الحَدِيث الْخَامِس أنَّه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم هادن قُريْشًا ثمَّ أبطل الْعَهْد قبل تَمام الْمدَّة
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - هادن قُريْشًا ، ثمَّ أبطل الْعَهْد قبل تَمام الْمدَّة . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك ، فَقيل : نسخت الزِّيَادَة عَلَى أَرْبَعَة أشهر فَلذَلِك أبْطلهُ ، وَالأَصَح أَنَّهَا مَا نسخت ، وَإِنَّمَا أَقَامَ عَلَى الْهُدْنَة سِنِين ، وَإِنَّمَا أبطل الْعَهْد ؛ لِأَنَّهُ وَقع شَيْء بَين حلفاء النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وهم خُزَاعَة ، وَبَين حلفاء قُرَيْش وهم بَنو بكر ، [ فأعانت قُرَيْش حلفاءها ] عَلَى حلفاء رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فانتقضت هدنتهم . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَرُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام لما هادن قُريْشًا عَام الْحُدَيْبِيَة دخل بَنو خُزَاعَة عَلَى عهد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَبَنُو بكر فِي عهد قُرَيْش ، ثمَّ عدا بَنو بكر عَلَى خُزَاعَة ، وَأَعَانَهُمْ ثَلَاثَة نفر من قُرَيْش ، فَجعل النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ذَلِك نقضا للْعهد ، وَسَار إِلَى مَكَّة وَفتحهَا .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن إِسْحَاق قَالَ : حَدثنِي الزُّهْرِيّ ، عَن عُرْوَة بن الزبير ، عَن مَرْوَان بن الحكم ، والمسور بن مخرمَة أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ جَمِيعًا [ قَالَا ] : كَانَ فِي صلح رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَوْم الْحُدَيْبِيَة بَينه وَبَين قُرَيْش : أَنه من شَاءَ أَن يدْخل فِي عقد مُحَمَّد وَعَهده دخل ، وَمن شَاءَ أَن يدْخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ دخل . فتواثبت خُزَاعَة فَقَالُوا : نَحن ندخل فِي عقد مُحَمَّد وَعَهده . وتواثبت بَنو بكر فَقَالُوا : نَحن ندخل فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ .
فَمَكَثُوا فِي تِلْكَ الْهُدْنَة نَحْو السَّبْعَة أَو الثَّمَانِية عشر شهرا ، ثمَّ إِن بني بكر الَّذين كَانُوا دخلُوا فِي عقد قُرَيْش وَعَهْدهمْ وَثبُوا عَلَى خُزَاعَة الَّذين دخلُوا فِي عقد رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَعَهده لَيْلًا بِمَاء لَهُم يُقَال لَهُ : الْوَتِير ، قريب من مَكَّة فَقَالَت [ قُرَيْش ] : مَا يعلم بِنَا مُحَمَّد ، وَهَذَا اللَّيْل وَمَا يَرَانَا أحد . فأعانوهم عَلَيْهِم بِالْكُرَاعِ وَالسِّلَاح ، فقاتلوهم مَعَهم لِلضِّغْنِ عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - وَإِن عَمْرو بن سَالم ركب إِلَى رَسُول الله عِنْدَمَا كَانَ من أَمر بني خُزَاعَة ، وَبني بكر بالْوَتِير حَتَّى قدم الْمَدِينَة عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يُخبرهُ الْخَبَر ، وَقد قَالَ أَبْيَات شعر ، فَلَمَّا قدم عَلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - أنْشدهُ إِيَّاهَا : اللَّهُمَّ إِنِّي نَاشد مُحَمَّدًا حلف أَبينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا كُنَّا والدا وَكنت ولدا ثمت أسلمنَا وَلم ننزع يدا فانصر رَسُول الله نصرا عتدَا وَادعوا [ عباد ] الله [ يَأْتُوا مدَدا ] فيهم رَسُول الله قد تجردا إِن سيم خسفا وَجهه تربدا فِي [ فيلق ] كالبحر يجْرِي مزبدا إِن قُريْشًا (أخْلفُوا) الْمَوْعِدَا وَنَقَضُوا مِيثَاقك الْمُؤَكَّدَا وَزَعَمُوا أَن لست أَدْعُو أحدا فهم أذلّ وَأَقل عددا قد جعلُوا إِلَى بكداك المرصدا هم بَيَّتُونَا بالْوَتِير هُجَّدا فَقَتَلُونَا ركعا وَسجدا فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : نصرت يَا عَمْرو بن سَالم ، فَمَا برح حَتَّى مرت (غمامة) فِي السَّمَاء ، فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : إِن هَذِه السحابة تستهل بنصر بني كَعْب . وَأمر النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - النَّاس بالجهاز وكتمهم مخرجه ، وَسَأَلَ الله أَن يعمي عَلَى قُرَيْش خَبره ، حَتَّى يبغتهم فِي بِلَادهمْ .
وَفِي رِوَايَة للبيهقي أَيْضا من حَدِيث مُوسَى بن عقبَة : أَن أَبَا بكر قَالَ لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : تُرِيدُ قُريْشًا ؟ قَالَ : نعم . قَالَ : أَلَيْسَ بَيْنك وَبينهمْ مُدَّة ؟ ! قَالَ : ألم يبلغك مَا صَنَعُوا ببني كَعْب ؟ وَأذن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - فِي النَّاس بالغزو . وَفِي صَحِيح ابْن حبَان من حَدِيث مُجَاهِد ، عَن ابْن عمر قَالَ : كَانَت خُزَاعَة حلفاء لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ، وَكَانَت بَنو بكر رهطًا من بني كنَانَة حلفاء لأبي سُفْيَان .
قَالَ : وَكَانَت بَينهم موادعة أَيَّام الْحُدَيْبِيَة ، فأغارت بَنو بكر عَلَى خُزَاعَة فِي تِلْكَ الْمدَّة ، فبعثوا إِلَى رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - (يشهدونه) ، فَخرج رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - ممدًّا لَهُم فِي شهر رَمَضَان ، فصَام حَتَّى بلغ قديدًا ، ثمَّ أفطر ، وَقَالَ : ليصم النَّاس فِي السّفر ويفطروا ، فَمن صَامَ أَجْزَأَ عَنهُ صَوْمه ، وَمن أفطر وَجب عَلَيْهِ الْقَضَاء . فَفتح الله مَكَّة ، فَلَمَّا دَخلهَا أسْند ظَهره إِلَى الْكَعْبَة ، ثمَّ قَالَ : كفوا السِّلَاح إِلَّا خُزَاعَة وَبكر . ثمَّ سَاق الحَدِيث .