الحَدِيث السَّابِع قَضَى فِي بروع بنت واشق بِمهْر نسائها وَالْمِيرَاث
الحَدِيث السَّابِع أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى فِي بروع بنت واشق - وَقد نكحت بِغَيْر مهرٍ فَمَاتَ زَوجهَا - بِمهْر نسائها وَالْمِيرَاث . هذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ أَحْمد ، أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيّ ، وَالنَّسَائِيّ ، وَابْن مَاجَه ، فِي سُنَنهمْ وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (من رِوَايَة) معقل بن (يسَار) الْأَشْجَعِيّ ، وَهُوَ أَبُو سِنَان أَو أَبُو مُحَمَّد ، أَو أَبُو عبد الرَّحْمَن ، أَو أَبُو يزِيد ، أَو أَبُو عِيسَى أَقْوَال ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح . وَقَالَ الْحَاكِم : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم .
وَقال الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي رسَالَته الْكُبْرَى فِي إبِْطَال الْقيَاس : لَا مغمز فِيهِ لصِحَّة إِسْنَاده . وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الإِمَام الشَّافِعِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : قد رُوِيَ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأبي هُوَ وَأمي - أَنه قَضَى فِي بروع بنت واشق وَقد نكحت بِغَيْر مهرٍ ، فَمَاتَ زَوجهَا ، فَقَضَى (لَهَا) بِمهْر نسائها وَقَضَى لَهَا بِالْمِيرَاثِ فَإِن كَانَ يثبت عَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَهُوَ أولَى الْأُمُور بِنَا ، وَلَا حجَّة فِي قَول أحد دون النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِن كَثُرُوا ، وَلَا فِي قِيَاس وَلَا شَيْء فِي قَوْله إِلَّا طَاعَة الله بِالتَّسْلِيمِ لَهُ (وَإِن كَانَ لَا يثبت عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لم يكن لأحد أَن (يثبت) عَنهُ (مَا لم يثبت) وَلم أحفظه عَنهُ (من) وَجه يثبت مثله . هوَ مرّة يُقَال : عَن معقل بن يسَار ، وَمرَّة عَن معقل بن سِنَان ، ومرَّة عَن بعض أَشْجَع لَا يُسمى .
هذَا كَلَام الشَّافِعِي برمتِهِ وَهُوَ نَصه فِي الْأُم بِحُرُوفِهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي الْكتاب فِي رِوَايَة هَذَا (الحَدِيث) اضْطِرَاب ، قيل : رَوَاهُ (معقل بن سِنَان ، وَقيل :) معقل بن يسَار ، وَقيل : رجل من أَشْجَع ، أَو نَاس من أَشْجَع ، وَنقل الرَّافِعِيّ أَيْضا عَن صَاحب (التَّقْرِيب) أَنه صحّح الحَدِيث ، وَأَنه (قَالَ) الِاخْتِلَاف فِي الرَّاوِي لَا يضر ؛ لِأَن الصَّحَابَة عدُول كلهم (وَلِأَنَّهُ) يحْتَمل أَن بَعضهم نسبه إِلَى أَبِيه ، وَبَعْضهمْ إِلَى جدٍّ لَهُ قريب أَو بعيد ، وَبَعْضهمْ إِلَى قومه وقبيلته . وَقال الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه بعد أَن نقل كَلَام الشَّافِعِي السالف : لَكِن (عبد) الرَّحْمَن بن مهْدي إِمَام من أَئِمَّة الحَدِيث . رواه وَذكر إِسْنَاده ثمَّ قَالَ : هَذَا إِسْنَاد صَحِيح .
قال : وَقد سَمّى فِيهِ معقل بن سِنَان ، وَهُوَ صَحَابِيّ مَشْهُور . وَقال فِي خلافياته : إِسْنَاده صَحِيح وَرُوَاته ثِقَات . قال : وَمَعْقِل بن سِنَان صَحَابِيّ مَشْهُور .
قال فِي سنَنه وَرَوَاهُ يزِيد بن هَارُون ، وَهُوَ أحد حفاظ الحَدِيث مَعَ عبد الرَّحْمَن بن مهْدي بِإِسْنَاد صَحِيح .. . وذكر سَنَده ، ثمَّ سَاقه الْبَيْهَقِيّ باخْتلَاف طرقه (ثمَّ) قَالَ فيهمَا : هَذَا الِاخْتِلَاف فِي قصَّة بروع بنت واشق عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يوهن الحَدِيث ؛ فَإِن جَمِيع هَذِه الرِّوَايَات أسانيدها صِحَاح ، وَفِي بَعْضهَا مَا دلّ عَلَى أَن جمَاعَة من أَشْجَع شهدُوا بذلك ؛ فَكَأَن بعض الروَاة يُسمى مَعَهم ، وَبَعْضهمْ سَمّى اثْنَيْنِ ، وَبَعْضهمْ أطلق وَلم يسم ، وَمثله لَا يرد الحَدِيث ، وَلَوْلَا ثِقَة من رَوَاهُ عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما كَانَ (لفرح) عبد الله بن مَسْعُود بروايته مَعْنَى ، وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : قَالَ أَبُو زرْعَة الَّذِي قَالَ معقل بن سِنَان هُوَ أصح . قلت : وَهَذَا قريب ، وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي حَوَاشِي السّنَن : ( هَذَا الحَدِيث) صَححهُ التِّرْمِذِيّ ، وَبِه قَالَ أَصْحَاب الرَّأْي .
قال : وَهُوَ أصح قولي الشَّافِعِي . قال : وَمَا يرْوَى من أَن عليًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : لَا يعقل معقل بن سِنَان أَعْرَابِي يَبول عَلَى عَقِبَيْهِ فَلم يَصح ذَلِك عَنهُ . قلت : وَكَذَلِكَ تَضْعِيف الْوَاقِدِيّ لَهُ بِأَنَّهُ (حَدِيث ورد) إِلَى الْمَدِينَة من أهل الْكُوفَة فَمَا عرفه أحد من عُلَمَاء الْمَدِينَة وَلأَجل ذَلِك قَالَ مَالك : يقدم إِيجَاب مهرهَا كَمَا حُكيَ عَن عَلي وَابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَزيد بن ثَابت لَا يقْدَح ؛ لِأَن (مثل) هَذَا كثير فِي الحَدِيث ، قَالَه الْمَاوَرْدِيّ (و) فِي الْمُسْتَدْرك : سَمِعت أَبَا عبد الله الْحَافِظ ، وَقيل لَهُ : سَمِعت الْحسن بن سُفْيَان يَقُول : سَمِعت حَرْمَلَة بن يَحْيَى يَقُول : سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول : إِن صَحَّ حَدِيث بروع بنت واشق قلت بِهِ ، فَقَالَ أَبُو عبد الله : لَو حضرت الشَّافِعِي لقمت عَلَى رُءُوس أَصْحَابه وَقلت : فقد صَحَّ الحَدِيث فَقل بِهِ .
قال الْحَاكِم : فالشافعي إِنَّمَا قَالَ : لَو صَحَّ الحَدِيث ؛ لِأَن هَذِه الرِّوَايَة إِن كَانَت صَحِيحَة فَإِن الْفَتْوَى فِيهِ لعبد الله بن مَسْعُود وَسَنَد الحَدِيث لنفر من أَشْجَع . قال : وَشَيخنَا (أَبُو عبد الله) رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا حكم بِصِحَّة الحَدِيث ؛ لِأَن الثِّقَة قد سَمّى فِيهِ رجلا من الصَّحَابَة وَهُوَ معقل بن سِنَان الْأَشْجَعِيّ ، قَالَ : وبصحة مَا ذكرته أخبرنَا الْقطيعِي ، قَالَ : نَا عبد الله بن أَحْمد بن حَنْبَل قَالَ : حَدثنِي أبي ، عَن عبد الرَّحْمَن ابن مهدى ، عَن سُفْيَان ، عَن (فراس) عَن الشّعبِيّ ، عَن مَسْرُوق ، عَن عبد الله فِي رجل تزوج امْرَأَة فَمَاتَ وَلم يدْخل بهَا وَلم يفْرض لَهَا ، فَقَالَ : لَهَا الصَدَاق (كَامِلا) وَعَلَيْهَا الْعدة وَلها الْمِيرَاث . فقَامَ معقل بن سِنَان فَقَالَ : شهِدت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِهِ فِي بروع بنت واشق ، فَصَارَ الحَدِيث صَحِيحا عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ .
وَذكره الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن دَقِيق الْعِيد أَيْضا فِي آخر الاقتراح فِي الْقسم الرَّابِع فِي أَحَادِيث رَوَاهَا من أخرج لَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلم يخرجَا تِلْكَ الْأَحَادِيث . وَخَالف الْحفاظَ كلَّهم أَبُو بكر بن أبي خَيْثَمَة فَقَالَ فِي تَارِيخه فِي تَرْجَمَة معقل بن سِنَان : هَذَا حَدِيث مُخْتَلف فِيهِ . قال أَبُو سعيد [ الدَّارمِيّ ] : مَا خلق الله معقل بن سِنَان قطّ ، وَلَا كَانَت بروع بنت واشق قطّ ! قَالَ النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب : هَذَا الذي قَالَه [ الدَّارمِيّ ] غلط مِنْهُ وجهالة ؛ لما عَلَيْهِ الْحفاظ وَالصَّوَاب أَنه حَدِيث صَحِيح ، وَإِنَّمَا ذكرت هَذَا لأنبه عَلَى بُطْلَانه ؛ لِئَلَّا يرَاهُ من لَا يعرف حَاله فيتوهمه صَحِيحا ، وَلَقَد أحسن صَاحب التَّقْرِيب من أَصْحَابنَا حَيْثُ صحّح الحَدِيث كَمَا تقدم نَقله عَنهُ ، وَقَالَ : الِاخْتِلَاف فِي الرَّاوِي لَا يضر ؛ لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول ، وَلِأَنَّهُ يحْتَمل أَن بَعضهم نسبه إِلَى أَبِيه وَبَعْضهمْ إِلَى جدٍّ لَهُ قريب أَو بعيد ، وَبَعْضهمْ إِلَى قومه وقبيلته .
وَعبر الشَّيْخ الْمُسَمَّى : نجم الدَّين بن الرّفْعَة فِي كتاب الْمطلب شرح الْوَسِيط عَن هَذَا بِأَن قَالَ : [ يحْتَمل ] أَن يسارا أَبوهُ وسنانًا (جده وَأَشْجَع) قبيلته فنسبه أحد الروَاة لِأَبِيهِ ، وَالْآخر لجده ، وَالْآخر لقبيلته . فَائِدَتَانِ : أَحدهمَا : اسْم زوج بروع : هِلَال بن مرّة الْأَشْجَعِيّ ، وَقيل : هِلَال بن مَرْوَان ، ذكره ابْن مَنْدَه وَأَبُو نعيم . الثَّانِيَة : مَعْقِل : بِفَتْح الْمِيم ، وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَكسر الْقَاف .
وَسنَان : بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة ، وَبعد نون مَفْتُوحَة وَبعد الْألف نون . وبِرْوع : بباء مُوَحدَة مَكْسُورَة ثمَّ رَاء مُهْملَة سَاكِنة ، ثمَّ وَاو مَفْتُوحَة ثمَّ عين مُهْملَة ، وأبوها واشق - بالشين الْمُعْجَمَة الْمَكْسُورَة وبالقاف - وهي كلابية ، وَقيل : أشجعية . قال الْجَوْهَرِي فِي صحاحه : أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ : بروع بِكَسْر الْبَاء ، وَالصَّوَاب الْفَتْح ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام فِعوَل إِلَّا خِرْوَع وَهُوَ اسْم لكل نبت يتثنى ، وعتود : اسْم وادٍ .
وَذكر صَاحب الْمُحكم فِي بروع ، نَحْو قَول الْجَوْهَرِي ، وَقَالَ القلعي فِي كِتَابه أَلْفَاظ الْمُهَذّب : سَمَاعنَا فِيهَا بِالْبَاء الْمُوَحدَة الْمَكْسُورَة وَالرَّاء الْمُهْملَة ، قَالَ : وَالْمَعْرُوف عِنْد أهل اللُّغَة فِي الْأَسْمَاء : تزوع بِالتَّاءِ المثناه فَوق وَالزَّاي الْمُعْجَمَة . قال النَّوَوِيّ : (فِي تهذيبه وَهَذَا الَّذِي قَالَه تَصْحِيف ، وَلَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ . قلت : وَنقل الْمُنْذِرِيّ) هَذَا المحكي عَن أهل اللُّغَة ، عَن بَعضهم وَأفَاد أَنه بِكَسْر التَّاء عَلَى هَذِه اللُّغَة (قَالَ :) وَالْمَحْفُوظ الْمَشْهُور بروع بِكَسْر الْبَاء كخروع (لورقٍ) وعتود لوادٍ .