الحَدِيث الثَّانِي قتيل السَّوْط والعصا فِيهِ مائة من الْإِبِل
الحَدِيث الثَّانِي قَالَ - صلى الله عليه وسلم - : قتيل السَّوْط والعصا فِيهِ مائة من الْإِبِل . هَذَا الحَدِيث كَرَّرَه الرَّافِعِي فِي بَاب الدِّيات ، وَهُوَ حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِي وَابْن مَاجَه من رِوَايَة حَمَّاد عَن خَالِد ، عَن الْقَاسِم بن ربيعَة ، عَن عقبَة بن أَوْس ، عَن عبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب يَوْم الْفَتْح بِمَكَّة فَكبر ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده ، صدق وعده ، وَنصر عَبده ، وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده ، أَلا كل مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة تذكر وتدعى من دم أَو مَال تَحت قدمي ، إِلَّا مَا كَانَ من سِقَايَة الْحَاج وسدانة الْبَيْت . ثمَّ قَالَ : أَلا إِن دِيَة الْخَطَأ شبه الْعمد مَا كَانَ بِالسَّوْطِ والعصا فِيهِ مائة من الْإِبِل مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بطونها أَوْلَادهَا .
هَذَا لفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِي ، وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد : عقل شبه الْعمد مغلَّظ مثل عقل الْعمد وَلَا يقتل صَاحبه زَاد فِي رِوَايَة وَذَلِكَ أَن ينَزْوَ الشَّيْطَان بَين النَّاس فَتكون دِمَاء فِي عمياء فِي غير ضغينة وَلَا حمل سلَاح . وَلَفظ ابْن مَاجَه الْخَطَأ شبه الْعمد ، قَتِيل السَّوْط والعصا مائة من الْإِبِل أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بطونها أَوْلَادهَا وَرَوَاهُ النَّسَائِي عَن خَالِد الْحذاء ، عَن الْقَاسِم بن ربيعَة ، عَن عقبَة بن أَوْس ، عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ يَوْم فتح مَكَّة : أَلا إِن قَتِيل الْخَطَأ شبه الْعمد قَتِيل السَّوْط والعصا ، وَالدية مُغَلّظَة مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بطونها أَوْلَادهَا . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرَوَاهُ الْقَاسِم بن ربيعَة ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، وَرَوَاهُ كَذَلِك أَيْضا النَّسَائِي وَابْن مَاجَه من حَدِيث ابْن جدعَان ، عَن الْقَاسِم عَنهُ أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَامَ يَوْم فتح مَكَّة وَهُوَ عَلَى درج الْكَعْبَة فَحَمدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ : الْحَمد لله الَّذِي صدق وعده وَنصر عَبده وَهزمَ الْأَحْزَاب وَحده أَلا إِن قَتِيل الْخَطَأ قَتِيل السَّوْط والعصا ، فِيهِ مائة من الْإِبِل ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خلفة فِي بطونها أَوْلَادهَا ، أَلا إِن كل مأثرة كَانَت فِي الْجَاهِلِيَّة وَدم تَحت قدمي هَاتين ، إِلَّا مَا كَانَ من سدانة الْبَيْت وسقاية الحاجِّ ، أَلا إِنِّي قد أمضيتها لأَهْلهَا كَمَا كَانَا .
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن ابْن جدعَان بِهِ بِلَفْظ : أَلا إِن قَتِيل الْخَطَأ إِلَى قَوْله : أَوْلَادهَا . وَرَوَاهُ أَحْمد من حَدِيث حَمَّاد بن سَلمَة ، أَنا عَلّي بن زيد بن جدعَان ، عَن يَعْقُوب السدُوسِي ، عَن ابْن عمر ، رَفعه : أَلا إِن دِيَة الْخَطَأ الْعمد وَالسَّوْط والعصى .. . الحَدِيث .
وَعلي بن زيد بن جدعَان قد سلف الْكَلَام عَلَيْهِ غير مرّة ، وَالقَاسِم لَا يَصح سَمَاعه من ابْن عمر كَمَا قَالَه عبد الْحق وَرَوَى الْبَيْهَقِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن خُزَيْمَة أَنه قَالَ : حضرت مجْلِس الْمُزنِي يَوْمًا وَسَأَلَهُ سَائل من الْعِرَاقِيّين عَن شِبه الْعمد ، فَقَالَ السَّائِل : إِن الله - تبَارك وَتعالى - وصف الْقَتْل فِي كِتَابه صفتين عمدا وَخطأ ، فَلم قُلْتُمْ إِنَّه عَلَى ثَلَاثَة أَصْنَاف ؟ وَلم قُلْتُمْ شبه الْعمد ؟ فاحتج الْمُزنِي بِحَدِيث ابْن عمر ، فَقَالَ لَهُ مناظره : أتحتج بعلي بن زيد بن جدعَان ؟ فَسكت الْمُزنِي ، فَقلت لمناظره : قد رَوَى هَذَا الْخَبَر غير عَلّي بن زيد . فَقَالَ : وَمن رَوَاهُ غير عَلّي ؟ قلت : أَيُّوب السّخْتِيَانِي وخَالِد الْحذاء . قَالَ لي : فَمن عقبَة بن أَوْس ؟ فَقلت : عقبَة بن أَوْس رجل من أهل الْبَصْرَة ؛ فقد رَوَاهُ عَنهُ مُحَمَّد بن سِيرِين مَعَ جلالته .
فَقَالَ للمزني : أَنْت تناظر أم هَذَا ؟ فَقَالَ : إِذا جَاءَ الحَدِيث فَهُوَ مناظر ؛ لِأَنَّهُ أعلم بِالْحَدِيثِ مني ، ثمَّ أَتكَلّم أَنا . قَالَ الْبَيْهَقِي : أَرَادَ ابْن خُزَيْمَة بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذكرهَا طَرِيق حَدِيث عبد الله بن عمر يَعْنِي السالف . وَقَالَ ابْن الْجَوْزِي فِي تَحْقِيقه : حَدِيث ابْن عمر هَذَا مُضْطَرب الْإِسْنَاد ، يرويهِ الْقَاسِم بن ربيعَة .
فَتَارَة يَقُول : عَن يَعْقُوب بن أَوْس . وَتارَة يَقُول : عَن عقبَة بن أَوْس ، عَن رجل من أَصْحَاب النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - . وَتارَة يَقُول : عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - .
وَتارَة يَقُول : عَن ابْن عَمْرو . قلت : عقبَة بن أَوْس وَيَعْقُوب بن أَوْس وَاحِد كَمَا رَوَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَى يَحْيَى بن معِين ، وَأغْرب ابْن حزم فَقَالَ : عُقبة هَذَا مَجْهُول . وَتَبعهُ عبد الْحق فَقَالَ : لَيْسَ بالمشهور وَلَيْسَ بجيد ، فقد رَوَى عَنهُ جماعات وَوَثَّقَهُ الْعجلِي فِيمَا حَكَاهُ عَنهُ ابْن الْقطَّان .
وَقَالَ عبد الْحق : طَريقَة عبد الله بن عَمْرو هِي الصَّحِيحَة . أَي وَطَرِيقَة ابْن عمر ضَعِيفَة كَمَا سلف . قلت : لَا جرم ، أخرجهَا ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِنَحْوِ من لفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِي ، وَقَالَ ابْن الْقطَّان فِي علله : هُوَ صَحِيح وَلَا يضرّهُ الِاخْتِلَاف قَالَ : وَأما رِوَايَة ابْن عمر فَلَا ؛ لضعف ابْن جدعَان .
وَخَالف أَبُو زرْعَة فَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : حَدِيث ابْن عمر أصح من حَدِيث ابْن عَمْرو . قَالَ ابْن أبي حَاتِم : وَقد رُوِي حَدِيث ابْن عمر مُرْسلا وَهُوَ أشبه . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِي فِي علله : هَذَا حَدِيث اخْتلف فِيهِ عَن الْقَاسِم بن ربيعَة فَروِي عَنهُ عَن ابْن عمر ، وَعنهُ ، عَن ابْن عَمْرو ، وأرسله حميد الطَّوِيل ، عَن الْقَاسِم بن ربيعَة ، وَقَالَ خَالِد الْحذاء : عَن الْقَاسِم ، عَن عقبَة بن أَوْس ، عَن ابْن عمر ، وَهَذَا أشبه .
وَسُئِلَ يَحْيَى فِيمَا حَكَاهُ الْحَاكِم بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ عَن حَدِيث عبد الله بن عَمْرو - يَعْنِي السالف - فَقَالَ لَهُ الرجل : إِن سُفْيَان يَقُول : عَن عبد الله بن عمر . فَقَالَ يَحْيَى بن معِين : عَلّي بن زيد لَيْسَ بِشَيْء ، والْحَدِيث حَدِيث خَالِد إِنَّمَا هُوَ عبد الله بن عَمْرو . فَائِدَة : قَوْله - عليه السلام - : فِي بطونها أَوْلَادهَا مِمَّا يسْأَل عَنهُ ، وَيُقَال : الخلفة هِي الَّتِي فِي بَطنهَا وَلَدهَا ، فَمَا الْحِكْمَة فِي ذَلِك ؟ وَأجِيب عَنهُ بأجوبة : أَحدهَا : أَنه تَأْكِيد وإيضاح .
ثَانِيهَا : أَنه تَفْسِير لَهَا لَا قيد . ثَالِثهَا : أَنه نفي لوهم متوهم يتَوَهَّم أَنه يَكْفِي فِي الخلفة أَن تكون حملت فِي وَقت مَا وَلَا يشْتَرط حملهَا حَالَة دَفعه فِي الدِّيَة . رَابِعهَا : أَنه إِيضَاح بحكمها وَأَنه يشْتَرط فِي نَفْس الْأَمر أَن تكون حَامِلا ، وَلَا يَكْفِي قَول أهل الْخِبْرَة أَنَّهَا خلفة إِذا بَينا أَنه لم يكن فِي بَطنهَا ولد .
خَامِسهَا : ذكره الرَّافِعِي حَيْثُ قَالَ : وَقيل اسْم الخلفة يَقع عَلَى الْحَامِل ، وَعَلَى الَّتِي ولدت وَوَلدهَا يتبعهَا . فَأَرَادَ أَن يبين أَن الْوَاجِب الْحَامِل ، ثمَّ ذكر الْوَجْه السالف فَقَالَ : وَيجوز أَن يُقَال هُوَ تَفْسِير الخلفة .