الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين إِذا كذب الْمُسلم عَلَى رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم عمدا
الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين قَالَ الرَّافِعِيّ : إِذا كذب الْمُسلم عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - عمدا ، فَعَن الشَّيْخ أبي مُحَمَّد أَنه يكفر ، ويراق دَمه . قَالَ الإِمَام : وَهَذِه زلَّة ، وَلم أر مَا قَالَه لأحدٍ من الْأَصْحَاب ، وَالظَّاهِر أَنه يُعَزّر وَلَا يكفر وَلَا يقتل ، وَمَا رُوِيَ أَن رجلا انْطلق إِلَى طَائِفَة من الْعَرَب ، وَأخْبرهمْ أَنه رَسُولُ رَسُولِ الله إِلَيْهِم فأكرموه ، ثمَّ ظهر الْحَال ، فَأَمرهمْ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بقتْله ، فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَن الرجل كَانَ كَافِرًا . انْتَهَى كَلَامه .
وَهَذَا الحَدِيث ذكره الْحَافِظ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ فِي مُقَدّمَة كِتَابه الموضوعات من طرق فِي أول حَدِيث : من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ، قَالَ : وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ ثمانية و ] تسعون نفسا . ثمَّ ذكرهَا بأسانيده . قَالَ : وَهَذِه الطّرق هِيَ سَبَب هَذَا الحَدِيث : أَحدهَا : من طَرِيق ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه قَالَ : جَاءَ رجل إِلَى قوم فِي جَانب الْمَدِينَة فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمرنِي أَن أحكم فِيكُم برأيي ، وَفِي أَمْوَالكُم ، وَفِي كَذَا وَفِي كَذَا .
وَكَانَ خطب امْرَأَة مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة فَأَبَوا أَن يزوجوه ، ثمَّ ذهب حَتَّى نزل عَلَى الْمَرْأَة ، فَبَعثه الْقَوْم إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : كذب عَدو الله . ثمَّ أرسل رجلا فَقَالَ : إِن وجدته حيًّا فاقتله ، وَإِن وجدته مَيتا فحرقه بالنَّار . فَانْطَلق فَوَجَدَهُ قد لدغ فَمَاتَ فحرقه بالنَّار ، فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار .
ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق ابْن بُرَيْدَة عَن أَبِيه أَيْضا قَالَ : كَانَ حَيّ من بني لَيْث من الْمَدِينَة عَلَى ميلين ، وَكَانَ رجل قد خطب مِنْهُم فِي الْجَاهِلِيَّة فَلم يزوجوه ، فَأَتَاهُم وَعَلِيهِ حلَّة فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - كساني هَذِه الْحلَّة ، وَأَمرَنِي أَن أحكم فِي أَمْوَالكُم ودمائكم ، ثمَّ انْطلق فَنزل عَلَى تِلْكَ الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ يُحِبهَا ، فَأرْسل الْقَوْم إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : كذب عَدو الله ، ثمَّ أرسل رجلا فَقَالَ : إِن وجدته حَيا - وَمَا أَرَاك تَجدهُ حيًّا - فَاضْرب عُنُقه ، وَإِن وجدته مَيتا فأحرقه بالنَّار . قَالَ : فَجَاءَهُ فَوَجَدَهُ قد لدغته أَفْعَى فَمَاتَ فحرقه بالنَّار قَالَ : فَذَلِك قَول رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار . قلت : وَأخرج هَذَا الْبَغَوِيّ فِي مُعْجَمه عَن يَحْيَى الْحمانِي ، عَن عَلّي بن مسْهر ، عَن صَالح بن حَيَّان ، عَن ابْن بُرَيْدَة ، عَن أَبِيه بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور إِلَى أَن قَالَ : فَنزل عَلَى الْمَرْأَة الَّتِي كَانَ يخطبها بدل يُحِبهَا .
وَصَالح هَذَا ضعَّفه ابْن معِين ، وَقَالَ مرّة : لَيْسَ بِذَاكَ ، وَقَالَ البُخَارِيّ : فِيهِ نظر ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَة ، وَقَالَ ابْن حبَان : لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بِهِ إِذا انْفَرد ، وَقَالَ ابْن عدي : عَامَّة مَا يرويهِ غير مَحْفُوظ . الطَّرِيق الثَّانِي : من طَرِيق عَطاء بن السَّائِب ، عَن عبد الله بن الْحَارِث رَفعه قَالَ : تَدْرُونَ فِيمَن كَانَ الحَدِيث : من كذب عَليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ؟ كَانَ فِي أبي خدعة رجلا أَعْجَبته امْرَأَة من أهل قبَاء ، فطلبها فَلم يقدر عَلَيْهَا ، فَأَتَى السُّوق فَاشْتَرَى حُلة مثل حُلة رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ثمَّ جَاءَ إِلَى الْقَوْم فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - إِلَيْكُم ، وَهَذِه حُلة كسانيها ، وَقد أَمرنِي أَن أتخير أَي بُيُوتكُمْ شِئْت فأتضيفه ، فَلَمَّا رَأَوْهُ ينظر بيتوتة اللَّيْل قَالَ بَعضهم لبَعض : وَالله لعهدنا برَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَهُوَ نهَى عَن الْفَوَاحِش فَمَا هَذَا ؟ يَا فلَان وَيَا فلَان ، انْطَلقَا فاسألاه عَمَّا جَاءَ بِهِ هَذَا ، فجَاء إِلَى النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَقد قَالَ : فاستنظراه حَتَّى اسْتَيْقَظَ ، فَقَالَا : يَا رَسُول الله ، أَتَانَا رَسُولك أَبُو خدعة ، قَالَ : وَمن أَبُو خدعة ؟ قَالَا : زعم أَنَّك أَرْسلتهُ ، وَعَلِيهِ حلتك ، زعم أَنَّك كسوتها إِيَّاه ، فَجِئْنَا نَسْأَلك عَمَّا جَاءَ بِهِ ، فَغَضب حَتَّى احمر وَجهه ، ثمَّ قَالَ : من كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ، ثمَّ قَالَ : يَا فلَان [ و ] يَا فلَان ، انْطَلقَا فأسرعا فَإِن أدركتماه فاقتلاه ، ثمَّ أحرقاه بالنَّار ، وَلَا أراكما إِلَّا ستكفيانه ، فَإِن كفيتماه فَحَرقَاهُ بالنَّار ، فجاءا وَقد ذهب يَبُول ، فَذهب يَأْخُذ مَاء فِي جدول فَخرجت (مِنْهُ) حَيَّة أَو أَفْعَى فَقتلته . الطَّرِيق الثَّالِث : من طَرِيق عَطاء أَيْضا ، عَن عبد الله بن الزبير قَالَ : قَالَ يَوْمًا لأَصْحَابه : أَتَدْرُونَ مَا تَأْوِيل هَذَا الحَدِيث من كذب عليَّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار ؟ قَالَ : عشق رجل امْرَأَة فَأَتَى أَهلهَا مسَاء فَقَالَ : إِنِّي رَسُولُ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بَعَثَنِي إِلَيْكُم أَن أتضيف فِي أَي بُيُوتكُمْ شِئْت ، قَالَ : وَكَانَ ينْتَظر بيتوتة الْمسَاء ، قَالَ : فَأَتَى رجل مِنْهُم النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فَقَالَ : إِن فلَانا يزْعم أَنَّك أَمرته أَن يبيت فِي أَي بُيُوتنَا مَا شَاءَ ، فَقَالَ : كذب ، يَا فلَان ، انْطلق مَعَه ، فَإِن أمكنك الله مِنْهُ فَاضْرب عُنُقه وَأحرقهُ بالنَّار ، وَلَا أَرَاك إِلَّا قد كفيته ، فَلَمَّا خرج الرَّسُول قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : ادعوهُ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : إِنِّي كنت أَمرتك أَن تضرب عُنُقه وَأَن تحرقه بالنَّار ، فَإِن أمكنك الله فَاضْرب عُنُقه وَلَا تحرقه بالنَّار ؛ فَإِنَّهُ لَا يعذب بالنَّار إِلَّا رب النَّار ، وَلَا أَرَاك إِلَّا قد كفيته ، فَجَاءَت السَّمَاء فصبت ، فَخرج ليتوضأ فلسعته أَفْعَى ، فَلَمَّا بلغ ذَلِك النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : هُوَ فِي النَّار .
قلت : وَأخرجه أَحْمد فِي مُسْنده ، وَالطَّبَرَانِيّ فِي أكبر معاجمه ، عَن عَلّي بن عبد الْعَزِيز ، ثَنَا أَبُو نعيم ، ثَنَا أَبُو حَمْزَة ، عَن سَالم بن أبي الْجَعْد ، عَن عبد الله بن مُحَمَّد ابن الْحَنَفِيَّة قَالَ : انْطَلَقت مَعَ أبي إِلَى صهر لنا من أسلم ، فَقَالَ : سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ يَقُول ] : أَرحْنَا بهَا يَا بِلَال . قَالَ : قلت لَهُ : أَنْت سمعته من رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ؟ فَغَضب [ وَأَقْبل عَلَى الْقَوْم يُحَدِّثهُمْ أَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بعث رجلا إِلَى حَيّ من الْعَرَب ، فَلَمَّا أَتَاهُم قَالَ : إِن ] رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ أَمرنِي ] أَن أحكم فِي نِسَائِكُم ، فَقَالُوا : إِن كَانَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمرك أَن تحكم فِي نسائنا فَسمع وَطَاعَة لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، ثمَّ [ صدقوه ] وبيتوه ، وبعثوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - [ فَقَالُوا ] : إِن فلَانا أَتَانَا فَقَالَ : إِن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أَمرنِي أَن أحكم فِي نِسَائِكُم ، فَإِن كنت أَمرته فَسمع وَطَاعَة ، فَبعث رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - رجلا من الْأَنْصَار فَقَالَ : اقتله وَأحرقهُ بالنَّار . فَعِنْدَ ذَلِك قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : من كذب عَلّي مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار .
أَترَانِي أكذب عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم ؟ . قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان : تفرد بِهِ الْحجَّاج بن الشَّاعِر ، عَن زَكَرِيَّا بن عدي ، عَن عَلّي بن مسْهر ، وَرَوَى سُوَيْد عَن عَلّي قِطْعَة من آخر الحَدِيث . قلت : لَا ؛ فقد رَوَاهُ الْبَغَوِيّ ، عَن يَحْيَى الْحمانِي ، عَن عَلّي بن مسْهر .
قَالَ الذَّهَبِيّ : وَرَوَاهُ صَاحب الصارم المسلول من طَرِيق الْبَغَوِيّ ، عَن يَحْيَى الْحمانِي ، عَن عَلّي بن مسْهر وَصَححهُ ، وَلم يَصح بِوَجْه . هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب .