الحَدِيث الثَّانِي عشر من حلف بِغَيْر الله فقد كفر
الحَدِيث الثَّانِي عشر أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حلف بِغَيْر الله فقد كفر . هَذَا الحَدِيث صَحِيح ، رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور : الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي أَوَائِله من رِوَايَة [ سعد ] بن عُبَيْدَة ، عَن ابْن عمر ، عَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، قَالَ : وَهَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم ، فقد احتجا بِمثل إِسْنَاده ، وخرجاه فِي كِتَابَيْهِمَا ، وَلَيْسَ [ لَهُ ] عِلّة وَلم يخرجَاهُ . قَالَ : وَله شَاهد عَلَى شَرط مُسلم .
فَذكره بِإِسْنَادِهِ عَن شريك بن عبد الله النَّخعِيّ ، عَن الْحسن بن عبيد الله ، عَن سعد بن عُبَيْدَة ، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا : كل يَمِين يحلف بهَا دون الله شرك ، وَذكره أَيْضا بعد هَذَا بأوراق بِاللَّفْظِ الأول ، ثمَّ قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم . وخلا الْمَوْضِعَيْنِ فِي كتاب الْأَيْمَان فِي أَوَائِل كِتَابه . قَالَ الرَّافِعِيّ : وَيروَى أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من حلف بِغَيْر الله فقد أشرك .
قلت : هُوَ صَحِيح أَيْضا بِهَذَا اللَّفْظ ، وَرَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر ، عَن عمر أَنه قَالَ : لَا وَأبي . فَقَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : مَه ! إِنَّه من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك ، وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك [ فِي كتابي ] الْإِيمَان والأيمان من حَدِيث سعد بن عُبَيْدَة ، عَن ابْن عمر وَحده قَالَ : قَالَ رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ ، من حلف بِشَيْء دون الله فقد أشرك ، وَرَوَاهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه من رِوَايَة سعد بن عُبَيْدَة أَن ابْن عمر سمع رجلا يَقُول : والكعبة . فَقَالَ ابْن عمر : لَا يُحلف بِغَيْر الله ؛ فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - يَقُول : من حلف بِغَيْر الله فقد كفر أَو أشرك ، كَذَا فِي رِوَايَة التِّرْمِذِيّ بـ أَو الَّتِي هِيَ للشَّكّ ، وَفِي الْحَاكِم وَابْن حبَان بحذفها ، قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حسن ، وَقَالَ الْحَاكِم : صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم .
قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي : وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد . قلت : ومدار طرق هَذَا الحَدِيث عَلَى سعد بن عُبَيْدَة أَبُو حَمْزَة الْكُوفِي ، وَهُوَ ثِقَة ثَبت ، أخرج لَهُ أَصْحَاب الْكتب السِّتَّة رَوَى عَن ابْن عمر ، والبراء بن عَازِب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الحَدِيث لم يسمعهُ سعد بن عُبَيْدَة من ابْن عمر . قلت : وَفِي ذَلِك نظر ؛ فقد صرح بِسَمَاعِهِ من ابْن عمر ، وَقد بَين ذَلِك الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي الْأَطْرَاف فَقَالَ بعد أَن أخرجه من طريقي أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ : رَوَى هَذَا الحَدِيث عبد الْوَاحِد بن زِيَاد وفضيل بن سُلَيْمَان ، عَن الْحسن بن عبيد الله عَن سعد بن عُبَيْدَة ، وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن مَنْصُور عَن سعد بن عُبَيْدَة : كنت عِنْد ابْن عمر .
فَذكر فِيهِ قصَّة ، وَقَالَ : روح (وَسَعِيد) عَن مَنْصُور ، عَن سعد بن عُبَيْدَة : كنت عِنْد ابْن عمر - فَذكر الْقِصَّة ، وَقَالَ : وَمَعِي رجل من كِنْدَة - فَقُمْت من عِنْد ابْن عمر فَأتيت سعيد بن الْمسيب فَأَتَانِي الْكِنْدِيّ وَأَنا عِنْد سعيد ، فَقَالَ : مَا سَمِعت مَا حدث ابْن عمر أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سمع عمر يحلف بِأَبِيهِ فَنَهَاهُ وَقَالَ : لَا تحلفُوا بِآبَائِكُمْ قَالَ أَبُو عوَانَة الإِسْفِرَايِينِيّ : يُقَال : إِنَّه مُحَمَّد الْكِنْدِيّ ، وَقَالَ الْأَعْمَش عَن سعد بن عُبَيْدَة ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن ابْن عمر ، زَاد فِيهِ : عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ . هَذَا آخر كَلَام الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي ، وَمُلَخَّصه أَن هَذَا الحَدِيث رُوِيَ من طَرِيقين : أَحدهمَا : عَن سعد بن عُبَيْدَة عَن ابْن عمر . الثَّانِي : عَن سعد ابن عُبَيْدَة ، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ ، عَن ابْن عمر .
وَمن طَرِيق ثَالِث : عَن سعد الْمَذْكُور ، عَن ابْن عمر ، وَله طَرِيق آخر شَاهد لَهُ ، أدْركهُ الْحَافِظ أَبُو مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ من كِتَابه معرفَة الصَّحَابَة فِي تَرْجَمَة مَكْحُول الْأَسدي بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ مَرْفُوعا : من حلف بالشرك وآثم فقد أشرك ، وَمن حلف (بالْكفْر) وآثم فقد أشرك . فَائِدَة : قَالَ التِّرْمِذِيّ : فسر بعض الْعلمَاء قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : كفر أَو أشرك عَلَى التَّغْلِيظ ، كَمَا رُوِيَ أَنه عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : الرِّيَاء شرك قَالَ : وَقد فسر بعض أهل الْعلم قَوْله تَعَالَى : وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا قَالَ : لَا يرائي ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : قَوْله : فقد أشرك فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحدهمَا : فقد أشرك بَين الله وَبَين غَيره فِي التَّعْظِيم ، وَإِن لم يصر من الْمُشْركين الْكَافرين . وَثَانِيهمَا : صَار كَافِرًا بِهِ إِن اعْتقد لُزُوم يَمِينه بِغَيْر الله ، كاعتقاد لُزُومهَا بِاللَّه .