الحَدِيث الرَّابِع بعد الْخمسين وَأخذ المَال فِي فدَاء أَسْرَى بدر مَشْهُور
الحَدِيث الرَّابِع بعد الْخمسين قَالَ الرَّافِعِيّ : وَأخذ المَال فِي فدَاء أَسْرَى بدر مَشْهُور . هُوَ كَمَا قَالَ . وَقد ورد ذَلِك فِي عدَّة أَحَادِيث : أَحدهَا : عَن ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما قَالَ : لما كَانَ يَوْم بدر نظر رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَى الْمُشْركين وهم ألف ، وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَتِسْعَة عشر رجلا ، فَاسْتقْبل نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - الْقبْلَة ، ثمَّ مد يَده ، فَجعل يَهْتِف بربه يَقُول : اللَّهُمَّ أنْجز [ لي ] مَا وَعَدتنِي ، اللَّهُمَّ إِن تهْلك هَذِه الْعِصَابَة من أهل الْإِسْلَام لَا تعبد فِي الأَرْض ، فَمَا زَالَ يَهْتِف بربه مادًّا يَدَيْهِ حَتَّى سقط رِدَاؤُهُ عَن مَنْكِبه ، فَأَتَاهُ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ، فَأخذ رِدَاءَهُ ، فَأَلْقَاهُ عَلَى (مَنْكِبه) ، ثمَّ الْتَزمهُ من وَرَائه ، وَقَالَ : يَا نَبِي الله ، كَذَاك مُنَاشَدَتك رَبك ؛ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعدك ، فَأنْزل الله عَزَّ وَجَلَّ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾( فأيده ) الله بِالْمَلَائِكَةِ .
قَالَ (سماك) : فَحَدثني ابْن عَبَّاس قَالَ : بَيْنَمَا رجل من الْمُسلمين يومئذٍ يشْتَد فِي أثر [ رجل ] من الْمُشْركين أَمَامه إِذْ سمع ضَرْبَة بِالسَّوْطِ فَوْقه ، وَصَوت الْفَارِس يَقُول : أقدم حيْزُوم ، إِذْ نظر إِلَى الْمُشرك أَمَامه خر [ مُسْتَلْقِيا ] ، فَنظر إِلَيْهِ ، فَإِذا هُوَ قد خطم أَنفه ، وشق وَجهه (بِضَرْب) السَّوْط ، فاخضر ذَلِك أجمع ، فجَاء الْأنْصَارِيّ فحدَّث بذلك رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : صدقت ، ذَلِك من مدد السَّمَاء الثَّالِثَة . فَقتلُوا يَوْمئِذٍ سبعين ، وأسروا سبعين ، قَالَ ابْن عَبَّاس : فَلَمَّا أَسرُّوا الْأسَارَى قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - لأبي بكر وَعمر : مَا ترَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ الْأسَارَى ؟ فَقَالَ أَبُو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه : يَا رَسُول الله ، بَنو الْعم وَالْعشيرَة ، أرَى أَن تَأْخُذ مِنْهُم فديَة ، فَتكون لنا قُوَّة عَلَى الْكفَّار ، فَعَسَى الله أَن يهْدِيهم إِلَى الْإِسْلَام . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَا ترَى يَا ابْن الْخطاب ؟ قَالَ : قلت : لَا وَالله يَا رَسُول الله ، مَا أرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بكر ، وَلَكِنِّي أرَى أَن تمَكنا من أَعْنَاقهم فَنَضْرِب أَعْنَاقهم ، فَتمكن عليًّا من عقيل ، وَتُمَكِّنِّي من فلَان - نسيبًا لعمر - فَأَضْرب عُنُقه ؛ فَإِن هَؤُلَاءِ أَئِمَّة الْكفْر وصناديدها ؛ فهوى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - مَا قَالَ أَبُو بكر ، وَلم يَهو مَا قلت ، فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جِئْت ، فَإِذا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَأَبُو بكر قَاعِدين يَبْكِيَانِ .
فَقلت : يَا رَسُول الله ، أَخْبرنِي من أَي شَيْء تبْكي أَنْت وَصَاحِبك ، فَإِن وجدت بكاء بَكَيْت ، وَإِن لم أجد بكاء تَبَاكَيْت ببكائكما . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : (أبْكِي للَّذي عرض عليَّ أَصْحَابك من أَخذهم الْفِدَاء ، لقد عرض عَلّي عَذَابهمْ أدنَى من هَذِه الشَّجَرَة - لشَجَرَة قريبَة) من نَبِي الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَأنْزل الله عَزَّ وَجَلَّ : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ إِلَى قَوْله : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ وَأحل الْغَنِيمَة . أخرجه مُسلم بِهَذِهِ الْحُرُوف كلهَا .
وَفِي رِوَايَة للْحَاكِم : فلقي النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعد ذَلِك عمر فَقَالَ : كَاد أَن يصيبنا من خِلافك بلَاء ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد ، وَلم يخرجَاهُ .