حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تأويل مختلف الحديث

الْاخْتِلَافُ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْأُصُولِ

الْاخْتِلَافُ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ فِي الْأُصُولِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ وَلَوْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِ وَالسُّنَنِ لَاتَّسَعَ لَهُمُ الْعُذْرُ عِنْدَنَا ، وَإِنْ كَانَ لَا عُذْرَ لَهُمْ مَعَ مَا يَدَّعُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ كَمَا اتَّسَعَ لِأَهْلِ الْفِقْهِ ، وَوَقَعَتْ لَهُمُ الْأُسْوَةُ بِهِمْ . وَلَكِنَّ اخْتِلَافَهُمْ فِي التَّوْحِيدِ ، وَفِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي قُدْرَتِهِ ، وَفِي نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَعَذَابِ أَهْلِ النَّارِ ، وَعَذَابِ الْبَرْزَخِ ، وَفِي اللَّوْحِ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا نَبِيٌّ إِلَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى . وَلَنْ يَعْدَمَ هَذَا مِنْ رَدِّ مِثْلِ هَذِهِ الْأُصُولِ إِلَى اسْتِحْسَانِهِ وَنَظَرِهِ وَمَا أَوْجَبَهُ الْقِيَاسُ عِنْدَهُ ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي عُقُولِهِمْ وَإِرَادَاتِهِمْ وَاخْتِيَارَاتِهِمْ .

فَإِنَّكَ لَا تَكَادُ تَرَى رَجُلَيْنِ مُتَّفِقَيْنِ ، حَتَّى يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ، يَخْتَارُ مَا يَخْتَارُهُ الْآخَرُ ، وَيَرْذُلُ مَا يَرْذُلُهُ الْآخَرُ إِلَّا مِنْ جِهَةِ التَّقْلِيدِ . وَالَّذِي خَالَفَ بَيْنَ مَنَاظِرِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلُغَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِهِمْ وَخُطُوطِهِمْ وَآثَارِهِمْ - حَتَّى فَرَّقَ الْقَائِفُ بَيْنَ الْأَثَرِ وَالْأَثَرِ ، وَبَيْنَ الْأُنْثَى وَالذَّكَرِ - هُوَ الَّذِي خَالَفَ بَيْنَ آرَائِهِمْ ، وَالَّذِي خَالَفَ بَيْنَ الْآرَاءِ هُوَ الَّذِي أَرَادَ الْاخْتِلَافَ لَهُمْ ، وَلَنْ تَكْمُلَ الْحِكْمَةُ وَالْقُدْرَةُ إِلَّا بِخَلْقِ الشَّيْءِ وَضِدِّهِ لِيُعْرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ . فَالنُّورُ يُعْرَفُ بِالظُّلْمَةِ ، وَالْعِلْمُ يُعْرَفُ بِالْجَهْلِ ، وَالْخَيْرُ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ ، وَالنَّفْعُ يُعْرَفُ بِالضُّرِّ ، وَالْحُلْوُ يُعْرَفُ بِالْمُرِّ ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ .

وَالْأَزْوَاجُ : الْأَضْدَادُ وَالْأَصْنَافُ كَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَالْيَابِسِ وَالرَّطْبِ ، وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى . وَلَوْ أَرَدْنَا - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنْ نَنْتَقِلَ عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَنَرْغَبَ عَنْهُمْ إِلَى أَصْحَابِ الْكَلَامِ وَنَرْغَبَ فِيهِمْ ، لَخَرَجْنَا مِنِ اجْتِمَاعٍ إِلَى تَشَتُّتٍ ، وَعَنْ نِظَامٍ إِلَى تَفَرُّقٍ ، وَعَنْ أُنْسٍ إِلَى وَحْشَةٍ ، وَعَنِ اتِّفَاقٍ إِلَى اخْتِلَافٍ ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ كُلَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَا يَكُونُ . وَعَلَى أَنَّهُ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ ، وَعَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ ، وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَعَلَى تَقْدِيمِ الشَّيْخَيْنِ ، وَعَلَى الْإِيْمَانِ بِعَذَابِ الْقَبْرِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ ، وَمَنْ فَارَقَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا نَابَذُوهُ وَبَاغَضُوهُ وَبَدَّعُوهُ وَهَجَرُوهُ .

وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ لِغُمُوضٍ وَقَعَ فِي ذَلِكَ ، وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ بِكُلِّ حَالٍ - مَقْرُوءًا وَمَكْتُوبًا وَمَسْمُوعًا وَمَحْفُوظًا - غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَهَذَا الْإِجْمَاعُ .

موقع حَـدِيث