الحَدِيث الْعَاشِر أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حلف الفضول
الحَدِيث الْعَاشِر أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي حلف الفضول . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ الْحميدِي عَن سُفْيَان ، عَن عبد الله ، عَن مُحَمَّد ، وَعبد الرَّحْمَن بن أبي بكر قَالَا : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لقد شهدتُ فِي دَار عبد الله بن جدعَان حلفا ، لَو دعيت بِهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت ، تحالفوا أَن (يردوا) الفضول (عَلَى) أَهلهَا ، وَأَن لَا يَعُد (ظَالِم) مَظْلُوما . وَرَوَاهُ ابْن أبي أُسَامَة فِي مُسْنده أَيْضا ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث طَلْحَة بن عبد الله بن عَوْف .
(قَالَ) السُّهيْلي : وَهَذَا أَقْوَى وَأولَى مَا ورد فِي تَفْسِير حلف الفضول . قال : وَقَول ابْن قُتَيْبَة فِيهِ حسنٌ ، وَهُوَ كَانَ قد سبق قُريْشًا إِلَى مثل هَذَا الْحلف جرهم فِي الزَّمن الأوَّل فتحالف مِنْهُم ثَلَاثَة ، هم ومَنْ تَبِعَهُمْ : الْفضل بن فضَالة ، وَالْفضل بن ودَاعَة ، وَالْفضل بن الْحَارِث - وَقيل : ابْن (رِفَاعَة) - فلمَّا أشبه فعل قُرَيْش الآخر فعل هَؤُلَاءِ الجرهميين سُمِّي حِلف الفضول ، وَكَانَ ذَلِك فِي ذِي الْقعدَة قبل المبعث بِعشْرين سنة ، ثمَّ ذكر السُّهيْلي سَبَب ذَلِك وأوضحه (كعادته) . (قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكَذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْحلف الأول وَكَانَ مَعَ المطيبين) .
قلت : فِي مُسْند أَحْمد من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : شهدتُ حِلْفَ المطيبين مَعَ عمومتي ، وَأَنا غُلَام ، فَمَا أُحِبُّ أَن لي حُمْرَ النّعم وَأَنِّي (أنكثه) . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أَيْضا رَفَعَهُ : شهِدت وَأَنا غُلَام حلف المطيبين ، فَمَا أُحب أَن أنكثه وَأَن لي (بِهِ) حُمْرَ النعم . وَفِي رِوَايَة لَهُ : شهدتُ مَعَ عمومتي (وَرَوَى هَذَا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه بِلَفْظ شهِدت غُلَاما مَعَ عمومتي) حلف المطيبين ، فَمَا (ترَى) أَن لي حُمْر النعم وَإِنِّي أنكثه .
ثُمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد . وَكَذَا أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه . وَفِي سنَن الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَفعه : (مَا شهِدت حلفا إِلَّا حلف قُرَيْش من حلف المطيبين ، وَمَا أحب لي بِهِ حمر النعم ، وَأَنِّي كنت نقضته .
وَالمطيبون : هَاشم و [ أُميَّة ] وزهرة ، ومخزوم ، وَرَوَى هَذَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِلَفْظ : مَا شهدتُ مِنْ حلف قُرَيْش إِلَّا حلف المطيبين ، وَمَا أحب أَن لي حمر النعم ، وَإِنِّي كنت نقضته . قال (ابْن حبَان) : والمطيبون : هَاشم و [ أُميَّة ] وزهرة ، ومخزوم . قال : وَلم يشْهد حلف المطيبين ؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَبْل مولده ، وَإِنَّمَا شهد حلف الفضول ، وهُمْ (كالمطيبين) .
قال الْبَيْهَقِيّ : لَا أَدْرِي هَذَا التَّفْسِير من قَول أبي هُرَيْرَة أَو من دونه . قال : وَبَلغنِي أَنه قد قيل : حلف المطيبين ؛ لأَنهم غمسوا أَيْديهم فِي طِيْبٍ . قال الشَّافِعِي : وَقَالَ بَعضهم : حلفٌ من الفضول .
قال مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي : قَالَ بعض أهل الْمعرفَة بالسير وَأَيَّام النَّاس : إِن قَوْله فِي الحَدِيث : حلف المطيبين غلط ؛ إِنَّمَا هُوَ حلف الفضول ، وَذَلِكَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لم يدْرك حلف المطيبين ؛ لِأَن ذَلِك كَانَ قَدِيما قبل أَن يُولد بِزَمَان . وَكَذَا ذكر هَذَا الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه وابْنُ عدي فِي كَامِله ، وَفِي المستعذب عَلَى المهذَّب : حلف المطيبين والفضول حلفان كَانَا فِي الْجَاهِلِيَّة من قُرَيْش : أما الأول : فَلِأَن عَاتِكَة بنت عبد الْمطلب عملت لَهُم طيبا فِي جِفْنَةٍ وتركتها فِي الحِجْر ؛ فغمسوا أَيْديهم فِيهَا وتحالفوا ، وَقيل : إِنَّهُم مسحوا بِهِ الْكَعْبَة توكيدًا عَلَى أنفسهم . وَلأي أمرٍ تحالفوا ؟ قيل : عَلَى مَنْع الظَّالِم ونصْر الْمَظْلُوم .
وَقيل : كَانَ بَنُو عَبْدِ الدَّار أَرَادوا أخْذَ السِّقَايَة والرفادة من بني هَاشم ، فتحالفوا عَلَى مَنعهم ، وَنحر الْآخرُونَ جَزُورًا ، وغمسوا أَيْديهم فِي الدَّم ، وَقيل : سُمُّوا المطيبين لأَنهم تحالفوا عَلَى أَن ينفقوا ويطعموا الْوُفُود من طيب أَمْوَالهم . وَفِي حلف (الفضول) وَجْهَان : الأول : أَنه اجْتمع فِيهِ رجال أَسمَاؤُهُم الْفضل : ابْن الْحَارِث ، وَابْن ودَاعَة ، وَابْن فضَالة (كَمَا سلف) . والفضول جَمْع فضل ، قَالَ الْهَرَوِيّ : يُقَال : فضل وفضول ، كَمَا يُقَال : سعد وسعود .
وَقال الْوَاقِدِيّ : هم قوم من جرهم تحالفوا يُقَال لَهُم : فِضال وفُضال وفضالة ، فلمَّا تحالفت قُرَيْش عَلَى مثله سُمُّوا حلف الفضول . وَلأي أمْرٍ تحالفوا ؟ فَقيل : عَلَى أَن لَا يَجدوا بِمَكَّة مَظْلُوما من أَهلهَا ، أَو من غَيرهَا إِلَّا قَامُوا مَعَه . وَقيل : عَلَى أَنهم يُنْفقُونَ من فضول أَمْوَالهم ، فسمُّوا بذلك حلف الفضول .
وَقيل : سُمُّوا بذلك لفاضلِ ذَلِك الطِيْب . تَنْبِيه (خَاتِمَة) قَالَ الرَّافِعِيّ : وَكَانَ فِي قُرَيْش حِلفان قبل المبعث - وَالْحلف : الْعَهْد والبيعة - أَحدهمَا : أَنه وَقع نزاع بَين عبد منَاف وَبني عبد الدَّار ، فِيمَا كَانَ إِلَى قُصي من الحجابة والسقاية والرفادة واللواء ، فتبع عبد منَاف قبائل .. . إلَى آخِره .
وَقد بَيَّنَّاها . وَعبد منَاف وَعبد الدَّار ولدان لقُصيّ وَلَهُمَا أَخ ثَالِث اسْمه عبد الْعُزَّى ، وَالْمرَاد بالحجابة : حجاب الْكَعْبَة ، وَهِي ولَايَة فتحهَا وغلقها وَخدمتهَا ، ويُعبَّر عَن ذَلِك (بالسِّدَانةِ) أَيْضا (وَهِي) بكَسْر السِّين الْمُهْملَة ، وَالْمرَاد بالسقاية : الْقيام بتهيئة المَاء من زَمْزَم ، وطرْح الزَّبِيب فِيهِ لسقي الْحجَّاج ، والرِّفادة - بكَسْر الرَّاء - مَال كَانَت قُرَيْش تجمعه فِيمَا بَينهم عَلَى (قدر) طَاقَة كلٍّ مِنْهُم ، فيشترون بِهِ الطَّعَام وَالزَّبِيب لإطعام الْحجَّاج وسقيهم ، مَأْخُوذ من الرفد وَهُوَ الْإِعَانَة .