الحَدِيث الْخَامِس لَا نذر فِي مَعْصِيّة وكفارته كَفَّارَة يَمِين
الحَدِيث الْخَامِس أنَّه - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : لَا نذر فِي مَعْصِيّة ، وكفارته كَفَّارَة يَمِين . هَذَا الحَدِيث مَرْوِيّ من طرق : أَحدهَا - وَهُوَ أمثلها - من طَرِيق عمرَان بن الْحصين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما مَرْفُوعا ، رَوَاهُ كَذَلِك النَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ . قَالَ الْحَاكِم : [ هَذَا حَدِيث رَوَاهُ مُحَمَّد بن الزبير بن الْحسن عَن عمرَان ، وَرَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ عَن يَحْيَى بن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه ، عَن عمرَان ] قَالَ : وَقد أعضله معمر عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، قَالَ : حَدثنِي رجل من بني حنيفَة عَن عمرَان .
قَالَ : وَهَذَا الرجل هُوَ مُحَمَّد بن الزبير بِلَا شكّ ، فَإِنَّهُ أَرَادَ أَن يَقُول من بني حَنْظَلَة فَقَالَ : من بني حنيفَة ، فَأَما قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : لَا نذر فِي مَعْصِيّة الله فقد اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ، ومدار الحَدِيث عَلَى مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، وَلَيْسَ يَصح . هَذَا آخر كَلَام الْحَاكِم . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي علله : سَأَلت أبي عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ : رَوَاهُ جمَاعَة مِنْهُم يَحْيَى بن أبي كثير وَالثَّوْري وَأَبُو بكر النَّهْشَلِي وَغَيرهم ، فَقَالُوا : عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَن أَبِيه ، عَن عمرَان ، وَلم يذكرُوا السماع كَمَا [ ذكره ] جرير بن حَازِم ، عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَن أَبِيه ، سَمِعت عمرَان بن حُصَيْن .
الحَدِيث . قَالَ : وَرَوَاهُ عبد الْوَارِث ، عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَمَّن سمع من عمرَان مَرْفُوعا . قَالَ : وَحَدِيث عبد الْوَارِث هَذَا أشبه ؛ لِأَنَّهُ قد بَين عَورَة الحَدِيث ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي سنَنه : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن الْمُبَارك عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه ، عَن عمرَان .
ثمَّ أخرجه الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث الْأَوْزَاعِيّ ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن رجل من بني حَنْظَلَة ، عَن عمرَان بن عدي . هَذَا الحَدِيث مَشْهُور بِمُحَمد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه عَن عمرَان ، وَاخْتلف عَلَيْهِ فِي إِسْنَاده وَمَتنه ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهُوَ مُنْقَطع ، الزبير لم يسمع من عمرَان . قَالَ يَحْيَى بن معِين : قيل لمُحَمد بن الزبير : أسمع أَبوك من عمرَان ؟ (قَالَ : لَا) .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالَّذِي يدل عَلَى هَذَا أَن ابْن الْمُبَارك رَوَاهُ عَن عبد الْوَارِث بن سعيد ، عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن أَبِيه أَن رجلا حَدثهُ أَنه سَأَلَ عمرَان بن الْحصين . ، قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقيل : عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي ، عَن رجل صَحبه ، عَن عمرَان . وَقيل : عَن مُحَمَّد بن الزبير ، عَن الْحسن ، عَن عمرَان قَالَ : وَهَذَا مُنْقَطع ؛ فَلَا يَصح عَن الْحسن عَن عمرَان سَماع من وَجه صَحِيح يثبت مثله ، قَالَ عَلّي ابن الْمَدِينِيّ : لم يَصح عَن الْحسن عَن عمرَان سَماع من وَجه صَحِيح يثبت .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَمُحَمّد بن الزبير الْحَنْظَلِي لَيْسَ بِالْقَوِيّ ، قَالَ خَ : مُنكر الحَدِيث . وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : إِن الْحسن لم يسمع من عمرَان ، وَقَالَ هُوَ وجماعات : إِن الْحسن سمع من عمرَان . فَجزم ابْن حبَان فِي صَحِيحه بِأَنَّهُ سمع مِنْهُ ، ذُكِرَ ذَلِك فِي حَدِيث الْحسن ، عَن سَمُرَة : كَانَت لرَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - سكتتان ، وَهُوَ مَا اقْتَضَاهُ إِيرَاد شَيْخه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا ؛ فَإِن [ الْحَاكِم ] أخرج لَهُ حَدِيثا فِي طيب الرِّجَال : ريح لَا لون لَهُ ، وَطيب النِّسَاء لون لَا ريح لَهُ ، وَهَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد وَلم يخرجَاهُ ؛ فَإِن مَشَايِخنَا - وَإِن اخْتلفُوا فِي سَماع الْحسن عَن عمرَان فَإِن - أَكْثَرهم عَلَى أَنه سمع مِنْهُ ، وَقَالَ الْحَاكِم أَيْضا فِي مُسْتَدْركه فِي أواخره فِي أَوَائِل بَاب الْأَهْوَال : لم يخرج البُخَارِيّ وَمُسلم هَذِه التَّرْجَمَة وَهِي الْحسن عَن عمرَان .
قَالَ : وَذكر أَن الْحسن لم يسمع مِنْهُ . قَالَ : وَالَّذِي عِنْدِي أَن الْحسن قد سمع من عمرَان بن حُصَيْن . وَجزم بِهِ فِي أَوَائِل الْمُسْتَدْرك فِي كتاب الْإِيمَان ، وَكَذَا صَاحب الْكَمَال ، وَنقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي الإِمَام عَن عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ : قلت ليحيى بن معِين : الْحسن لَقِي عمرَان بن الْحصين ؟ قَالَ : أما حَدِيث الْبَصرِيين فَلَا ، وَأما حَدِيث الْكُوفِيّين فَنعم .
وَذكر الْبَيْهَقِيّ فِي بَاب لَا تَفْرِيط عَلَى من نَام عَن صَلَاة أَو نَسِيَهَا ، حَدِيثا مُصَرحًا فِيهِ بِأَن الْحسن سمع مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيث : التَّعْرِيس آخر اللَّيْل ، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَالْحَاكِم ، وَقَالَ صَاحب الإِمَام : رِجَاله ثِقَات . الطَّرِيق الثَّانِي : من حَدِيث الزُّهْرِيّ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور ، رَوَاهُ أَحْمد وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة ، وَهُوَ مُنْقَطع وَإِن ذكره ابْن السكن فِي صحاحه ؛ لِأَن الزُّهْرِيّ لم يسمع هَذَا الحَدِيث من أبي سَلمَة . كَذَا قَالَه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أَيُّوب ابن سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن أبي بكر بن أبي أويس ، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال ، عَن مُحَمَّد بن أبي عَتيق ومُوسَى بن عقبَة ، كِلَاهُمَا عَن ابْن شهَاب عَن سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة .
قَالَ أَحْمد بن شبويه : قَالَ ابْن الْمُبَارك فِي هَذَا الحَدِيث : حدث أَبُو سَلمَة فَدلَّ عَلَى أَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من أبي سَلمَة ، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث غَرِيب . قَالَ : وَهُوَ أصح من حَدِيث الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : سُلَيْمَان بن أَرقم مَتْرُوك الحَدِيث ، خَالفه غير وَاحِد من أَصْحَاب يَحْيَى فِي هَذَا الحَدِيث . وَقَالَ الْخطابِيّ : هَذَا حَدِيث مقلوب الْإِسْنَاد ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي علله : هَذَا الحَدِيث رُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا ، وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ قَالَ : حدث [ أَبُو ] سَلمَة .
وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ عَن سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، عَن عَائِشَة ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح ، وَرُوِيَ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن الْقَاسِم ، عَن عَائِشَة ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا حَدِيث لم يسمعهُ الزُّهْرِيّ من أبي سَلمَة ؛ فقد جَاءَ من طَرِيق آخر عَنهُ قَالَ : بَلغنِي أَن أَبَا سَلمَة قَالَ : (رُبمَا) يدل عَلَى أَن الزُّهْرِيّ لم يسمعهُ من أبي سَلمَة ؛ وَإِنَّمَا سَمعه من (سُلَيْمَان بن أَرقم مَا أَنبأَنَا بِهِ شَيخنَا) ، وَذكر بِإِسْنَادِهِ عَن الزُّهْرِيّ ، عَن سُلَيْمَان بن أَرقم ، عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن أبي سَلمَة ، وَهَذَا وهم من سُلَيْمَان ؛ فيحيى بن أبي كثير إِنَّمَا رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن الزبير الْحَنْظَلِي عَن أَبِيه عَن عمرَان مَرْفُوعا كَمَا تقدم ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه من حَدِيث غَالب بن عبيد الله الْعقيلِيّ الْجَزرِي ، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح ، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا : من جعل عَلَيْهِ نذر فِي مَعْصِيّة ، فكفارته كَفَّارَة يَمِين . وغالب هَذَا ضَعِيف بِمرَّة ، قَالَ الْأَزْدِيّ : مَتْرُوك الحَدِيث ، لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ . فتلخص ضعف هَذِه الطّرق بالانقطاع وَغَيره ، وَمِمَّنْ ضعفه من الْمُتَأَخِّرين : النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدارقطني من رِوَايَة عَائِشَة وَعمْرَان .
وَضعفهمَا فَقَالَ : وَاتفقَ الْحفاظ عَلَى ذَلِك ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَة : حَدِيث لَا نذر فِي مَعْصِيّة وكفارته كَفَّارَة يَمِين ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين . الطَّرِيق الثَّالِث : من حَدِيث كريب ، عَن ابْن عَبَّاس ، أَن النَّبِي - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - قَالَ : من نذر نذرا فِي مَعْصِيّة فكفارته كَفَّارَة يَمِين . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيه طول ، وَذكر أَنه رُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى ابْن عَبَّاس وَإِسْنَاده جيد ، وَأعله ابْن حزم فِي محلاه فَقَالَ : فِيهِ طَلْحَة بن يَحْيَى ، وَهُوَ حَدِيث ضَعِيف جدًّا .
قلت : قد قَالَ يَحْيَى بن معِين : ثِقَة ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَا بَأْس بِهِ . وَاحْتج بِهِ الشَّيْخَانِ ؛ نعم قَول ابْن حزم فِيهِ هُوَ قَول يَعْقُوب بن شيبَة ، وَقَالَ أَحْمد : مقارب الحَدِيث ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَيْسَ بِقَوي . قَالَ ابْن حزم : وَرُوِيَ مثله عَن ابْن عَبَّاس ، وَهُوَ من طَرِيق إِسْمَاعِيل بن أبي أويس عَن أَبِيه ، وَأَبُو أويس ضَعِيف .
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا من حَدِيث الْحسن الْبَصْرِيّ مَرْفُوعا وَهُوَ مُرْسل ، قَالَ عبد الْحق : وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق بِإِسْنَاد مُرْسل ومنقطع عَن يَحْيَى بن أبي كثير ، عَن رجل من بني حنيفَة وَأبي سَلمَة ، كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله - صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم - . الحَدِيث .