن قَتَادَة لم يسمع هَذَا الحَدِيث من سِنَان بن سَلمَة ، قَالَه الإمامان يَحْيَى بن سعيد الْقطَّان وَيَحْيَى بن معِين ، وناهيك بهما جلالة وَمَعْرِفَة بِهَذَا الشَّأْن ، وَذكر الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْمَقْدِسِي أَيْضا أَن هَذَا الحَدِيث مَعْلُول من ثَلَاثَة أوجه : عُمْدَتُها مَا قَالَه يَحْيَى الْقطَّان وَابْن معِين ، قَالَ الْحَافِظ رشيد الدَّين : وَمِمَّا يُؤَيّد ذَلِكَ أَن سِنَان بن سَلمَة هَذَا هُوَ سِنَان بن سَلمَة بن المحبق مَعْدُود فِي الصَّحَابَة ، وَله أَيْضا رِوَايَة عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد نَص أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ عَلَى أَن قَتَادَة لم يلق من أَصْحَاب رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَّا أنس بن مَالك وَعبد الله بن سرجس ، وَذكر البُخَارِيّ فِي تَارِيخه أَنه سمع أنسا وَأَبا الطُّفَيْل وَلم يذكر (من) الصَّحَابَة غَيرهمَا والعذر لمُسلم إِنَّمَا أخرج هَذَا الحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد فِي الشواهد ليبين أَنه قد رُوِيَ من غير وَجه عَن ابْن عَبَّاس وَإِلَّا فقد أخرجه قبل ذَلِكَ من حَدِيث أبي التياح عَن مُوسَى بن سَلمَة عَن ابْن عَبَّاس مُتَّصِلا فَثَبت اتِّصَاله . قلت : وَرَوَاهُ أَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة وَابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث نَاجِية الْأَسْلَمِيّ رَضي اللهُ عَنهُ بِنَحْوِهِ ، وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ . (فَائِدَة) : الرَّافِعِيّ اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث أَنه لَا يجوز لفقراء الرّفْقَة الْأكل مِنْهَا ، وَفِيه نظر لاحْتِمَال أَن المُرَاد بالرفقة الْأَغْنِيَاء فَهِيَ وَاقعَة عين لَا عُمُوم فِيهَا .