الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين اسْقِ يَا زبير
الحَدِيث الثَّالِث بعد الْعشْرين أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ للزبير حِين خاصمه الْأنْصَارِيّ فِي شراج الْحرَّة الَّتِي يسقون بهَا النّخل : اسْقِ يَا زبير ، ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك . فغَضب الْأنْصَارِيّ وَقَالَ أَن كَانَ ابْن عَمَّتك ؟ فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ قَالَ للزبير : اسْقِ يَا زبير ، واحبس المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر ، ثمَّ أرْسلهُ . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث عبد الله ابن الزبير : أَن رجلا من الْأَنْصَار خَاصم الزبير عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شراج الْحرَّة الَّتِي يسقون بهَا النّخل ، فَقَالَ الْأنْصَارِيّ : سرِّح المَاء يمر .
فأَبَى عَلَيْهِ ؛ فاختصما عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للزبير : اسْقِ يَا زبير ، ثمَّ أرسل المَاء إِلَى جَارك . فغَضب الْأنْصَارِيّ ، فَقَالَ لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَن كَانَ ابْن عَمَّتك ؟ فَتَلَوَّنَ وَجه رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثمَّ قَالَ : يَا زبير : اسْقِ ، ثمَّ احْبِسْ المَاء حَتَّى يرجع إِلَى الْجدر . فقَالَ الزبير : وَالله ؛ إِنِّي لأحسبُ هَذِه الْآيَة أُنزلت فِي ذَلِك : فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ .
وَفِي بعض طُرق البُخَارِيّ : وَالله إِن هَذِه الْآيَة أنزلت فِي ذَلِك : (فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ) . وَفِي رِوَايَة لَهُ : اسْقِ يَا زبير - فَأمره بِالْمَعْرُوفِ - ثمَّ أرسل إِلَى جَارك وَقَالَ فِيهِ بعد الْجدر : واستوعى لَهُ حقَّه . قال البُخَارِيّ : فاستوعى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَامُ للزبير حقَّه فِي صَرِيح الحكم حِين أحفظه الْأنْصَارِيّ ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَمْر (لَهُ) فِيهِ سَعَة .
وَقَالَ ابْن شهَاب : فقدَّرت الْأَنْصَار وَالنَّاس قَول رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اسْقِ ، ثمَّ احْبسِ المَاء إِلَى الْجدر وَكَانَ ذَلِك إِلَى الْكَعْبَيْنِ . ذَكَرَهُ فِي كتاب الشّرْب . فَائِدَة : الشراج : بِكَسْر الشين الْمُعْجَمَة وَتَخْفِيف الرَّاء ، جمع شَرَجة بِفَتْح الشين وَالرَّاء ، وَهِي : مسيل المَاء ، وَقَالَ أَبُو عبيد : الشرج نهر صَغِير ، والحرة : أَرض يركبهَا حِجَارَة سود ، وَذَلِكَ لشدَّة حرهَا ووهج الشَّمْس فِيهَا .
وَقَوله : أَن كَانَ ابْن عَمَّتك بِفَتْح الْهمزَة من أَن وَمَعْنَاهُ : من أجل أَنه ابْن عَمَّتك ؛ لِأَن أُمَّ الزبير صَفِيَّة بنت عبد الْمطلب عمَّة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . والجدر - بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا ، وبالدال الْمُهْملَة - : الْحَائِط ، وَقيل : أصل الْجِدَار ، وَقيل : أصل الشّجر ، وَقيل : المُسَنَّاةُ ، وَقيل : جُدور المشارب ، الَّتِي يجْتَمع فِيهَا المَاء فِي أصُول النّخل . قال الْخطابِيّ : هَكَذَا الرِّوَايَة : الْجدر والمتقنون من أهل الرِّوَايَة يَقُولُونَهُ - يَعْنِي : بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة - وَهُوَ مبلغ تَمام الشّرْب ، وَمِنْه جدر الْحساب .
وَقَوله تَعَالَى : (فِيمَا شجر بَينهم) أَي : فِيمَا اخْتلفُوا فِيهِ . وَقَوله : استوعى أَي : اسْتَوْفَى واستكمل . وَأبْعد من قَالَ : أمره ثَانِيًا أَن يَسْتَوْفِي أَكثر من حَقه (عُقُوبَة للْأَنْصَارِيِّ .
حكَاهُ ابْن الصّباغ ، وَالْأَشْبَه أَنه أمره أَن يَسْتَوْفِي حَقه ويستقضي فِيهِ تغلظًا عَلَى الْأنْصَارِيّ بعد أَن سهل عَلَيْهِ) . فَائِدَة أُخْرَى : اخْتلف فِي اسْم الْأنْصَارِيّ الْمَذْكُور عَلَى أَقْوَال ، أَحدهَا : أَنه حَاطِب بن أبي بلتعة ، ثَانِيهَا : ثَعْلَبَة بن حَاطِب ، ثَالِثهَا : حميد ، حكاهن ابْنُ باطيش ، وَحَكَى الأول وَالثَّانِي ابْن (معن) فِي تنقيبه وَضعف النَّوَوِيّ الأول فِي تهذيبه وَقَالَ : إِنَّه لَا يَصح ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أنصاريًّا ، وَقد ثَبت فِي صَحِيح البُخَارِيّ أَن هَذَا الْأنْصَارِيّ كَانَ بدريًّا (وَحَكَى ابْن بشكوال فِي غوامضه قولا أَنه ثَابت بن قيس مَعَ حَاطِب السالف ، وغريب أَنه ذُو الْخوَيْصِرَة) .