الحَدِيث الرَّابِع وَالْخَامِس اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا
الحَدِيث الرَّابِع وَالْخَامِس أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعاذ من الْفقر وَقَالَ : اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا . أما استعاذته عَلَيْهِ السَّلَام من الْفقر فثابت ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث عَائِشَة أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الكسل والهرم ، [ والمأثم ] والمغرم ، وَمن فتْنَة الْقَبْر وَعَذَاب الْقَبْر ، وَمن فتْنَة النَّار وَعَذَاب (النَّار) وَمن شَرّ فتْنَة الْغِنَى ، (وَمن شَرّ) فتْنَة الْفقر ، وَأَعُوذ بك من شَرّ فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ و صَحِيح ابْن حبَان وَالْحَاكِم - وَقَالَ : إِنَّه صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم - من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْفقر و [ الْقلَّة ] والذلة ، وَأَعُوذ بك أَن أَظلم أَو أُظلم وَفِي صحيحي ابْن حبَان وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي [ بكرَة ] أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُول فِي دبر الصَّلَاة : أعوذ بك من [ الْكفْر ] والفقر وَعَذَاب الْقَبْر قال الْحَاكِم : هَذَا صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم - فقد احْتج بِإِسْنَادِهِ سَوَاء سَتَكُون فتْنَة الْقَاعِد خير فِيهَا من الْقَائِم وَلم يخرجَاهُ . وَأما قَوْله اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا فَأخْرجهُ التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه فِي أَبْوَاب الزّهْد فِي بَاب مَا جَاءَ أَن فُقَرَاء الْمُهَاجِرين يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم من حَدِيث أنس أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا ، واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين يَوْم الْقِيَامَة .
قالت عَائِشَة : لِمَ يَا رَسُول الله ؟ قَالَ : إِنَّهُم يدْخلُونَ الْجنَّة قبل أغنيائهم بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا ، يَا عَائِشَة لَا تَرُدِّي الْمِسْكِين وَلَو بشق تَمْرَة ، يَا عَائِشَة أحبي الْمَسَاكِين وقربيهم فَإِن الله يقربك يَوْم الْقِيَامَة قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب . قلت : وَضَعِيف أَيْضا قَالَ : فِي إِسْنَاده الْحَارِث بن النُّعْمَان اللَّيْثِيّ ابْن أُخْت سعيد بن جُبَير ، قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ : لَيْسَ بِالْقَوِيّ . وَقال البُخَارِيّ : مُنكر الحَدِيث .
قلت : لَكِن لَهُ شَاهد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي أَبْوَاب الزّهْد من سنَنه فِي بَاب [ مجالسة ] الْفُقَرَاء قَالَ : (أَحبُّوا) الْمَسَاكِين فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول فِي دُعَائِهِ : اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين وَإِسْنَاده أَيْضا ضَعِيف ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة يزِيد بن سِنَان الرهاوي - وَقد ضَعَّفُوهُ - عَن [ أبي ] الْمُبَارك - وَهُوَ مَجْهُول ، كَمَا قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ وَالتِّرْمِذِيّ ، لَكِن ذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات - عَن عَطاء ، عَن أبي سعيد عَنهُ . وَغلا ابْن الْجَوْزِيّ فَذكر حَدِيث أبي سعيد هَذَا وَحَدِيث أنس السالف فِي مَوْضُوعَاته وَعلله بِمَا ذَكرْنَاهُ وَلم يذكر تَوْثِيق (أبي) الْمُبَارك ، وَإِنَّمَا اقْتصر عَلَى من جَهله ، وَالْحق أَن يذكر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة ، وَقد أخرجه الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه - وَكَذَا أَعنِي حَدِيث أبي سعيد - بِدُونِ ذكر هذَيْن الرجلَيْن ، وَحكم بِصِحَّتِهِ ، قَالَ فِي أَوَائِل مُسْتَدْركه فِي أثْنَاء كتاب الرقَاق : حَدثنِي إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل الْقَارئ ، ثَنَا عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ ، ثَنَا أَبُو أَيُّوب سُلَيْمَان بن عبد الرَّحْمَن الدِّمَشْقِي ، ثَنَا خَالِد بن يزِيد بن أبي مَالك ، عَن أَبِيه ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : أحيني مِسْكينا وتوفني (مِسْكينا) واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين ، وَإِن أَشْقَى الأشقياء من اجْتمع عَلَيْهِ فقر الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة ثمَّ قَالَ : حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قلت : لَكِن هَذَا مُخْتَلف فِيهِ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى تَضْعِيفه ، وَله (شَاهد) من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت قَالَ : كَانَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : اللَّهُمَّ أحيني مِسْكينا واحشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مُوسَى بن مُحَمَّد مولَى عُثْمَان بن عَفَّان ، ثَنَا معقل بن زِيَاد [ أبنا عبد الله بن زِيَاد ] ثَنَا جناد بن أبي أُميَّة قَالَ : سَمِعت عبَادَة .. .
فَذَكَرَهُ . وَرَوَى حَدِيث أبي سعيد السالف بِسَنَد الْحَاكِم لَكِن بمتابع قَالَ : أبنا أَبُو (الْحُسَيْن) بن الْفضل الْقطَّان بِبَغْدَاد ، أَنا أَبُو سهل بن زِيَاد بن الْقطَّان ، ثَنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ ، ثَنَا سُلَيْمَان بن شُرَحْبِيل ، ثَنَا خَالِد بن يزِيد بن أبي مَالك ، عَن أَبِيه ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ : سَمِعت أَبَا سعيد الْخُدْرِيّ يَقُول : يَا أَيهَا النَّاس ، اتَّقوا الله ، وَلَا تحملنكم (الْغيرَة) عَلَى أَن تَطْلُبُوا الرزق من غير حلّه ، فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : اللَّهُمَّ احشرني فِي زمرة الْمَسَاكِين وَلَا تحشرني فِي زمرة الْأَغْنِيَاء ، فَإِن أَشْقَى الأشقياء من اجْتمع عَلَيْهِ فقر الدُّنْيَا وَعَذَاب الْآخِرَة . قال الْبَيْهَقِيّ : قال أَصْحَابنَا : فقد استعاذ عَلَيْهِ السَّلَام من الْفقر .
قال الْبَيْهَقِيّ : وَقد رُوِيَ فِي [ حَدِيث شَيبَان عَن قَتَادَة ، عَن أنس ، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنه استعاذ من المسكنة والفقر فَلَا يجوز أَن يكون استعاذته من ] الْحَال الَّتِي [ شرفها ] فِي أَخْبَار كَثِيرَة ، وَلَا من الْحَال الَّتِي سَأَلَ أَن يَحْيَى و(يُثَاب) عَلَيْهَا ، وَلَا يجوز أَن يكون مَسْأَلته مُخَالفَة لما مَاتَ عَلَيْهِ السَّلَام فقد مَاتَ مكفيًا بِمَا أَفَاء الله عَلَيْهِ . قال : وَوجه هَذِه الْأَحَادِيث عِنْدِي وَالله أعلم ، أَنه استعاذ من فتْنَة الْفقر والمسكنة اللَّذين يرجع مَعْنَاهُمَا إِلَى الْقلَّة كَمَا استعاذ من فتْنَة الْغِنَى . قال : وَذَلِكَ بَين ، ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ حَدِيث عَائِشَة السالف ثمَّ قَالَ : وَفِيه دلَالَة عَلَى أَنه إِنَّمَا استعاذ من فتْنَة الْفقر دون حَال الْفقر ، وَمن فتْنَة الْغِنَى دون حَال الْغِنَى .
قال : وَأما قَوْله : أحيني مِسْكينا وأمتني مِسْكينا فَهُوَ إِن صَحَّ طَرِيقه فَفِيهِ نظر ، فَالَّذِي يدل عَلَيْهِ حَاله عِنْد وَفَاته أَنه لم يسْأَل حَال المسكنة الَّتِي يرجع مَعْنَاهَا إِلَى الْقلَّة إِنَّمَا سَأَلَ المسكنة الَّتِي يرجع مَعْنَاهَا إِلَى الإخبات والتواضع فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ الله تَعَالَى أَن لَا يَجعله من الجبارين المتكبرين وَأَن لَا يحشره فِي زمرة الْأَغْنِيَاء (المسرفين) . قال (القيبي) : والمسكنة حرف مَأْخُوذ من السّكُون ، يُقَال : تمسكن الرجل إِذا لَان وتواضع وخشع ، وَمِنْه قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام للْمُصَلِّي : تبأس وتمسكن يُرِيد تخشع وتواضع لله .