حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير

آثار الباب

الْأَثر الثَّالِث : أَن عمر - رضي الله عنه - أَوْصَى وَهُوَ مَجْرُوح : لَا يعِيش مثله . قَالَ الرَّافِعِي : وَلَو أصَاب الحشوة خرق وَقطع وَكَانَ يتقين مَوته بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَهُوَ الَّذِي يجب الْقصاص بقتْله وَعمر - رضي الله عنه - كَذَلِك عَلَى مَا رُوِي أَن الطَّبِيب سقَاهُ لَبَنًا فَخرج من جروحه لما أصَاب أمعاءه من الْخرق ، فَقَالَ الطَّبِيب : اعهد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ . هَذَا هُوَ الْأَثر الْوَارِد فِي وَفَاة عمر - رضي الله عنه - وَقد أخرجه البُخَارِي - رضي الله عنه - فِي صَحِيحه مطولا من حَدِيث عَمْرو بن مَيْمُون الْأَزْدِي قَالَ : رَأَيْت عمر بن الْخطاب - رضي الله عنه - قبل أَن يصاب بأيام بِالْمَدِينَةِ وَقد وَفد عَلَيْهِ حُذَيْفَة بن الْيَمَان وَعُثْمَان بن حنيف ، قَالَ : كَيفَ فعلتما ؟ تخافان أَن تَكُونَا قد حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق ؟ قَالَا : حملناها أمرا هِي لَهُ مطيقة وَمَا فِيهَا كَبِير فضل .

فَقَالَ : انظرا أَن تَكُونَا حملتما الأَرْض مَا لَا تطِيق . فَقَالَا : لَا . فَقَالَ عمر : لَئِن سلمني الله لأدعنَّ أرامل أهل الْعرَاق لَا يحتجن إِلَى أحد بعدِي أبدا .

فَقَالَ : فَمَا أَتَت إِلَّا رَابِعَة حَتَّى أُصِيب . قَالَ عَمْرو بن مَيْمُون : وَإِنِّي لقائم مَا بيني وَبَينه إِلَّا عبد الله بن عَبَّاس غَدَاة أُصِيب - وَكَانَ إِذا مرَّ بَين الصفين قَامَ بَينهمَا ، فَإِذا رَأَى خللاً قَالَ : اسْتَووا . حَتَّى إِذا لم ير فيهم خللاً تقدم فَكبر ، وَرُبمَا قَرَأَ سُورَة يُوسُف أَو النَّحْل أَو نَحْو ذَلِك فِي الرَّكْعَة الأولَى حَتَّى يجْتَمع النَّاس - فَمَا هُوَ إِلَّا أَن كبر فَسَمعته يَقُول : قتلني - أَو أكلني - الْكَلْب .

حِين طعنه فطار العلج بسكين ذَات طرفين لَا يمر عَلَى أحد يَمِينا وَلَا شمالاً إِلَّا طعنه ، حَتَّى إِذا طعن ثَلَاثَة عشر رجلا مَاتَ مِنْهُم تِسْعَة - وَفِي رِوَايَة : سَبْعَة - فَلَمَّا رَأَى ذَلِك رجل من الْمُسلمين طرح عَلَيْهِ برنسًا فَلَمَّا ظن العلج أَنه مَأْخُوذ نحر نَفسه ، فَتَنَاول عمر يَد عبد الرَّحْمَن بن عَوْف فقدمه ، فَأَما من كَانَ يَلِي عمر فقد رَأَى الَّذِي رَأَيْت ، وَأما نواحي الْمَسْجِد فَإِنَّهُم لَا يَدْرُونَ مَا الْأَمر غير أَنهم فقدوا صَوت عمر وهم يَقُولُونَ : سُبْحَانَ الله ، سُبْحَانَ الله . فَصَلى بهم عبد الرَّحْمَن صَلَاة خَفِيفَة فَلَمَّا انصرفوا ، قَالَ : يَا ابْن عَبَّاس ، انْظُر من قتلني . فجال سَاعَة ثمَّ جَاءَ فَقَالَ : غُلَام الْمُغيرَة .

فَقَالَ : الصَّنَع ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : قَاتله الله لقد كنت أمرت بِهِ مَعْرُوفا ، الْحَمد لله الَّذِي لم يَجْعَل ميتتي بيد رجل مُسلم ، قد كنت أَنْت وَأَبُوك تحبان أَن تكْثر العلوج بِالْمَدِينَةِ . وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم رَقِيقا ، فَقَالَ ابْن عَبَّاس : إِن شِئْت فعلت - أَي إِن شِئْت قتلنَا - قَالَ : بَعْدَمَا تكلمُوا بلسانكم ، وصلوا قبلتكم ، وحجوا حَجكُمْ ؟ ! فَاحْتمل إِلَى بَيته فَانْطَلَقْنَا مَعَه ، وَكَأن النَّاس لم تصبهم مُصِيبَة قبل يَوْمئِذٍ ، فَقَائِل يَقُول : أَخَاف عَلَيْهِ .

وَقَائِل يَقُول : لَا بَأْس . فَأتي بنبيذ فشربه فَخرج من جَوْفه ، ثمَّ أُتِي بِلَبن فشربه فَخرج من جَوْفه ، فعملوا أَنه ميت ، قَالَ : فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَجَاء النَّاس يثنون عَلَيْهِ ، وَجَاء رجل شَاب فَقَالَ : أبشر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ببشرى الله - عز وجل - قد كَانَ لَك من صُحْبَة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد عَلمته ، ثمَّ وليت فعدلت ، ثمَّ شَهَادَة . قَالَ : وددت أَن ذَلِك كَانَ كفافًا لَا عَلّي وَلَا لي .

فَلَمَّا أدبر الرجل إِذا إزَاره يمس الأَرْض ، فَقَالَ : ردوا علي الْغُلَام . فَقَالَ : يَا ابْن أخي ، ارْفَعْ ثَوْبك ؛ فَإِنَّهُ أنقى لثوبك وَأَتْقَى لربِّك ، يَا عبد الله بن عمر ، انْظُر مَا عَلّي من الدَّين . فحسبوه فوجدوه سِتَّة وَثَمَانِينَ ألفا أَو نَحوه ، فَقَالَ : إِن وَفَى بِهِ مَال عمر فأده من أَمْوَالهم ، وَإِلَّا فسل فِي بني عدي بن كَعْب ، فَإِن لم تف أَمْوَالهم فسل فِي قُرَيْش وَلَا تعدهم إِلَى غَيرهم ، وأدِّ عني هَذَا المَال ، انْطلق إِلَى أم الْمُؤمنِينَ عَائِشَة ، فَقل : يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام ، وَلَا تقل أَمِير الْمُؤمنِينَ فَإِنِّي لست للْمُؤْمِنين أَمِيرا ويستأذن أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ .

فَسلم وَاسْتَأْذَنَ ، ثمَّ دخل عَلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَاعِدَة تبْكي فَقَالَ : يقْرَأ عَلَيْك عمر السَّلَام ويستأذن أَن يدْفن مَعَ صَاحِبيهِ . َقَالَت : كنت أريده لنَفْسي ، ولأوثرنه بِهِ الْيَوْم عَلَى نَفسِي . فَلَمَّا أقبل قيل : هَذَا عبد الله بن عمر قد جَاءَ .

فَقَالَ : ارفعوني . فأسنده رجل إِلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا لديك ؟ قَالَ : الَّذِي تحب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَذِنت . فَقَالَ : الْحَمد لله ، مَا كَانَ علي مَا كَانَ شَيْء أهمُّ إلي من ذَلِك ، فَإِذا أَنا قبضت فاحملوني ، ثمَّ سلِّم فَقل يسْتَأْذن عمر بن الْخطاب فَإِن أَذِنت فأدخلوني ، وَإِن ردتني فردوني إِلَى مَقَابِر الْمُسلمين .

وَجَاءَت أم الْمُؤمنِينَ حَفْصَة وَالنِّسَاء تسترنها ، فَلَمَّا رَأَيْتهَا قمنا ، فولجت عَلَيْهِ فَبَكَتْ عِنْده سَاعَة ، وَاسْتَأْذَنَ الرِّجَال فولجتُ دَاخِلا لَهُم فسمعنا بكاءها من الدَّاخِل ، فَقَالُوا : أوص يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ، اسْتخْلف . قَالَ : مَا أرَى أحدا أَحَق بِهَذَا الْأَمر من هَؤُلَاءِ النَّفر - أَو الرَّهْط - الَّذين توفّي رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَنْهُم رَاض ، فَسَمَّى عليًّا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزبير وسعدًا وَعبد الرَّحْمَن ، وَقَالَ : يشهدكم عبد الله وَلَيْسَ لَهُ من الْأَمر شَيْء - كَهَيئَةِ التَّعْزِيَة لَهُ - فَإِن أَصَابَت الإمرة سَعْدا فَهُوَ ذَاك ، وَإِلَّا فليستعن بِهِ أَيّكُم مَا أُمِّر ، فَإِنِّي لم أعزله من عجز وَلَا خِيَانَة . وَقَالَ : أوصِي الْخَلِيفَة بعدِي بالمهاجرين الْأَوَّلين ، أَن يعرف لَهُم حَقهم ويحفظ لَهُم حرمتهم ، وأوصيه بالأنصار خيرا ، الَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان من قبلهم ، أَن يقبل من محسنهم وَيَعْفُو عَن مسيئهم ، وأُوصيه بِأَهْل الْأَمْصَار خيرا ، فَإِنَّهُم ردءُ الْإِسْلَام وجباة المَال وغيظ الْعَدو ، وَأَن لَا يُؤْخَذ مِنْهُم إِلَّا فَضلهمْ عَن رضى مِنْهُم ، وأوصيه بالأعراب خيرا ، فَإِنَّهُم أصل الْعَرَب ، ومادة الْإِسْلَام ، أَن يُؤْخَذ من حَوَاشِي أَمْوَالهم ويُرد عَلَى فقرائهم ، وأُوصيه بذمةِ الله وذمةِ رَسُوله - صلى الله عليه وسلم - أَن يُوفي لَهُم بعهدهم ، وَأَن يُقَاتل من ورائهم ، وَلَا يُكلفوا إِلَّا طاقتهم .

قَالَ : فَلَمَّا قبض خرجنَا بِهِ فَانْطَلَقْنَا نمشي فَسلم عبدُ الله بن عُمر وَقَالَ : يستأذنُ عمر بن الْخطاب . قَالَت : أدخلوه . فَأدْخل وَوضع هُنَالك مَعَ صَاحِبيهِ ، فَلَمَّا فرغ من دَفنه اجْتمع هَؤُلَاءِ الرهطُ ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف : اجعلوا أَمركُم إِلَى ثلاثةٍ مِنْكُم .

فَقَالَ الزبير : قد جعلت أَمْرِي إِلَى عَلي . وَقَالَ طَلْحَة : قد جعلت أَمْرِي إِلَى عُثْمَان . وَقَالَ سعد : قد جعلتُ أَمْرِي إِلَى عبد الرَّحْمَن بن عَوْف .

فَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف : أيكما يبرأ من هَذَا الْأَمر فنجعله إِلَيْهِ ، وَالله عَلَيْهِ وَالْإِسْلَام لينظرنَّ أفضلهم فِي نَفسه . فأسكت الشَّيْخَانِ ، فَقَالَ عبد الرَّحْمَن : أفتجعلونه إلي ، وَالله علي أَن لَا آلو عَن أفضلكم ؟ قَالَا : نعم . فَأخذ بيد أَحدهمَا فَقَالَ : لَك من قرَابَة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والقدم فِي الْإِسْلَام مَا قد علمت ، فَالله عَلَيْك لَئِن أمَّرْتُك لتعدِلنَّ ، وَلَئِن أمَّرت عُثْمَان لتسمعنَّ ولتطيعن .

ثمَّ خلا بِالْآخرِ فَقَالَ لَهُ مثل ذَلِك ، فَلَمَّا أَخذ الْمِيثَاق قَالَ : ارْفَعْ يدك يَا عُثْمَان . فَبَايعهُ فَبَايع لَهُ عَلّي ، وولج أهل الدَّار فَبَايعُوهُ . رَوَاهُ البُخَارِي فِي صَحِيحه بِكُل هَذَا اللَّفْظ ، وَفِيه بعض أَلْفَاظ غَرِيبَة يَنْبَغِي أَن تضبط مِنْهَا : قَوْله : الصَّنَع : هُوَ بِفَتْح الصَّاد وَالنُّون ، وَهُوَ الصَّانِع الْمجِيد المتقن وَالْمَرْأَة صناع .

وَقَوله : أَي لاَتَعْدُهم : أَي لَا تجاوزهم ، يُقَال : عداهُ يعدوه إِذا جاوزه إِلَى غَيره . و الرَّقِيق اسْم لجَمِيع العبيد وَالْإِمَاء . و الْبُرْنُس : قلنسوة طَوِيلَة كَانَ يلبسهَا الزهاد فِي صدر الْإِسْلَام .

و النَّبِيذ : شراب هُوَ تمر أَو زبيب منبوذ فِي ماءٍ ، وَالْمرَاد بِهِ الْحَلَال الْمُبَاح الَّذِي لَا يسكر . وَقَوله : فَإِنَّهُم ردءُ الْإِسْلَام أَي عونه . وَقَاتل عمر هُوَ أَبُو لؤلؤة فَيْرُوز غُلَام الْمُغيرَة بن شُعْبَة عَدو الله ، قيل : ضربه سِتّ ضربات .

موقع حَـدِيث