الحَدِيث السَّابِع أَن رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم غزا بَدْرًا فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة
الحَدِيث السَّابِع أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - غزا بَدْرًا فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة ، وأُحُدًا فِي الثَّالِثَة ، وَذَات الرّقاع فِي الرَّابِعَة ، وغزوة الخَنْدَق فِي الْخَامِسَة ، وغزوة بني النَّضِير فِي السَّادِسَة ، وَفتح خَيْبَر فِي السَّابِعَة ، وَفتح مَكَّة فِي الثَّامِنَة ، وغزوة تَبُوك فِي التَّاسِعَة . هَذِه الْغَزَوَات ثَابِتَة مَشْهُورَة من أَرْبَاب الْمَغَازِي شهرة تغني عَن سرد الْأَحَادِيث فِيهَا ، وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة بدر فِي السّنة الثَّانِيَة فَلَا شكّ فِي ذَلِك وَلَا مرية ، وَكَانَت فِي رَمَضَان قطعا لسبع عشر خلت مِنْهُ ، وَكَانَت يَوْم الْجُمُعَة عَلَى الْمَشْهُور ، وَرَوَى ابْن عَسَاكِر فِي تَارِيخه فِي بَاب مولد النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِإِسْنَاد فِيهِ ضعف أَنَّهَا كَانَت يَوْم الِاثْنَيْنِ ، قَالَ : وَالْمَحْفُوظ أَنَّهَا كَانَت يَوْم الْجُمُعَة ، وَوَقع فِي الْمَاوَرْدِيّ أَنَّهَا يَوْم السبت ثَانِي عشر من رَمَضَان ، وَوَقع فِي الْكِفَايَة لِابْنِ الرّفْعَة أَنَّهَا يَوْم السبت سَابِع عشر فَالله أعلم ، وَكَأَنَّهُ يَوْم الْخُرُوج ، وتاريخ الْوَقْعَة ، فَإِن الْخُرُوج يَوْم السبت فِي الثَّانِي عشر ، وَقيل : فِي الثَّالِث والوقعة سَابِع عشر . فَائِدَة : بدر مَاء مَعْرُوف ، وقرية عامرة ، عَلَى نَحْو أَربع مراحل من الْمَدِينَة ، قَالَ ابْن قُتَيْبَة فِي مغازيه : وَهِي بِئْر لرجل يُدعَى بدر فسميت باسمه ، قَالَ : وَقَالَ أَبُو الْيَقظَان : كَانَ بدر رجل من بني غفار فنسب المَاء إِلَيْهِ .
قَالَ ابْن دحْيَة فِي كتاب التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير : هَذَا هذيان ، وَالزبير أوثق مِنْهُ ، وَقد قَالَ : بدر بن مخلد بن الْحَارِث صَارَت بدر الَّذِي سميت بِهِ وَهُوَ احتفرها ، وَقَالَ الْحَازِمِي فِي المؤتلف والمختلف : وَقيل : بل هُوَ رجل من بني ضَمرَة ، سكن هَذَا الْموضع فنسب إِلَيْهِ ، ثمَّ غلب اسْمه عَلَيْهِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ : وتذكر وتؤنث . فَائِدَة أُخْرَى : ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث الْبَراء أَن عدد أهل بدر ثَلَاثمِائَة وَبضْعَة عشر ، وَفِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث (ابْن عمر) أَنهم كَانُوا ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر ، قَالَ الرَّافِعِيّ فِي أَمَالِيهِ : وَالْمَشْهُور أَنهم ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر ، ثمَّ ذكره بِإِسْنَاد ، وَعَن الْبَراء قَالَ : كُنَّا نتحدث أَن أَصْحَاب بدر كَانُوا بِعَدَد أَصْحَاب طالوت ثَلَاثمِائَة وَثَلَاثَة عشر ، قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى سَبْعَة عشر ، قَالَ : (وَكَانُوا) ذكرُوا مَا ذكرُوا عَلَى سَبِيل التَّقْرِيب . قَالَ : هَذِه عدَّة الْمُؤمنِينَ ، وَأما الْمُشْركُونَ فَفِي الْخَبَر أَنهم كَانُوا ألفا ، فَرد الْأَخْنَس ثَلَاثمِائَة من بني زهرَة ، وَبَقِي سَبْعمِائة ، قَالَه مقَاتل .
وَالثَّانِي : أَنهم كَانُوا دون الْألف وَفَوق السبعمائة ، فَلَعَلَّ بَعضهم عد الْمُقَاتلَة ، وَبَعْضهمْ عد الْجَمِيع . وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة أحد فِي الثَّالِثَة فَلَا شكّ فِيهِ أَيْضا وَلَا مرية ، وَكَانَت يَوْم السبت سَابِع شَوَّال ، كَذَا قَالَه ابْن الطلاع فِي أَحْكَامه ، وَابْن دحْيَة فِي تنويره ، والنووي فِي روضته ، وَقَالَ فِي تهذيبه : لإحدى عشرَة خلت مِنْهُ عَلَى رَأس اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ شهرا من الْهِجْرَة ، وَقَالَ ابْن الطلاع : كَذَا ذكره ابْن الْمفضل وَقَالَ غَيره : لثلاث خلت من شَوَّال . فَائِدَة : أحد - بِضَم الْهمزَة والحاء - جبل بِجنب الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة عَلَى ساكنها أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام ، عَلَى نَحْو ميلين مِنْهُ ، كَانَت هَذِه الْوَقْعَة الْعُظْمَى ، قتل فِيهَا خَمْسَة وَسَبْعُونَ من الْمُسلمين ، وَفِي الصَّحِيح هَذَا جبل يحبنا ونحبه .
وَأما مَا ذكره من كَون غَزْوَة ذَات الرّقاع فِي الرَّابِع فَهُوَ مَا جزم بِهِ [ ابْن ] الْجَوْزِيّ فِي تلقيحه ، وَكَذَا قَالَ ابْن الْقطَّان : أَنَّهَا كَانَت بعد بني النَّضِير فِي صدر السّنة الرَّابِعَة من الْهِجْرَة ، وَبِه جزم شَيخنَا فتح الدَّين الْيَعْمرِي فِي سيرته الصُّغْرَى ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه : هَذَا قَوْله وَالأَصَح أَنَّهَا فِي سنة خمس ، وَجزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ ، وَهُوَ فِي الرَّوْضَة قَالَ : وَهِي فِي أول الْمحرم . فَائِدَة : فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك خلاف ، سلف فِي صَلَاة الْخَوْف الْخلاف فِي سَبَب تَسْمِيَتهَا بذلك ، ونقلنا هُنَاكَ عَن البُخَارِيّ أَنه ذكر أَنَّهَا بعد خَيْبَر . وَأما مَا ذكره من كَون غزَاة الخَنْدَق فِي الْخَامِسَة هُوَ مَا جزم بِهِ أَيْضا ابْن الْجَوْزِيّ فِي تلقيحه ، وَابْن دحْيَة فِي تنويره ، وَالأَصَح أَنَّهَا فِي الرَّابِعَة ، فَفِي صَحِيح البُخَارِيّ فِي أول بَاب غَزْوَة الخَنْدَق قَالَ : قَالَ مُوسَى بن عقبَة : كَانَت غَزْوَة الخَنْدَق فِي سنة أَربع ، وَقَالَ أَبُو عبيد فِي الْأَمْوَال : كَانَت بعد أحد بِسنتَيْنِ ، وَقَالَ النَّوَوِيّ : ذكر جمَاعَة أَنَّهَا فِي الْخَامِسَة ، وَالأَصَح أَنَّهَا فِي الرَّابِعَة ، وَقَالَ فِي تهذيبه : أَنه الصَّحِيح ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : عرضت عَلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم أحد وَأَنا ابْن أَربع عشرَة سنة فَلم يجزني ، وَعرضت عَلَيْهِ يَوْم الخَنْدَق ، وَأَنا ابْن خمس عشرَة فأجازني قَالَ : وَقد أجْمَعُوا أَن أحدا فِي الثَّالِثَة .
فَائِدَة : كَانَت فِي ذِي الْقعدَة ، وَقيل : فِي شَوَّال حَكَاهُمَا ابْن الرّفْعَة فِي كِتَابيه ، وَكَانَت مُدَّة حصارهم خَمْسَة عشر يَوْمًا ، ثمَّ أرسل الله عَلَى الْكفَّار ريحًا وجنودًا لم يرهَا الْمُسلمُونَ فَهَزَمَهُمْ بهَا ، وَالْخَنْدَق هُوَ خَنْدَق الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة حفره عَلَيْهِ السَّلَام وَأَصْحَابه لما تحزبت عَلَيْهِم الْأَحْزَاب . وَأما غزَاة بني النَّضِير فِي السَّادِسَة فَغَرِيب جدا ، وَإِن كَانَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ سبقه إِلَى ذَلِك فِي نهايته وَنَقله فِي كِفَايَته ، وَأقرهُ عَلَيْهِ ، فَفِي البُخَارِيّ أَنَّهَا كَانَت بعد بدر بِسنة وَشهر قَالَه عُرْوَة ، قَالَ ابْن شهَاب : فِي الْمحرم سنة ثَلَاث ، وَقَالَ غَيره : سنة أَربع خرج إِلَيْهِم رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عَشِيَّة الْجُمُعَة لتسْع مضين من ربيع الأول ، وحوصروا ثَلَاثة وَعشْرين يَوْمًا وَجزم بِهَذَا الْمَاوَرْدِيّ حَيْثُ قَالَ : إِنَّهَا فِي ربيع الأول سنة أَربع ، وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَحْقِيقه وَالنَّوَوِيّ فِي روضته و تهذيبه : أَنه سنة ثَلَاث . قلت : نعم ، غَزْوَة بني المصطلق كَانَت سنة سِتّ عَلَى الْأَصَح ، وَمِمَّنْ صَححهُ ابْن دحْيَة فِي تنويره ، وَقيل : سنة خمس (قَالَ) الدمياطي : وَهُوَ الصَّحِيح .
فَائِدَة : النَّضِير بضاد مُعْجمَة غير مشالة ، بِخِلَاف قُرَيْظَة فَإِنَّهَا بِظَاء مشالة ، وهما جَمِيعًا من يهود خَيْبَر ، وينسبان إِلَى هَارُون عَلَيْهِ السَّلَام ، وَالنضْر : هُوَ الذَّهَب ، وَكَذَلِكَ النضار بِضَم النُّون . وَأما كَون فتح خَيْبَر فِي السَّابِعَة فَهُوَ الْمَعْرُوف ، وَبِه جزم ابْن دحْيَة فِي تنويره حَيْثُ قَالَ : خرج إِلَيْهَا فِي صفر سنة سبع ؛ لِأَنَّهُ قدم من الْحُدَيْبِيَة عشرَة آلَاف مقَاتل ، وَنقل ابْن الطلاع عَن ابْن هِشَام أَنه قَالَ : إِنَّهَا كَانَت فِي صفر سنة سِتّ وَهُوَ غَرِيب ، وَجزم فِي الْكِفَايَة هُنَا بِالْأولِ ، وَخَالف فِي زَكَاة الثِّيَاب فاعلمه ، وَذكر هُنَا أَنه خرج مَعَه من حضر عمْرَة الْحُدَيْبِيَة من الأجناد ، وَخَالف فِي كتاب الْحَج . فَائِدَة : أَقَامَ عَلَيْهِ السَّلَام عَن حِصَار خَيْبَر بضع عشرَة لَيْلَة ، قَالَ الْحَازِمِي : وخيبر نَاحيَة مَشْهُورَة ، وَبَينهَا ، وَبَين الْمَدِينَة مسيرَة أَيَّام ، وَهِي تشْتَمل عَلَى حصون ومزارع ، ونخل كثير قَالَ : وَيُقَال : لأراضي خَيْبَر الخبائر .
وَأما كَون فتح مَكَّة فِي سنة ثَمَان فَهُوَ كَذَلِك ، وَكَذَا كَون غَزْوَة تَبُوك فِي التَّاسِعَة ، وَكَانَ فِي رَجَب ، وَوَقع فِي الزَّمَخْشَرِيّ فِي سُورَة بَرَاءَة أَنَّهَا فِي الْعَاشِرَة ، وَهُوَ عَجِيب ، قَالَ الْحَازِمِي فِي مؤتلفه : وتبوك بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة ، ثمَّ وَاو ، ثمَّ كَاف : قَرْيَة بِنَاحِيَة الشَّام بَينهَا وَبَين وَادي الْقرى مراحل ، انْتَهَى إِلَيْهَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لما أَرَادَ غَزْوَة الرّوم .