الحَدِيث الثَّانِي لَا يجلد فَوق عشرَة أسواط إِلَّا فِي حد
الحَدِيث الثَّانِي عَن أبي بردة بن ينار - رضي الله عنه - أَن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لَا يجلد فَوق عشرَة أسواط إِلَّا فِي حد من حُدُود الله - عز وجل - . هَذَا الحَدِيث صَحِيح أخرجه الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَغلط صَاحب الْمُنْتَقَى حَيْثُ قَالَ : رَوَاهُ الْجَمَاعَة إِلَّا النَّسَائِي . وَهُوَ فِيهِ فِي بَاب الرَّجْم من طرق ، وَقد عزاهُ إِلَيْهِ ابْن عَسَاكِر فِي أَطْرَافه ، وَقد تكلم فِي إِسْنَاده ابْن الْمُنْذر والأصيلي ، وَقد أوضحت ذَلِك مَعَ جَوَابه فِي شرح الْعُمْدَة فَرَاجعه مِنْهُ ، وَاعْلَم أَن الرَّافِعِي أورد الحَدِيث بِلَفْظ : لَا يجلد فَوق الْعشْرَة إِلَّا فِي حد بِإِطْلَاق النَّهْي عَن الزِّيَادَة مُطلقًا ، والْحَدِيث إِنَّمَا ورد بتقييد النَّهْي عَن الزِّيَادَة بالأسواط لَا مُطلقًا ، وَقد صرح الْإِصْطَخْرِي بذلك فِي تصنيفه فِي أدب الْقَضَاء فِي الْكَلَام عَلَى تَعْزِير من أَسَاءَ أدبه فَقَالَ : أحب أَن يضْرب بِالدرةِ ، فَإِن ضرب بِالسَّوْطِ فَأحب أَن لَا يُزَاد عَلَى الْعشْرَة ، فَإِن ضرب بِالدرةِ فَلَا يُزَاد عَلَى سَبْعَة وَثَلَاثِينَ .
قَالَ الْبَيْهَقِي : وَرُوِي عَن الصَّحَابَة فِي مِقْدَار التَّعْزِير آثَار مُخْتَلفَة ، وَأحسن مَا يُصَار إِلَيْهِ فِي هَذَا مَا ثَبت عَن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمَّ ذكر الحَدِيث من طرق . قَالَ الرَّافِعِي : وَصحح صَاحب التَّقْرِيب هَذَا الحَدِيث . قلت : قد وثق ، وَقد اعْترض الرَّافِعِي فِي تذنيبه عَلَى الْغَزالِي فِي قَوْله : إِن بعض الْأَئِمَّة صَححهُ .
فَقَالَ : رَوَاهُ البُخَارِي وَمُسلم ، وَزَاد بقوله : بعض الْأَئِمَّة صَاحب التَّقْرِيب . قَالَ : والْحَدِيث أظهر من أَن يُضَاف تَصْحِيحه إِلَى فَرد من الْأَئِمَّة . قَالَ : وَقد اشْتهر عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ : مذهبي مَا صَحَّ بِهِ الحَدِيث .
قَالَ الرَّافِعِي : وَالْأَظْهَر أَنه يجوز الزِّيَادَة عَلَى الْعشْر ، وَإِنَّمَا المراعى النُّقْصَان عَن الْحَد ، والْحَدِيث الْمَذْكُور مَنْسُوخ عَلَى مَا ذكره بَعضهم ، وَاحْتج بِعَمَل الصَّحَابَة - رضي الله عنهم - بِخِلَافِهِ من غير إِنْكَار ، وَعَن عمر - رضي الله عنه - أَنه كتب إِلَى أبي مُوسَى الأشعرى - رضي الله عنه - : أَنه لَا يبلغ بنكال أَكثر من عشْرين سَوْطًا وَيروَى ثَلَاثِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ . وَهَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْهَقِي حَيْثُ قَالَ : بعد أَن رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُغيرَة : كتب عمر بن عبد الْعَزِيز أَن لَا يبلغ فِي التَّعْزِير أدنَى الْحُدُود أَرْبَعِينَ سَوْطًا : قد رُوِي عَن الصَّحَابَة - رضي الله عنهم - فِي مِقْدَار التَّعْزِير آثَار مُخْتَلفَة .. . إِلَى آخر مَا أسلفناه عَنهُ .
تَنْبِيه : من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا لَا تَعْزِير فَوق عشْرين سَوْطًا قَالَ ابْن الْجَوْزِي فِي مَوْضُوعَاته : قَالَ أَبُو حَاتِم : فِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ يضع الحَدِيث ، ويروي مَا لَا أصل لَهُ من كَلَام رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا اعْتِبَارا .