اسْتِدْرَاكَاتُ ابْنِ رَاهَوَيْهِ عَلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ
اسْتِدْرَاكَاتُ ابْنِ رَاهَوَيْهِ عَلَى أَصْحَابِ الرَّأْيِ : وَكَانَ يُعَدِّدُ مِنْ ذَلِكَ أَشْيَاءَ ، مِنْهَا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا نَامَ جَالِسًا ، وَاسْتَثْقَلَ فِي نَوْمِهِ ، لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ . ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ مُنْتَقَضُ الطَّهَارَةِ ، قَالَ : وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ . عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ أَصْلٌ ، فَيُحْتَجُّ بِهِ فِي انْتِقَاضِ وُضُوئِهِ ، وَفِي النَّوْمِ غَيْرُ حَدِيثٍ مِنْهَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ انْفَتَحَ الْوِكَاءُ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ : مَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ .
قَالَ : فَأَوْجَبُوا فِي الضَّجْعَةِ الْوُضُوءَ إِذَا غَلَبَهُ النَّوْمُ ، وَأَسْقَطُوهُ عَنِ النَّائِمِ الْمُسْتَثْقِلِ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا . قَالَ : وَهَاتَانِ الْحَالَانِ فِي خَشْيَةِ الْحَدَثِ أَقْرَبُ مِنَ الضَّجْعَةِ ، فَلَا هُمُ اتَّبَعُوا أَثَرًا وَلَا لَزِمُوا قِيَاسًا . قَالَ: وَقَالُوا : مَنْ تَقَهْقَهَ بَعْدَ التَّشَهُّدِ أَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ ، وَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ لِصَلَاةٍ أُخْرَى .
قَالَ : فَأَيُّ غَلَطٍ أَبْيَنُ مِنْ غَلَطِ مَنْ يَحْتَاطُ لِصَلَاةٍ لَمْ تَحْضُرْ ، وَلَا يَحْتَاطُ لِصَلَاةٍ هُوَ فِيهَا . قَالَ : وَقَالُوا فِي رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ جَدَّهُ أَبَا أُمِّهِ وَبِنْتَ بِنْتِهِ : الْمَالُ لِلْجَدِّ دُونَ بِنْتِ الْبِنْتِ وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَهُمْ مَعَ جَمِيعِ ذَوِي الْأَرْحَامِ . قَالَ: فَأَيُّ خَطَأٍ أَفْحَشُ مِنْ هَذَا ؛ لِأَنَّ الْجَدَّ يُدْلِي بِالْأُمِّ فَكَيْفَ يُفَضَّلُ عَلَى بِنْتِ الْبِنْتِ وَهِيَ تُدْلِي بِالْبِنْتِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَبَّهُوا أَبَا الْأُمِّ بِأَبِي الْأَبِ ، إِذِ اتَّفَقَ أَسْمَاؤُهُمَا .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْحَنْظَلِيُّ وَهُوَ ابْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : مَا بَالُهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ ؟ أَيُرِيدُ أَنْ يَطِيرَ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : إِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَطِيرَ إِذَا افْتَتَحَ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَطِيرَ إِذَا خَفَضَ وَرَفَعَ . قَالَ: هَذَا مَعَ تَحَكُّمِهِ فِي الدِّينِ كَقَوْلِهِ : أَقْطَعُ فِي السَّاجِ وَالْقَنَا ، وَلَا أَقْطَعُ فِي الْخَشَبِ وَالْحَطَبِ ، وَأَقْطَعُ فِي النَّوْرَةِ ، وَلَا أَقْطَعُ فِي الْفَخَّارِ وَالزُّجَاجِ . فَكَأَنَّ الْفَخَّارَ وَالزُّجَاجَ لَيْسَا مَالًا ، وَكَأَنَّ الْآبِنُوسَ لَيْسَ خَشَبًا .
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ : وَسُئِلَ - يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ - عَنِ الشُّرْبِ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِكَ ، فَتُدْخِلُ يَدكَ الْمَاءَ فَتَشْرَبُهُ بِهَا ، وَكَانَ يُعَدِّدُ مِنْ هَذَا أَشْيَاءَ يَطُولُ الْكِتَابُ بِهَا ، وَأَعْظَمُ مِنْهَا مُخَالَفَةُ كِتَابِ اللَّهِ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَقْرَؤُوهُ . وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَدِي لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَمْدًا إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ أَوْ يَقْتَصَّ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ . يُرِيدُ : فَمَنْ عَفَا عَنِ الدَّمِ فَلْيَتَّبِعْ بِالدِّيَةِ اتِّبَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ، أَيْ : يُطَالِبُ مُطَالَبَةً جَمِيلَةً ، لَا يُرْهِقُ الْمَطْلُوبَ ، وَلْيُؤَدِّ الْمُطَالَبُ الْمَطْلُوبَ أَدَاءً بِإِحْسَانٍ ، لَا مَطْلَ فِيهِ وَلَا دِفَاعَ عَنِ الْوَقْتِ .
ثُمَّ قَالَ - جَلَّ وَعَزَّ - ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ يَعْنِي تَخْفِيفًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ مِمَّا كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أُلْزَمُوهُ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ . ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ أَيْ: بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ فَقَتَلَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالُوا: يُقْتَلُ وَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ الدِّيَةُ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا أُعَافِي أَحَدًا قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ وَهَذَا وَأَشْبَاهُهُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْقُرْآنِ لَا عُذْرَ فِيهِ ، وَلَا عُذْرَ فِي مُخَالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الْعِلْمِ بِقَوْلِهِ .
فَأَمَّا الرَّأْيُ فِي الْفُرُوعِ فَأَخَفُّ أَمْرًا ، وَإِنْ كَانَ مَخَارِجُ أُصُولِ الْأَحْكَامِ وَمَخَارِجُ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَتَقْدِيرِ الْعُقُولِ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : حَدَّثَنِي الزِّيَادِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّم اللَّهُ وَجْهَهُ : مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ أَعْلَى الْقَدَمِ أَحَقُّ بِالْمَسْحِ مِنْ بَاطِنِهَا ، حَتَّى رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى أَعْلَى قَدَمَيْهِ . وَحَدَّثَنِي أَبُو حَاتِمٍ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ زُفَرَ بْنَ هُذَيْلٍ يَقُولُ : فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِمَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إِلَى الْعِشْرِينَ .
قَالَ: يُعْطَى تِسْعَةً ، لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ الْعَقْدُ ، وَلَا هَذَا الْعَقْدُ . كَمَا تَقُولُ : لَهُ مَا بَيْنَ الْأُسْطُوَانَتَيْنِ فَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا ، لَيْسَتْ لَهُ الْأُسْطُوَانَتَانِ . فَقُلْنَا لَهُ : فَرَجُلٌ مَعَهُ ابْنٌ لَهُ مَحْظُوظٌ ، قِيلَ لَهُ : كَمْ لِابْنِكَ ؟ قَالَ: مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى اثْنَيْنِ وَسِتِّينَ ، فَهَذَا - فِي قِيَاسِكُمْ - ابْنُ سَنَةٍ .
قَالَ: اسْتُحْسِنَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَحَدَّثَنَا عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ : كَمْ فِي أُصْبَعِ الْمَرْأَةِ ؟ قَالَ : عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ ، قُلْتُ : فَكَمْ فِي أُصْبَعَيْنِ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ ، قُلْتُ : فَكَمْ فِي ثَلَاثِ أَصَابِعَ ؟ قَالَ : ثَلَاثُونَ مِنَ الْإِبِلِ ، قُلْتُ : فَكَمْ فِي أَرْبَعِ أَصَابِعَ ؟ قَالَ : عِشْرُونَ مِنَ الْإِبِلِ ، قُلْتُ : حِينَ عَظُمَ جَرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا ؟ قَالَ : هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي .