الحَدِيث الثَّانِي النِّكَاح سُنَّتي
الحَدِيث الثَّانِي عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنه قَالَ : النِّكَاح سُنَّتي ؛ فَمَنْ رغب عَن سنتي فَلَيْسَ منِّي . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي سنَنه من حَدِيث عِيسَى بن مَيْمُون ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة قَالَت : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : النِّكَاح من سُنَّتي ؛ فَمَنْ لم يعْمل بسُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ ، وَتَزَوَّجُوا ؛ فَإِنِّي مكاثرٌ بكم الْأُمَم ، ومَنْ (كَانَ) ذَا طول فَلْيَنْكِح ، ومَنْ لم يجد فَعَلَيهِ بالصيام ؛ فَإِن الصَّوْم وجاءٌ لَهُ . وَعِيسَى هَذَا ضَعِيف .
ويغني عَنهُ حديثِ أنسٍ الثابتُ فِي الصَّحِيحَيْنِ : أَن نَفرا من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ بَعضهم : لَا أتزوجُ ، وَقَالَ بَعضهم : أصلِّي وَلَا أَنَام ، وَقَالَ بَعضهم : أصومُ وَلَا أفطر ، فَبلغ ذَلِك رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : مَا بَال أَقوام قَالُوا كَذَا وَكَذَا ! لكني أَصوم وَأفْطر ، وأصلي وأنام ، وأتزوج النِّسَاء ؛ فَمَنْ رغب عَن سُنَّتي فَلَيْسَ منيِّ . قال الرَّافِعِيّ : وَورد فِيهِ غير ذَلِك من الْأَخْبَار ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ؛ فلنذكَر عشرَة مِنْهَا : أَحدهَا : حَدِيث عبد الله بن عَمرو بن العَاصِي رَفعه - : الدُّنْيَا مَتَاع ، وَخير متاعها الْمَرْأَة الصَّالِحَة . رَوَاهُ مُسلم .
وَفِي رِوَايَة للطبراني فِي أكبر معاجمه : الدُّنْيَا مَتَاع ، وَخير متاعها الزَّوْج الصَّالح . ثَانِيهَا : حَدِيث سعيد بن جُبَير قَالَ : قَالَ لي ابْن عَبَّاس : تزوَّجت ؟ قلت : لَا ، قَالَ : تزوَّجْ ؛ فَإِن خير هَذِه الأُمة كَانَ أَكْثَرهم نسَاء - يَعْنِي : رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . رَوَاهُ البُخَارِيّ .
ثَالِثهَا : حَدِيث الْحسن ، عَن سَمُرَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهَى عَن التبتل ، وَقَرَأَ قَتَادَة : (وَلَقَد أرسلنَا رسلًا من قبلك وَجَعَلنَا لَهُم أزاوجًا وذرية) رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن غَرِيب . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من رِوَايَة عَائِشَة ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : وَيُقَال : إنه حَدِيث صَحِيح . وَقال ( النَّسَائِيّ ) : إِنَّه أشبه بِالصَّوَابِ من حَدِيث سَمُرَة .
رَابِعهَا : حَدِيث أبي أَيُّوب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - رَفعه - : أَربع من سنَن الْمُرْسلين : الْحيَاء ، والتعطر ، والسواك ، وَالنِّكَاح . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن غَرِيب . وَقد أسلفنا الكلامَ عَلَيْهِ وَاضحا فِي الْكَلَام عَلَى السِّوَاك فِي أول الْكتاب .
خَامِسهَا : حَدِيث ابْن جريج ، عَن [ عمر بن ] عَطاء ، عَن عِكْرِمَة ، عَن ابْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صرورة فِي الْإِسْلَام . رواه أَحْمد (وَأَبُو دَاوُد ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ : رِجَاله كلهم ثِقَات . وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه) .
وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ (وَلم يخرجَاهُ . وَقَالَ النَّوَوِيّ : بعضه عَلَى شَرط مُسلم ، وَبَاقِيه عَلَى شَرط البُخَارِيّ) قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدِّين فِي (الإِمَام) : وَهَذَا بِنَاء عَلَى أَن عُمرَ بن عَطاء هُوَ ابْن أبي الخوار ، وَلَو كَانَ (الْأَمر) كَذَلِك لَكَانَ الْأَمر عَلَى مَا قَالَه الْحَاكِم وَالْمُنْذِرِي - أَي : وَالنَّوَوِيّ - وَلَكِن ابْن عدي ذكر لعمر ابن عَطاء بن وراز تَرْجَمَة أورد لَهُ فِيهَا (هَذَا الحَدِيث من جِهَة عِيسَى بن يُونُس ، عَن ابْن جريج ، وَمن جِهَة أبي خَالِد الْأَحْمَر) عَن ابْن جريج وَقَالَ فِي آخر التَّرْجَمَة : ولعُمر بن عَطاء غير مَا ذكرتُ من الحَدِيث ، وَهُوَ قَلِيل الحَدِيث ، وَلَا أعلم رَوَى عَنهُ غير ابْن جريج ، وَذكر عَن عَبَّاس الدوري ، عَن يَحْيَى بن معِين أَنه قَالَ : عمر بن عَطاء الَّذِي يروي عَنهُ ابْن جريج ، يحدِّث عَن عِكْرِمَة ؛ لَيْسَ (هُوَ) بِشَيْء ، وَهُوَ ابْن وراز ، وهُمْ يضعّفونه [ فِي ] كلَّ شَيْء عَن عِكْرِمَة ، هُوَ (عمر) بن عَطاء بن وراز ، وَعمر بن عَطاء بن أبي الخوار ثِقَة (و) هُوَ الَّذِي يحدِّث عَنهُ أَيْضا ابْن جريج . وَقال النَّسَائِيّ : عمر بن عَطاء بن وراز ضَعِيف .
وَقال يَحْيَى بن معِين : لَيْسَ بِشَيْء . وَقال أَحْمد : لَيْسَ بالقويّ فِي الحَدِيث . قلت : وَكَذَا فهم مَا فهمه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ، الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، وَذكر فِي أَطْرَافه عقب هَذَا الحَدِيث قولة يَحْيَى بن معِين السالفة ، و(غلَّط) ابْن طَاهِر ، الْحَاكِم فِي دَعْوَاهُ السالفة فِي تَخْرِيجه لأحاديث الشهَاب ثمَّ تبيَّن - بِفضل الله ومَنِّه - أَن مَا (قَالَه) الْحَاكِم هُوَ الصَّوَاب .
قال الطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه : ثَنَا أَبُو يزِيد (القراطيسي) ، ثَنَا حجاج بن إِبْرَاهِيم الْأَزْرَق - وَهُوَ من الثِّقَات - ثَنَا عِيسَى بن يُونُس ، عَن ابْن جريج ، عَن عمر بن عَطاء بن (أبي) الخوار ، عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس ، أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا صرورة فِي الْإِسْلَام . فَثَبت بِهَذَا أَن عمر بن عَطاء بن أبي الخوار يرويهِ أَيْضا - وَللَّه الْحَمد - وَهُوَ لم يَقع فِي رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم مَنْسُوبا . (فَائِدَة) : الصرورة - بِفَتْح الصَّاد الْمُهْملَة - : الَّذِي لم يتَزَوَّج ، وَالَّذِي لم يحجّ أَيْضا ، وَقَالَ ابْن الْأَعرَابِي : الصرورة فِي الْجَاهِلِيَّة : مَنْ لم يتزوَّج ، وَفِي الْإِسْلَام : مَنْ لم يحجّ ، حَكَاهُ الْمُطَرز .
سادسها : حَدِيث ابْن عَبَّاس أَيْضا أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لم يُر (للمتحابين) مِثْلَ (التَّزَوُّج) . رَوَاهُ ابْن مَاجَه ، وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم ، وَلم يخرجَاهُ ؛ لِأَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمعمر بن رَاشد (أوقفاه) عَن إِبْرَاهِيم بن ميسرَة ، عَن ابْن عَبَّاس . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ مُرْسلا ، وَقَالَ الْعقيلِيّ : وقْفه أوْلى .
قلت : وَفِي إِسْنَاده : مُحَمَّد بن مُسلم الطَّائِفِي ، وَفِيه مقَال ، وَمُسلم أخرج لَهُ ؛ فَصَحَّ قَول الْحَاكِم أَنه عَلَى شَرطه . سابعها : حَدِيث عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : تزوَّجوا النِّسَاء ؛ فَإِنَّهُنَّ يأتيَنكم بِالْمَالِ . (رَوَاهُ الْحَاكِم أَبُو أَحْمد فِي كِتَابه وتلميذه الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي مُسْتَدْركه وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، وَلم يخرجَاهُ ؛ لِتَفَرُّد [ سلم ] بن جُنَادَة بِسَنَدِهِ ، و [ سلم ] ثِقَة مَأْمُون .
وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله عَن [ الرّبيع بن نَافِع ] عَن حَمَّاد ، عَن هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه عُرْوَة أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : انْكَحُوا النِّسَاء ؛ فَإِنَّهُنَّ يَأْتينكُمْ بِالْمَالِ ) . قال الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : وَهُوَ أصح من الْمسند . ثامنها : من حَدِيث ابْن جريج ، عَن مَيْمُون [ أبي ] الْمُغلس ، عَن أبي نجيح و(هُوَ) أَبُو عبد الله بن أبي نجيح قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ كَانَ مُوسِرًا لِأَن ينْكح فَلم ينْكح ؛ فَلَيْسَ منا .
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَقَالَ : هُوَ مُرْسل . وَكَذَا قَالَ الدولابي فِي كُنَاه أَنه مُرْسل . وَقال الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه : يُشك فِي صحبته .
ثمَّ رَوَى لَهُ مَعَ هَذَا الحَدِيث حَدِيثا آخر ، وَذكره ابْن عبد الْبر فِي استيعابه فِي جملَة الصَّحَابَة وَقَالَ : (لَهُ) حَدِيث وَاحِد فِي النِّكَاح ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي مراسيله وَهُوَ يُقَوي مَا تقدم عَن الْبَيْهَقِيّ ومَنْ وَافقه . تاسعها : حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ثَلَاثَة حق عَلَى الله [ أَن ] يعينهم : الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله ، والناكح يُرِيد أَن يستعفف ، وَالْمكَاتب يُرِيد الْأَدَاء . رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حسن .
وَالْحَاكِم فِي موضِعين من مُسْتَدْركه فِي هَذَا الْبَاب ، وَبَاب الْكِتَابَة ، وَقَالَ فيهمَا : إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم . وَرَوَاهُ (ابْن) حبَان فِي صَحِيحه أَيْضا . قال الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : اخْتلف فِي رفْعِهِ وَوَقفه ، ورفْعُهُ صَحِيح .
عَاشرهَا : حَدِيث أنس بن مَالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَنْ رزقه الله امْرَأَة صَالِحَة فقد أَعَانَهُ عَلَى شطر دينه ، فليَتَّق الله فِي الشّطْر الثَّانِي . رَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه عَن الْأَصَم ، ثَنَا أَحْمد بن عِيسَى اللَّخْمِيّ ، ثَنَا عمر بن أبي سَلمَة التنيسِي ، ثَنَا زُهَيْر (بن) مُحَمَّد ، أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن زيد ، عَن أنس بِهِ ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ . قال : وَعبد الرَّحْمَن بن زيد بن عقبَة الْأَزْدِيّ مدنِي ثِقَة مَأْمُون .
وَفِي تَلْخِيص (الْمُتَشَابه) من حَدِيث أنس أَيْضا مَرْفُوعا : مَنْ تزوج امْرَأَة فقد أُعْطِي نصف الْعِبَادَة وَفِي إِسْنَاده : زيد العمِّي ، وَهُوَ ضَعِيف . وَفِي سنَن أبي دَاوُد و مُسْتَدْرك الْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ : لمَّا نزلت هَذِه الْآيَة : (وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة) كَبُر ذَلِك عَلَى الْمُسلمين ، قَالَ عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - : أَنا أُفَرِّج عَنْكُم ؛ فَانْطَلقُوا ، فَقَالَ : يَا نَبِي الله ؛ إِنَّه كبُر عَلَى أَصْحَابك هَذِه الْآيَة ! فَقَالَ : إِنَّه مَا فرض الزَّكَاة إِلَّا ليطيب مَا بَقِي من أَمْوَالكُم ، وَإِنَّمَا فُرِضَتْ الْمَوَارِيث لتَكون لمن بعدكم . قال : فَكبر عُمرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وَقَالَ : أَلا أخْبركُم بِخَير مَا يكنز : الْمَرْأَة الصَّالِحَة ؛ إِذا نظر إِلَيْهَا سرَّته ، وَإِذا أمرهَا أَطَاعَته ، وَإِذا غَابَ عَنْهَا حفظته .
قال الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط (الشَّيْخَيْنِ) وَلم يخرجَاهُ . وَقال الشَّيْخ تَقِيّ الدِّيْن فِي (الإِمَام) فِي كتاب الزَّكَاة : اخْتلف فِي إِسْنَاده . ثُمَّ ذكره مُبينًا (وَالْحَمْد لله حق حَمده) .