الحَدِيث السَّابِع عشر لقد استعذت بمعاذ الحقي بأهلك
الحَدِيث السَّابِع عشر أنَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نكح امْرَأَة ذَات جمال ، فلقنت أَن تَقول لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أعوذ بِاللَّه مِنْك ، وَقيل لَهَا : إِن هَذَا كَلَام يُعجبهُ ، فَلَمَّا قَالَت ذَلِك قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لقد استعذت بمعاذ ، الحقي بأهلك . هَذَا صَحِيح عَلَى غير هَذِه الصُّورَة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ ؛ فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ مُنْفَردا بِهِ من حَدِيث عَائِشَة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أَن ابْنة الجون لما دخلت عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودنا مِنْهَا قَالَت : أعوذ بِاللَّه مِنْك ! فَقَالَ لَهَا : لقد عذت بعظيم ، الحقي بأهلك . وَفِيه وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث الزُّهْرِيّ أَنه سُئِلَ : أَي أَزوَاج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استعاذت مِنْهُ ؟ فَقَالَ : أَخْبرنِي عُرْوَة عَن عَائِشَة أَن ابْنة الجون لما دخلت عَلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ودنا مِنْهَا قَالَت : أعوذ (بِاللَّه) مِنْك ! عزاهُ الْمزي إِلَيْهِمَا فِي كتاب الطَّلَاق ، وَفِي النَّسَائِيّ أَن هَذِه الْمَرْأَة كلابية - يَعْنِي : من بني كلاب - وَفِي سنَن ابْن مَاجَه من حَدِيث هِشَام بن عُرْوَة ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة : أَن عمْرَة بنت الجون تعوذت من رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِين أدخلت عَلَيْهِ ، فَقَالَ : لقد عذت بمعاذ .
وَطَلقهَا (وَأمر) أُسَامَة أَو أنسا فيمتعها بِثَلَاثَة أَثوَاب رازقية . وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ (وَهُوَ من أَفْرَاده) عَن أبي أسيد قَالَ : خرجنَا مَعَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى انطلقنا إِلَى حَائِط يُقَال لَهُ : (الشوط) حَتَّى انتهيا إِلَى حائطين جلسنا بَينهمَا ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجلسوا هَاهُنَا . وَقد أُتِي (بالجونية) فأنزلت فِي نخل فِي بَيت وَمَعَهَا دابتها - حاضنة - فَلَمَّا دخل عَلَيْهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هبي نَفسك لي .
فقالت : وَهل تهب الملكة نَفسهَا للسوقة ؟ ! قَالَ : فَأَهْوَى بِيَدِهِ يضع يَده عَلَيْهَا لتسكن ، فَقَالَت : أعوذ بِاللَّه مِنْك ! قَالَ : قد عذت بمعاذ . ثُمَّ خرج علينا فَقَالَ : يَا أَبَا أسيد ، اكسها رازقتين وألحقها بِأَهْلِهَا وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن أبي أسيد وَسَهل بن سعد قَالَا : تزوج النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَيْمَة بنت شرَاحِيل ، فَلَمَّا دخلت عَلَيْهِ بسط يَده عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا كرهت ذَلِك ، فَأمر أَبَا أسيد أَن (يجهزها) ويكسوها ثَوْبَيْنِ رازقين . وَرَوَاهُ مُسلم فِي الْأَشْرِبَة من حَدِيث سهل ، وَحَدِيث البُخَارِيّ أتم كَمَا قَالَه عبد الْحق فِي جمعه وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَد عَن أبي أسيد وَسَهل [ قَالَا ] : مر بِنَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَاب لَهُ فخرجنا مَعَه حَتَّى انطلقنا إِلَى حَائِط يُقَال لَهُ : الشوط حَتَّى انتهينا إِلَى حائطين مِنْهَا ، جلسنا بَينهمَا ، فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : اجلسوا .
وَدخل هُوَ وَأتي بالجونية أُمَيْمَة بنت [ النُّعْمَان ] بن شرَاحِيل ، فَنزلت فِي بَيت فِي النّخل وَمَعَهَا دَابَّة لَهَا ، فَدخل عَلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : هبي لي نَفسك . قالت : وَهل تهب الملكة نَفسهَا للسوقة ، إِنِّي أعوذ بِاللَّه مِنْك ! . قال : (لقد) عذت بمعاذ .
ثُمَّ خرج علينا فَقَالَ : يَا أَبَا [ أسيد ] اكسها فارسيتين وألحقها بِأَهْلِهَا وَفِي لفظ لَهُ اكسها رازقتين وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا : لقد عذت بمعاذ - ثَلَاثًا . وَأما الحَدِيث بالصورة الَّتِي ذكرهَا الرَّافِعِيّ فتبع فِيهِ الْغَزالِيّ فِي وسيطه وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي مشكله : هَذِه اللَّفْظَة - يَعْنِي : أَن نِسَاءَهُ علمنها ذَلِك لم أجد لَهَا أصلا (ثَابتا) ، قَالَ : والْحَدِيث فِي (صَحِيح) البُخَارِيّ بِدُونِ هَذِه الزِّيَادَة (الْبَعِيدَة ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : هَذِه الزِّيَادَة) بَاطِلَة ، لَيست بصحيحة . قال : وَقد رَوَاهَا مُحَمَّد بن سعد فِي طبقاته لَكِن بِإِسْنَاد ضَعِيف .
قلت : وأخرجها أَيْضا الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه من حَدِيث الْوَاقِدِيّ ، قَالَ : ذكر هِشَام بن مُحَمَّد أَن ابْن الغسيل حَدثهُ ، عَن حَمْزَة بن أبي أسيد السَّاعِدِيّ ، عَن أَبِيه - وَكَانَ بدريًّا - قَالَ : تزوج رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسمَاء بنت النُّعْمَان الْجَوْنِية فَأرْسل إِلَيّ ، فَجِئْته بهَا فَقَالَت حَفْصَة لعَائِشَة : اخضبيها أَنْت وَأَنا أمشطها . ففَعَلَتَا ، ثمَّ قَالَت لَهَا إِحْدَاهمَا : إِن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعجبهُ من الْمَرْأَة إِذا دخلت عَلَيْهِ أَن تَقول : أعوذ بِاللَّه مِنْك . فلَمَّا دخلت عَلَيْهِ أغلق الْبَاب وأرخى السّتْر وَمد يَده إِلَيْهَا ، قَالَت : أعوذ بِاللَّه مِنْك ! فَقَالَ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكمه عَلَى وَجهه فاستتر بِهِ وَقَالَ : عذت بمعاذ - ثَلَاث مَرَّات .
قال أَبُو أسيد : ثمَّ خرج عليَّ فَقَالَ : يَا أَبَا أسيد ، ألحقها بِأَهْلِهَا ومتعها برازقين - يَعْنِي : كرباسين - فَكَانَت تَقول : ادْعُونِي : الشقية ! ثمَّ رَوَى عَن الْوَاقِدِيّ بِسَنَدِهِ أَنه دخل عَلَيْهَا دَاخل من النِّسَاء لما بلغهن من جمَالهَا - وَكَانَت من أجمل النِّسَاء - فَقَالَت : إِنَّك من الْمُلُوك ؛ فَإِن كنت تريدين أَن تحظين عِنْد رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستعيذي مِنْهُ ؛ فَإنَّك تحظين عِنْده ويرغب (فِيك) . وَاستبعد بَعضهم صُدُور هَذَا القَوْل من نسَاء رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ شرفهن بِصُحْبَتِهِ ، وَهَذَا لَيْسَ بالقوي ؛ فَإِن الْغيرَة وَالْحب لرَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والحرص عَلَى عدم مشاركتهن فِيهِ قد تحملهن عَلَى قريبٍ من ذَلِك ؛ إِذْ جَاءَ فِي الصَّحِيح تواطؤ عَائِشَة وَصفِيَّة وَسَوْدَة عَلَى أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذا دخل عَلَيْهِنَّ يَقُلْنَ لَهُ : أكلتَ مَغَافِير .. . الحديثَ .
فَائِدَة : اخْتلف فِي اسْم هَذِه المستعيذة ، فَفِي صَحِيح البخاريِّ و مُسْند أَحْمد أَن اسْمهَا : أُمَيْمَة . وَقَالَ الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي مبهماته : إن اسْمهَا : أَسمَاء . قال الْكَلْبِيّ هِيَ : أَسمَاء بنت النُّعْمَان بن الْحَارِث بن شرَاحِيل بن عبيد بن الجون .
وَبِه جزم أَبُو نعيم فِي الْمعرفَة فَذكر بِسَنَدِهِ إِلَى قَتَادَة أَن بَعضهم زعم أَنَّهَا قَالَت : أعوذ باللَّهِ مِنْكَ قَالَ : لقد عُذْتِ بِمَعَاذٍ منيِّ ، وَقد أعاذكِ اللَّهُ مِنِّي . فطلقهَا قَالَ قَتَادَة : وَهَذَا بَاطِل . كذَا قَالَ : هَذِه امْرَأَة مِنْ بَلْعَنْبَر ، مِنْ سَبْي ذَات الشقوق ، وَكَانَت جميلَة ، فَقُلْنَ لَهَا : إِنَّه يُعجبهُ أَن [ تقولي ] : أعوذ بِاللَّه مِنْكَ .. .
الحديثَ . وَجزم بِهِ أَيْضا ابْن الصّلاح فِي مشكله ، (وَحَكَى الْقَوْلَيْنِ) مَعًا الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة ثمَّ ابْنُ الْأَثِير فِي جَامع الْأُصُول وقدَّم الثَّانِي ، قَالَا : وَقيل : هِيَ مليكَة بنت كَعْب اللَّيْثِيّ وَحَكَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه قولا آخر أَن اسْمهَا : عمْرَة بنت زيد بن عبيد بن روس بن كلاب (بن عَامر) ، وقولاً آخر : أَنَّهَا (الْعَالِيَة بنت ظبْيَان بن عَمْرو بن عَوْف بن كَعْب بن عبيد بن بكر بن كلاب ، وقولًا آخر أَنَّهَا) سناء بنت سُفْيَان بن عَوْف بن كَعْب بن عبيد بن بكر بن كلاب . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي آخر دَلَائِل النُّبُوَّة : وروينا فِي حَدِيث أبي أسيد السَّاعِدِيّ فِي قصَّة الْجَوْنِية الَّتِي استعاذت فألْحَقَهَا بِأَهْلِهَا ؛ أَن اسْمهَا : أُمَيْمَة بنت النُّعْمَان بن شرَاحِيل .
قال : وَذكر ابْن مَنْدَه فِي كتاب الْمعرفَة أَنَّهَا أُمَيْمَة بنت النُّعْمَان ، وَأَنه يُقَال لَهَا : فَاطِمَة بنت الضَّحَّاك ، وَيُقَال : إِنَّهَا مليكَة الليثية ، قَالَ : وَالصَّحِيح أَنَّهَا : أُمَيْمَة (قلت : فتحصلنا من هَذَا الِاخْتِلَاف فِي أَنَّهَا عَلَى سَبْعَة أَقْوَال ؛ أَصَحهَا : أُمَيْمَة) وَثَانِيها : أَسمَاء ، وَثَالِثهَا : عمْرَة ، وَرَابِعهَا : فَاطِمَة ، وخامسها : مليكَة ، وسادسها : سناء ، وسابعها : الْعَالِيَة .