آثار الباب
الْأَثر الْخَامِس : أَن عمر - رضي الله عنه - : قتل خَمْسَة أَو سَبْعَة بِرَجُل قَتَلُوهُ غيلَة ، وَقَالَ : لَو تمالأ عَلَيْهِ أهل صنعاء لقتلتهم جَمِيعًا . وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن يَحْيَى بن سعيد عَن سعيد بن الْمسيب : أَن عمر بن الْخطاب قتل نَفرا خَمْسَة أَو سَبْعَة بِرَجُل قَتَلُوهُ قتل غيلَة ، وَقَالَ : لَو تمالأ عَلَيْهِ أهل صنعاء لقتلتهم جَمِيعًا . وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي الْأُم عَن مَالك كَذَلِك ، وَرَوَاهُ البُخَارِي فِي تَرْجَمَة بَاب قَالَ : قَالَ لي ابْن بشار : حَدثنَا يَحْيَى ، عَن عبيد الله ، عَن نَافِع ، عَن ابْن عمر أَن غُلَاما قُتل غيلَة ، فَقَالَ عمر : لَو اشْترك فِيهِ أهل صنعاء لقتلتهم .
قَالَ البُخَارِي : وَقَالَ مُغيرَة بن حَكِيم ، عَن أَبِيه : إِن أَرْبَعَة قتلوا صبيًّا فَقَالَ عمر .. . مثله . وَفِي رِوَايَة للدارقطني وَالْبَيْهَقِي الْجَزْم بِأَن عمر قتل سَبْعَة فِي دم غُلَام اشْتَركُوا فِي قَتله ، وَقَالَ : لَو تمالأ عَلَيْهِ أهل صنعاء لقتلتهم جَمِيعًا .
وَفِي رِوَايَة للبيهقي بإسنادٍ جيد عَن جرير بن حَازِم ، أَن الْمُغيرَة بن حَكِيم الصَّنْعَانِي حَدثهُ ، عَن أَبِيه : أَن امْرَأَة من صنعاء غَابَ عَنْهَا زَوجهَا وَترك فِي حجرها ابْنا لَهُ من غَيرهَا ، غُلَام يُقَال لَهُ : أصيل ، فاتخذت الْمَرْأَة بعد زَوجهَا خَلِيلًا ، فَقَالَت لخليلها : إِن هَذَا الْغُلَام يفضحنا فاقتله . فَأَبَى فامتنعت مِنْهُ ، فطاوعها فَاجْتمع عَلَى قَتله الرجل وَرجل آخر وَالْمَرْأَة وخادمها فَقَتَلُوهُ ، ثمَّ قطعوه أَعْضَاء وجعلوه فِي عَيْبةٍ من أَدَم وطرحوه فِي ركية فِي نَاحيَة الْقرْيَة وَلَيْسَ فِيهَا مَاء ، ثمَّ صاحت الْمَرْأَة ، فَاجْتمع النَّاس فَخَرجُوا يطْلبُونَ الْغُلَام ، قَالَ : فَمر رجل بالركية الَّتِي فِيهَا الْغُلَام فَخرج مِنْهَا الذُّبَاب الْأَخْضَر فَقلت وَالله إِن فِي هَذِه لجيفة وَمَعِي خليلها فَأَخَذته رعدة ، فذهبنا بِهِ فحبسناه وَأَرْسَلْنَا رجلا فَأخْرج الْغُلَام ، فأخذنا الرجل فاعترف فَأخْبرنَا الْخَبَر فَاعْترفت الْمَرْأَة وَالرجل الآخر وخادمها ، وَكتب لعَلي - وَهُوَ يَوْمئِذٍ أَمِير - بشأنهم فَكتب إِلَيْهِ عمر بِقَتْلِهِم جَمِيعًا ، وَقَالَ : وَالله لَو أَن أهل صنعاء اشْتَركُوا فِي قَتله لقتلتهم أَجْمَعِينَ . فَائِدَة : صَنْعاء : بِفَتْح الصَّاد وَإِسْكَان النُّون وبالمد فِيهِ وَهِي صنعاء الْيمن ، وَهِي قَاعِدَة الْيمن ، وَهِي من عجائب الدُّنْيَا كَمَا قَالَه الشَّافِعِي ، وينسب إِلَيْهَا صنعاني عَلَى غير قِيَاس .
وَذكر الْحَازِمِي فِي مؤتلفه : أَن صنعاء الْيمن يُقَال لَهَا : أَزَال ، بِفَتْح الْهمزَة وَالزَّاي ، ثمَّ ألف ، ثمَّ لَام ، وَيجوز كسرهَا وَضمّهَا ، ذكره فِي بَاب الْهمزَة . وَذكر فِي حرف الضَّاد الْمُعْجَمَة أَن ضنعان لُغَة قَليلَة فِي صنعاء . فَائِدَة ثَانِيَة : لَهُم صنعاء دمشق قَرْيَة كَانَت فِي جَانبهَا الغربي فِي نَاحيَة الربوة ، وَصَنْعَاء الرّوم .
فَائِدَة أُخْرَى : الغِيْلة : بِكَسْر الْغَيْن الْمُعْجَمَة ، ثمَّ يَاء مثناة تَحت سَاكِنة بنقطتين . تَنْبِيهُ : الْحِيلَة والغيلة عَلَى أَنْوَاع : أَحدهَا : الحنكة وَالْقَتْل هَذَا وَهُوَ أَن يحتال فِي قَتله . ثَانِيهَا : قتل الفتك وَهُوَ أَن يكون آمنا فيراقب حَتَّى يجد مِنْهُ غَفلَة فيقتله .
ثَالِثهَا : قتل الصَّبْر وَهُوَ الْقَتْل مجاهرة . رَابِعهَا : قتل الْغدر وَهُوَ الْقَتْل بعد الْأمان وَقَوله : تمالأ هُوَ مَهْمُوز أَي : تعاون ، قَالَ علي - رضي الله عنه - : وَالله مَا قتلت عُثْمَان وَلَا مالأت فِي قَتله أَي عاونت . قَالَ الْخطابِي فِي تصاحيف الروَاة : هُوَ مَهْمُوز من الْمَلأ ، أَي صَارُوا كلهم مَلأ وَاحِدًا فِي قَتله ، قَالَ : والمحدثون يَقُولُونَهُ بِغَيْر همز ، وَالصَّوَاب الْهَمْز ؛ لِأَن الْمَلأ مَهْمُوز غير مَقْصُور الْعَصَا .