الْآثَار
الْأَثر الثَّانِي : عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه أَنه قَالَ : " أَنا فِئَة لكل مُسلم ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُنُوده بِالشَّام وَالْعراق " .
وَهَذَا الْأَثر صَحِيح ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الشَّافِعِي ، عَن ابْن عُيَيْنَة ، عَن ابْن أبي نجيح ، عَن مُجَاهِد ، أَن عمر بن الْخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ : " أَنا فِئَة لكل مُسلم " ، وَقد رُوِيَ هَذَا عَن ابْن عمر مَرْفُوعا ، أخرجه الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادِهِ من حَدِيث يزِيد بن أبي زِيَاد ، عَن عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى ، عَن عبد الله بن عمر قَالَ : " بعثنَا رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي سَرِيَّة ، فلقينا الْعَدو ، فَحَاص الْمُسلمُونَ حَيْصَة ، وَكنت فِيمَن حَاص ، قلت فِي نَفسِي : لَا
ندخل الْمَدِينَة ، وَقد بؤنا بغضب من الله ، ثمَّ قُلْنَا : ندْخلهَا فنمتار مِنْهَا ، فَدَخَلْنَا فلقينا النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ خَارج إِلَى الصَّلَاة فَقُلْنَا : نَحن الْفَرَّارُونَ ، فَقَالَ : [ بل ] أَنْتُم الْعَكَّارُونَ . فَقُلْنَا : يَا رَسُول الله ، أردنَا أَن لَا ندخل الْمَدِينَة ، وَإن نزلنَا الْبَحْر . فَقَالَ : لَا تَفعلُوا ؛ فَإِنِّي فِئَة كل مُسلم " .
وَأخرجه الشَّافِعِي ، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة ، عَن يزِيد نَحوه . وَأخرجه أَحْمد أَيْضا عَن حسن ، عَن زُهَيْر ، عَن يزِيد ، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ نَحوه ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث حسن لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث [ يزِيد ابْن أبي زِيَاد ] .
قَالَ ابْن الْقطَّان : وَإِنَّا لم نصححه ؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة يزِيد بن أبي زِيَاد ، وَقد عُلِم مَا فِيهِ .
فَائِدَة : مَعْنَى قَوْله : " فَحَاص النَّاس حَيْصَة " : فروا من الْقِتَال . قَالَه التِّرْمِذِيّ ، وَقَالَ ابْن الرّفْعَة فِي " كِفَايَته " : حا ، وصاد مهملتين أَي : مالوا يُرِيدُونَ الْفِرَار .
قَالَ : وَرُوِيَ بِالْجِيم بِمَعْنى فروا ، وَمَعْنى قَوْله : " بل أَنْتُم الْعَكَّارُونَ " الْعَكَّارُ الَّذِي يفر إِلَى أَمَامه ؛ ليبصره لَيْسَ يُرِيد بِهِ الْفِرَار من الزَّحْف .
فَائِدَة أُخْرَى : هَذِه السّريَّة هِيَ عزوة مُؤْتَة ، كَمَا جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي بعض الرِّوَايَات ، وَكَانَ الْعَدو كثيرا جدا ، كَانُوا قَرِيبا من مِائَتي ألف من الرّوم ،
ونصارى الْعَرَب ، وَكَانَ الْمُسلمُونَ نَحوا من ثَلَاثَة آلَاف فَقَط ، كَذَا قيل .