الحَدِيث التَّاسِع بعد الْخمسين لَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا وَلَا اعترافًا
الحَدِيث التَّاسِع بعد الْخمسين رُوِي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا وَلَا اعترافًا . هَذَا الحَدِيث غَرِيب بِهَذَا اللَّفْظ وَعَزاهُ الإِمَام فِي نهايته إِلَى رِوَايَة الْفُقَهَاء ، فَقَالَ : قد رَوَى الْفُقَهَاء ، أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لَا تحمل الْعَاقِلَة عبدا وَلَا اعترافًا ، وغالب ظَنِّي أَن الصَّحِيح الَّذِي أوردهُ أَئِمَّة الحَدِيث : لَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا وَلَا اعترافًا فَلَو صَحَّ النَّقْل فِي العَبْد عَسُر التَّأْوِيل . وكأنَّ الرَّافِعِي تبعه فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَاخِر الْبَاب إِن هَذَا الحَدِيث مِمَّا تكلمُوا فِي ثُبُوته ، وَنقل ابْن الصّباغ أَن الْخَبَر لم يثبت مُتَّصِلا ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف عَلَى ابْن الْعَبَّاس .
قلت : وَالْمَعْرُوف فِي كتب الحَدِيث مَا فِي سنَن الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن وهب عَن الْحَارِث بن نَبهَان ، عَن مُحَمَّد بن سعيد عَن رَجَاء بن حَيْوَة ، عَن جُنَادَة بن أبي أُميَّة ، عَن عبَادَة بن الصَّامِت - رضي الله عنه - أَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لَا تجْعَلُوا عَلَى الْعَاقِلَة من دِيَة الْمُعْتَرف شَيْئا . وَهَذَا إِسْنَاد ضَعِيف ، الْحَارِث مَتْرُوك مُنكر الحَدِيث ، كَمَا قَالَه أَحْمد وَالْبُخَارِي وَالنَّسَائِي . وَمُحَمّد بن سعيد - أَظُنهُ المصلوب - الشَّامي الْكذَّاب الوضاع ، قَالَ أَحْمد : حَدِيثه حَدِيث مَوْضُوع .
وَاعْترض ابْن الْقطَّان عَلَى عبد الْحق حَيْثُ أعل الحَدِيث بِمُحَمد بن سعيد ، وَقَالَ : أَظُنهُ المصلوب وَأصَاب فِي تشككه فِيهِ . وَلكنه ترك من لَا يشك فِي تَعْلِيله بِهِ وَهُوَ الْحَارِث بن نَبهَان . وَرُوِي عَن جماعات مَوْقُوفا عَلَيْهِم رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي وَالْبَيْهَقِي من رِوَايَة عَامر عَن عمر أَنه قَالَ : الْعمد وَالْعَبْد وَالصُّلْح وَالِاعْتِرَاف لَا تعقله الْعَاقِلَة .
قَالَ الْبَيْهَقِي : كَذَا قَالَ : عَن عَامر ، عَن عمر ، وَهُوَ عَن عمر مُنْقَطع . قلت : وَضَعِيف ، فَإِن فِيهِ عبد الْملك بن حُسَيْن وَقد ضَعَّفُوهُ قَالَ : وَالْمَحْفُوظ أَنه عَن عَامر الشّعبِي من قَوْله : لَا تعقل الْعَاقِلَة عبدا وَلَا عمدا وَلَا صلحا وَلَا اعترافًا . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي أَيْضا من هَذِه الطَّرِيق ، قَالَ الْبَيْهَقِي : وَرُوِي عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا أَنه قَالَ : لَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا وَلَا صلحا وَلَا اعترافًا وَلَا مَا جنَى الْمَمْلُوك وَرَوَى مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن الزُّهْرِي أَنه قَالَ : مَضَت السّنة أَن الْعَاقِلَة لَا تحمل شَيْئا من دِيَة الْعمد إِلَّا أَن تعينه الْعَاقِلَة من طيب نَفْس قَالَ مَالك : وحَدثني يَحْيَى بن سعيد مثل ذَلِك ، قَالَ يَحْيَى : وَلم أدْرك النَّاس إِلَّا عَلَى ذَلِك ، وَرَوَى الْبَيْهَقِي بِإِسْنَادِهِ عَن أبي الزِّنَاد ، عَن الْفُقَهَاء من أهل الْمَدِينَة أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ : لَا تحمل الْعَاقِلَة مَا كَانَ عمدا وَلَا بصلح وَلَا اعْتِرَاف وَلَا ماجنى الْمَمْلُوك ، إِلَّا أَن يُحِبُّوا ذَلِك طولا مِنْهُم .